يضع تصاعد استهداف السعودية المنطقة أمام مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف، حيث تتداخل قوى المنطقة ضمن صراع أوسع على حدود القوة. حيث الاستنزاف المتبادل يعيد تشكيل الشرق الأوسط عبر منع أي طرف من امتلاك فائض قوة يسمح له بالهيمنة، ودفع القوى الإقليمية تدريجيًا نحو توازن جديد وتسوية لا ينتصر...

يصعب تفسير التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط من خلال كل جبهة منفردة. فالحرب الأميركية–الإيرانية تتواصل من دون حسم، ومضيق هرمز يتحول إلى أداة ضغط، والحوثيون يعودون بقوة إلى المواجهة مع السعودية ويتقدمون نحو باب المندب، وهجمات تنطلق من الأراضي العراقية تستهدف خط النفط السعودي شرق–غرب، فيما تتردد الولايات المتحدة في الدخول في حرب جديدة نيابة عن الرياض، وتحاول باكستان الوقوف بين التزامها الدفاعي تجاه السعودية وحاجتها إلى إبقاء قناة مفتوحة مع إيران.

عند جمع هذه الوقائع، يبرز سؤال يتجاوز أحداث الأيام الأخيرة: هل المنطقة أمام سلسلة حروب متفرقة خرجت عن السيطرة، أم أمام مرحلة يجري خلالها إعادة توزيع القوة قبل تسوية أكبر؟

لا توجد أدلة تسمح بالقول إن هناك خطة سرية متفقًا عليها بين القوى الكبرى والإقليمية لإدارة الحرب بهذه الصورة. لكن ثمة فرضية تحليلية تستحق الاختبار: أن الاستنزاف الجاري يؤدي موضوعيًا، سواء كان مقصودًا بالكامل أم لا، إلى منع أي طرف من امتلاك فائض قوة يمكّنه من فرض نظام إقليمي منفرد. ومن ثم يصبح الهدف العملي للحرب ليس صناعة منتصر مطلق، وإنما إعادة الجميع إلى مستويات من القوة تجعلهم محتاجين إلى التسوية، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بدور الموازن الخارجي الأثقل.

هذه الفرضية لا تعني أن الأطراف تتعاون سرًا، بل إن لكل منها أهدافًا متعارضة، إلا أن تفاعل تلك الأهداف قد ينتج في النهاية نظامًا لا يستطيع فيه أي طرف أن ينتصر وحده.

من حرب الحسم إلى حرب منع الحسم

كانت معظم الحروب التقليدية تقوم على سؤال واضح: من سينتصر؟

لكن الحرب الراهنة تبدو مختلفة. الولايات المتحدة وإسرائيل وجهتا ضربات قاسية إلى إيران، إلا أن طهران لم تنهَر ولم تفقد قدرتها على تعطيل الملاحة والرد عبر الصواريخ وشبكاتها الإقليمية. وفي المقابل، أثبتت إيران قدرتها على إلحاق تكاليف اقتصادية وعسكرية بخصومها، لكنها لم تستطع إخراج الولايات المتحدة من المنطقة أو فرض سيطرتها عليها.

بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب، وصفت تحليلات أميركية المشهد بأنه تحول عميق في علاقة المنطقة بالولايات المتحدة وفي ميزان القوى، بينما أشارت رويترز إلى تصاعد المخاوف داخل الولايات المتحدة من الانجرار إلى حرب طويلة تشبه «الحروب التي لا تنتهي» التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر.

وهنا يمكن التمييز بين إضعاف الخصم وإنهائه. إضعاف إيران يخفض قدرتها على فرض شروطها، لكن تدمير الدولة الإيرانية أو انهيارها الكامل قد يفتح فراغًا أمنيًا وجيوسياسيًا شديد الخطورة. وبالمقابل، السماح لإيران بالخروج منتصرة وقادرة على التحكم بهرمز وشبكة واسعة من الجماعات المسلحة سيؤدي إلى خلل معاكس في ميزان المنطقة.

