يقدم المقال قراءة نقدية لظاهرة الانسياق وراء المرويات التاريخية والمنقولات غير الدقيقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مبيناً كيف يُستدرج بعض المثقفين وأصحاب التجارب للوقوع في فخ الترويج للمعلومات التلفيقية وإثارة النزاعات الفئوية. ويسلط الضوء على الفرق بين الوعي الناضج الذي يدرك حجم الجهل الفردي أمام سعة المعرفة ويتسم بالتحري والرصانة...
تنسب الى ابن خلدون عبارة مهمة، ربما استخلصها الباحثون من قراءتهم كتبه وهي؛ “شعور الإنسان بجهله ضرب من ضروب المعرفة”! توقفت عند هذه المقولة التي وجدت ما يشابهها لغيره من اعلام الثقافة على مرّ التاريخ، بل أكاد أجزم أني، ومن خلال قراءاتي، وقفت عليها مبثوثة بتعبيرات مختلفة في الكثير من الكتب لمثقفين من مختلف التوجهات، فهي تعكس وعي الانسان ورقي عقله حين يصل الى مرحلة متقدمة من النضج، وتختزل رحلة بحثه عن المعرفة التي كلما جدّ الانسان في الحصول على المزيد منها، أدرك أن مساحتها أوسع بكثير مما يستطيع عمره القصير أن يغطيها.
وهنا يكمن مأزق الانسان بشكل عام، وطالب العلم والثقافة بشكل خاص، فمع تقدم العمر وسعة الاطلاع وتعمّق الوعي، يجد في نفسه حاجة حقيقية للاعتذار ممن اخطأ بحقهم، او يراجع بعض المواقف التي اتخذها تحت ضغط وعي سطحي ومعرفة ناقصة مشفوعة بحماسة الشباب، ليتخفف من عبء أخلاقي يصير يؤرقه.
مثقفون ومهتمون بالثقافة، بعضهم من أصحاب التجربة والخبرة او هكذا ينظر اليهم، ينشرون على (الفيسبوك) مواد تثير الاستغراب حقا، مستندين على (منقولات) عن أحداث ومواقف (تاريخية)، بعيدة وقريبة نشرها غيرهم وراحوا هم ينسجون عليها ليعيدوا انتاجها وفقا لرؤية كل واحد منهم، أو ليعبّروا من خلالها عن (مواقفهم). لكن غالبا ما نعرف أن هذه المنقولات غير دقيقة، بل وملفّقة تستهدف اثارات معينة ولأغراض معروفة.
السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه هؤلاء على انفسهم، هو ما جدوى البحث في هذه الموضوعات التي وصلتنا مترحلة من قرون مضت، ويراد لنا أن نتوزع بينها مختلفين ومتنابذين، وكأننا نعيش ارهاصاتها ونعرف مدخلاتها، ومن يجزم أننا لو كنا نعيش زمن وقوعها أو وجدنا أنفسنا في خضمّها سنتخذ الموقف الصحيح الذي ربما تبين لاحقا او بعد عشرات او مئات من السنين، كما يحصل في أحداث كثيرة قديمة وحديثة اختلف فيها الناس وتصادموا قبل أن يكتشفوا أن كل منهم كان يحمل الضدين معا، الخطأ والصواب معا؟.
للأسف الشديد، يتكرر هذا كثيرا، ولم يتعظ هؤلاء ويكونوا أكثر حذرا، مع أننا نرى بعض (المعلومات) او الأخبار، التي يسفحها البعض بمكر على جدران (الفيسبوك) غير بريئة المقاصد أصلا، أي أن هناك من يروج لها لغاية في نفسه او مدفوع من جهات معينة، وفي كل الأحوال يبقى التحقق من صحة المقروءات بشكل عام، غاية الإنسان الرصين الذي لا يستفز بسهولة ويندفع وراء أهوائه وعواطفه، لكي لا يعطي للآخرين مبررا لاتهامه بالخفّة والتسرّع.
نعم، كلما تقدم الانسان في المعرفة أدرك حجم جهله امام ما ينبغي أن يتحصل عليه من أجوبة على أسئلة كثيرة، لكن البعض ممن يتملكهم الوهم بانهم باتوا من أصحاب التجارب ويطرحون انفسهم بوصفهم الأحرص على الطائفة والقومية والجماعة، لا يريدون ان يدركوا انهم يسيئون لأهلهم مثلما يسيئون لأنفسهم ويروجون للفتن والخراب من حيث يقصدون او لا يقصدون، ووهمهم هذا تعكسه مواقفهم المرتبكة واندفاعاتهم الصبيانية التي تعبر عن حقيقتهم، وهنا تكمن ازمة راهننا، الذي أصبح فيه أمثال هؤلاء أصحاب منابر يشيعون من خلالها ثقافة الكراهية والتلفيق واللاّوطنية بالتأكيد.



اضف تعليق