لذلك يبدو أن الحرب تتحرك داخل مساحة وسطى: ضغط كافٍ لمنع إيران من امتلاك فائض قوة، ولكن من دون نتيجة حاسمة حتى الآن تنهي وجودها بوصفها قوة إقليمية. وهذه القاعدة نفسها يمكن رؤيتها عند النظر إلى السعودية والحوثيين والعراق.

لماذا دخلت السعودية فجأة إلى قلب المواجهة؟

ظهور السعودية بقوة في الأسابيع الأخيرة ربما يكون أهم تحول في الحرب، لأنها كانت طوال مرحلة طويلة تحاول البقاء على هامش الصدام الأميركي–الإيراني والتركيز على الاستقرار الاقتصادي والتحول الداخلي. لكن المملكة أصبحت الآن تقع عند تقاطع أهم خطوط الحرب.

عندما تعطلت الملاحة في مضيق هرمز، أصبح خط النفط السعودي شرق–غرب أحد أهم البدائل لنقل الخام من الخليج إلى البحر الأحمر. وكان الخط ينقل في الفترة الأخيرة بين أربعة وخمسة ملايين برميل يوميًا، أي نحو 5% من الإمدادات العالمية. ثم تعرض الخط نفسه لهجوم بطائرات مسيرة انطلقت، وفق السعودية والحكومة العراقية، من الأراضي العراقية.

وفي الوقت نفسه تقدم الحوثيون على الساحل اليمني وسيطروا على المخا ثم مواقع وجزر استراتيجية بينها بريم قرب باب المندب، ما جعل طريق البحر الأحمر الذي تعتمد عليه السعودية بديلًا من هرمز أكثر عرضة للضغط. وبذلك لم تعد المملكة مجرد حليف للولايات المتحدة أو خصم تاريخي لإيران، بل أصبحت جسرًا للطاقة بين الخليج والبحر الأحمر.

ومن هنا يمكن فهم ظهورها المفاجئ في قلب المواجهة: إذا كانت إيران تريد المحافظة على قيمة ورقة هرمز، فإن وجود ممر سعودي آمن يخفف تأثير هذه الورقة. أما إذا أصبح خط شرق–غرب وباب المندب عرضة للتهديد في الوقت نفسه، فإن الضغط على الطاقة العالمية يرتفع بصورة هائلة.

إذن قد لا يكون استهداف السعودية هدفًا منفصلًا، بل جزءًا من معركة أوسع حول من يمتلك القدرة على التحكم بكلفة استمرار الحرب.

السعودية تحت الضغط.. ولكن من دون السماح بسقوطها

المشهد السعودي يقدم نموذجًا واضحًا لفكرة منع فائض القوة. فالرياض طلبت، وفق رويترز، مساعدة عسكرية أميركية مباشرة ضد الحوثيين بعد تقدمهم الأخير، لكن الرئيس الأميركي لم يوافق على تنفيذ ضربات أميركية جديدة، وعرض بدلًا من ذلك مشاركة المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف. وقال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة تريد حماية مصالحها الأساسية مثل حرية الملاحة، مع تمكين الشركاء الإقليميين من قيادة التعامل مع التحديات الأمنية.

وهذا الموقف يحمل دلالتين متوازيتين.

الأولى أن واشنطن لم تتخلَّ عن السعودية؛ فهي ما تزال تقدم الدعم العسكري والاستخباراتي وتحافظ على التزامها بأمن الملاحة.

لكن الثانية أن واشنطن لا تريد العودة تلقائيًا إلى النموذج القديم الذي تتحمل فيه القوات الأميركية العبء العسكري الرئيسي كلما تعرض حليف إقليمي للتهديد.

والنتيجة أن السعودية تحصل على ما يكفي من الدعم لكي لا تنهار، ولكنها لا تحصل بالضرورة على القوة الأميركية الكاملة التي تسمح لها بحسم الحرب نيابة عنها.

يمكن قراءة ذلك باعتباره جزءًا من انتقال تدريجي من الحماية المطلقة إلى الحماية المشروطة. وهذا يضع الرياض أمام ضرورة إعادة بناء أدواتها وتحالفاتها الإقليمية، من دون أن تتمكن بسهولة من التحول إلى قوة مستقلة بالكامل عن المظلة الأميركية.

باكستان: الحليف الذي لا يريد أن يصبح مقاتلًا

اتفاق الدفاع السعودي–الباكستاني–التركي كان يفترض نظريًا أن يوسع قدرة الرياض على الردع. لكن أول اختبار كبير لهذا النظام كشف حدوده. فرويترز تشير إلى أن باكستان تحاول الجمع بين دورين متناقضين: شريك دفاعي للسعودية وقناة خلفية بين واشنطن وطهران. كما أن جنودًا باكستانيين موجودون بالقرب من الحدود السعودية–اليمنية، في الوقت الذي تعتمد فيه باكستان على النفط والغاز العابرين للممرات التي تستطيع إيران والحوثيون التأثير فيها. 

لذلك نقلت إسلام آباد تحذيرًا سعوديًا إلى إيران، لكنها تجنبت حتى الآن الانخراط المباشر في حرب واسعة.

وهذه الحالة تكشف محدودية التحالفات عندما تتجاوز وظيفة الردع إلى وظيفة الحرب الشاملة.

السعودية تكتشف أن الاتفاق الدفاعي لا يعني تلقائيًا أن شركاءها سيدخلون معها كل حرب. وباكستان تكتشف أن التحالف مع الرياض لا يمكن فصله عن الجغرافيا الإيرانية وعن اعتمادها على طاقة الخليج.

إنه نموذج آخر من نماذج تقييد فائض القوة: السعودية توسع شبكة تحالفاتها، لكن مصالح الحلفاء نفسها تمنع تحول تلك الشبكة إلى كتلة عسكرية مفتوحة ضد إيران.

إيران: قوة قادرة على التعطيل أكثر من قدرتها على الهيمنة

من الجهة الأخرى، إيران تمتلك اليوم قدرة كبيرة على تعطيل النظام الإقليمي، لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على حكمه أو الهيمنة عليه. حيث يمكن لطهران الضغط في هرمز، ويمكن للحوثيين تهديد البحر الأحمر، ويمكن لجماعات عراقية ضرب أهداف في السعودية. كما تقول AP إن أدلة متزايدة تشير إلى تعاون بين الحوثيين وبعض الجماعات العراقية في إطار شبكة جديدة من الضغط على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. 

لكن قدرة إيران على التعطيل تختلف جوهريًا عن القدرة على بناء نظام إقليمي مستقر تحت قيادتها. فالاقتصاد الإيراني يخضع لضغوط كبيرة، والبنية العسكرية تتعرض للاستنزاف، وحلفاؤها يحتاجون إلى موارد مستمرة، فيما أصبحت أنشطة الجماعات المسلحة نفسها سببًا لزيادة الضغط على إيران.

حتى التحليلات التي تنتقد الوجود الأميركي المكثف في المنطقة تلاحظ أن إيران تفتقر إلى مزيج القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية اللازم لكي تتحول إلى مهيمن إقليمي مطلق. بالتالي فإن إيران تستطيع أن تجعل انتصار خصومها مكلفًا للغاية، لكنها لا تستطيع بسهولة تحويل ذلك إلى انتصار كامل لها. وهذا هو جوهر توازن الاستنزاف.

الحوثيون: من جماعة محلية إلى ورقة استراتيجية ثم إلى مشكلة تحتاج إلى تسوية

التحول الحوثي يمثل أحد أكثر أمثلة فائض القوة وضوحًا. فخلال سنوات الحرب اكتسب الحوثيون خبرة عسكرية متراكمة وقدرات صاروخية وبحرية ومسيرة أكبر بكثير مما كانت لديهم عند بداية الصراع. وفي الهجوم الأخير تمكنوا من السيطرة على المخا وجزر استراتيجية ومواقع قرب باب المندب، بينما وصفت تحليلات سقوط هذه المواقع بأنه انهيار خطير داخل التحالف اليمني المناهض لهم.

وكلما ارتفع وزن الحوثيين، أصبح من الأصعب تجاهلهم في أي تسوية سياسية. لكن القوة ذاتها تخلق مشكلة أخرى: هل يستطيع النظام الدولي والخليجي قبول قوة مسلحة مستقلة تمتلك القدرة على تعطيل باب المندب كلما اندلعت أزمة؟

على الأرجح لا. ولهذا يمكن أن تصبح النجاحات الحوثية الحالية سلاحًا ذا حدين. فهي تمنح الحوثيين رأس مال تفاوضيًا أكبر، لكنها في الوقت ذاته تجعل تنظيم وضعهم العسكري شرطًا لأي تسوية دولية أو إقليمية مستقبلية.

بمعنى آخر، قد يجري الاعتراف بهم سياسيًا مقابل خفض فائض قوتهم العسكرية. وقد تكون المعادلة المستقبلية: قبول الحوثيين كفاعل سياسي مقابل منع تحولهم إلى قوة عسكرية حرة تتحكم بأحد أهم ممرات التجارة العالمية.

العراق: الاختبار الأصعب لفكرة الدولة الواحدة

الهجوم على خط شرق–غرب السعودي من الأراضي العراقية يرفع ملف الفصائل من أزمة عراقية داخلية إلى قضية مرتبطة مباشرة بالنظام الإقليمي. فقد أكدت الحكومة العراقية أن الهجوم انطلق من أراضيها، وأقالت قائدًا أمنيًا وبدأت تحقيقًا، بينما امتنعت السعودية عن الرد فورًا وأعطت بغداد مساحة لمعالجة الأمر.

وفي الخلفية توجد مهلة 30 سبتمبر التي التزمت بها الحكومة العراقية لمحاولة حصر السلاح. وذكرت رويترز قبل أيام أن عدة جماعات قوية ترفض التخلي عن أسلحتها، وأن بعضها يمتلك صواريخ بعيدة المدى وقدرات متقدمة، فيما تحذر شخصيات سياسية عراقية من أن محاولة فرض الحصر بالقوة قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار. لكن هجومًا على السعودية يغير طبيعة المعادلة.

لم يعد السؤال فقط: هل ينبغي للدولة العراقية أن تحتكر السلاح؟ بل أصبح السؤال: هل يستطيع العراق الاحتفاظ بعلاقات طبيعية مع دول الجوار بينما تستطيع جماعات داخله اتخاذ قرار الحرب خارج سلطة الحكومة؟ ومن هنا قد يتحول حصر السلاح إلى جزء من صفقة إقليمية أوسع، وليس مجرد مشروع إصلاح داخلي.

وفي المقابل، ستكون محاولة القضاء على تلك الجماعات عسكريًا مرة واحدة شديدة الخطورة. ولذلك يمكن تصور مسار تدريجي: الاحتفاظ بجزء من بنيتها السياسية والاجتماعية، مقابل تفكيك استقلالها العسكري ووضع قدراتها الثقيلة تحت الدولة. وهنا تظهر مرة أخرى الفكرة نفسها: ليس إنهاء الطرف، بل إنهاء فائض القوة الذي يسمح له باتخاذ قرار مستقل عن النظام السياسي.

لماذا لا يريد أحد منتصرًا كاملًا؟

يبدو هذا السؤال هو أساس التحليل في هذا التقرير، فانتصار إيران الكامل يعني قدرتها على التأثير في هرمز والعراق واليمن وربما فرض معادلة أمنية يصبح الخليج بموجبها مضطرًا إلى التكيف معها.

وانتصار السعودية الكامل عبر سحق الحوثيين ومحاصرة إيران وتهميش الفصائل العراقية قد ينتج خللًا معاكسًا، فضلًا عن أن تحقيقه عسكريًا يتطلب تدخلًا أميركيًا واسعًا لا تبدو واشنطن راغبة فيه.

وانتصار الحوثيين الكامل يعني إنشاء قوة عسكرية تمتلك نفوذًا مباشرًا على باب المندب.

وانتصار الفصائل العراقية على مشروع الدولة يعني استمرار ازدواج القرار العسكري داخل العراق.

أما انتصار الولايات المتحدة بمعنى إسقاط إيران وفرض نظام سياسي جديد عليها بالقوة فقد يخلق فراغًا وفوضى شبيهة بتجارب سابقة ولكن بحجم أكبر بكثير.

بذلك يصبح عدم الانتصار الكامل مصلحة مشتركة جزئية، حتى بين أطراف متصارعة. ليس لأنها تريد الشيء نفسه، بل لأن كل طرف يخشى النتيجة التي قد يحققها انتصار الآخر.

الولايات المتحدة: من قوة حاكمة للنظام إلى موازن للقوة؟

هنا نصل إلى الفرضية الأكثر حساسية. ليس دقيقًا القول إن الولايات المتحدة تتعامل مع جميع الأطراف على قدم المساواة. واشنطن لديها حلفاء واضحون، وفي مقدمتهم السعودية ودول الخليج وإسرائيل. لكن الدعم للحلفاء لا يعني بالضرورة الرغبة في ظهور قوة إقليمية مستقلة تمامًا عن المظلة الأميركية.

تاريخيًا، انشغل جزء كبير من السياسة الأميركية في الخليج بمنع ظهور قوة قادرة وحدها على التحكم بالطاقة والممرات البحرية وفرض إرادتها على بقية المنطقة. لهذا دعمت واشنطن توازنات مختلفة في مراحل مختلفة، وتغير الخصوم من العراق في عهد صدام حسين إلى إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها.

في النظام الحالي، يمكن للولايات المتحدة أن تكون حليفًا للسعودية وفي الوقت نفسه ترفض تنفيذ كل حرب تطلبها الرياض. ويمكنها ضرب إيران بقوة لكنها تتجنب، حتى الآن، حربًا برية واسعة لإسقاط الدولة الإيرانية. ويمكنها دعم الحكومة العراقية ضد الفصائل من دون تشجيع حرب أهلية داخل البيئة الشيعية.

هذا السلوك يصبح أقل تناقضًا إذا اعتبرنا أن الهدف ليس صناعة مهيمن محلي جديد، بل المحافظة على توازن لا يمكن لأي طرف إقليمي كسره منفردًا. وفي مثل هذا النظام تصبح الولايات المتحدة «ميزان القوة» أكثر من كونها الطرف الذي يحكم المنطقة مباشرة.

فهي توفر الردع، السلاح، الاستخبارات، الوصول إلى النظام المالي، الحماية البحرية، والقدرة على التدخل عند الضرورة، لكنها تحاول بصورة متزايدة أن تجعل القوى المحلية تتحمل الجزء الأكبر من إدارة توازناتها.

رفض التدخل المباشر ضد الحوثيين مع استمرار الدعم الاستخباراتي مثال واضح على هذا الاتجاه. 

الاستنزاف الاقتصادي جزء من ميزان القوة

الحرب الحالية لا تستنزف الجيوش وحدها. حيث إيران تتعرض لعقوبات وضربات وخسائر في صادراتها. والسعودية تخسر جزءًا من قدرتها على استخدام بنيتها النفطية بأمان وتواجه ارتفاع تكاليف التأمين والحماية. وقد دخلت الرياض بالفعل في محادثات لإنشاء نظام تأمين مدعوم من الدولة ضد مخاطر الحرب بعد ارتفاع الأقساط وتراجع استعداد بعض شركات التأمين لتغطية الملاحة في المنطقة. 

الولايات المتحدة نفسها تدفع ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا، إذ تجاوز النفط 100 دولار وارتفعت تكاليف الاقتراض، بينما تشير رويترز إلى أن ارتفاع الطاقة أصبح عامل ضغط داخلي على الإدارة الأميركية.

حتى الاقتصاد العالمي أصبح جزءًا من الاستنزاف، إذ بلغت تكلفة شحن بعض ناقلات الخام مستويات قياسية بعد الاعتداءات على الملاحة في هرمز والبحر الأحمر. 

وهذا مهم لأن التسويات الكبرى لا تبدأ فقط عندما يعجز أحد الأطراف عسكريًا، وإنما عندما يصبح ثمن الاستمرار أكبر من القيمة المتوقعة للانتصار.

«يجب أن يدفع الجميع الثمن» بوصفها قاعدة تفاوضية

ليس المقصود بهذه العبارة أن هناك قوة قررت مسبقًا معاقبة الجميع بالتساوي، وإنما أن التسوية المتوازنة عادة لا تنضج إلا عندما يكتشف كل طرف حدود قدرته.

إيران ينبغي أن تصل إلى مرحلة تدرك فيها أن الاحتفاظ بشبكة مسلحة قادرة على العمل دون قيود سيجلب عليها استنزافًا مستمرًا.

السعودية ينبغي أن تدرك أن أمنها لا يمكن أن يعتمد فقط على الحرب أو الضمان الأميركي، وإنما يتطلب تفاهمات إقليمية أيضًا.

الحوثيون يحتاجون إلى إدراك أن السيطرة العسكرية يمكن أن تمنحهم مكانًا على طاولة المفاوضات، لكنها لا تضمن قبولًا دوليًا بسيطرة مفتوحة على الممرات البحرية.

الفصائل العراقية تواجه خيارًا بين الاندماج في الدولة وبين تحولها إلى مصدر صراع بين العراق وجيرانه.

أما الولايات المتحدة فتكتشف هي الأخرى أن القوة الجوية والبحرية تستطيع إضعاف إيران، لكنها لا تنتج بالضرورة نظامًا سياسيًا مستقرًا.

هكذا يدفع الجميع الكلفة، ولكن الكلفة الأساسية هي التخلي عن الطموح إلى الانتصار الكامل.

من فائض القوة إلى التوازن المقبول

يمكن تصور التسوية المستقبلية بوصفها عملية مقايضة واسعة.

قد تحصل إيران على تخفيف تدريجي للعقوبات وضمانات لعدم استهداف وجود الدولة مقابل قيود أعمق على النووي وعلى حرية عمل شبكاتها الإقليمية.

وقد تحصل السعودية على ضمانات أمنية أكثر وضوحًا وعلى وقف الهجمات على منشآتها، مقابل قبول الحوثيين كجزء دائم من الخريطة السياسية اليمنية وعدم العودة إلى هدف القضاء الكامل عليهم.

وقد يحصل الحوثيون على الاعتراف والمشاركة والموارد، مقابل ترتيبات صارمة بشأن الصواريخ والمسيّرات وباب المندب.

وقد يحصل العراق على تخفيف الضغط الخارجي وانسحاب أوسع للقوات الأجنبية، مقابل تحول مبدأ «حصر السلاح» إلى واقع فعلي.

وقد تقبل واشنطن بتخفيف الانتشار العسكري المباشر إذا حصلت في المقابل على نظام يضمن أمن الملاحة والطاقة ويمنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة.

وفي هذا السيناريو لا يحصل أحد على كل شيء. وهذا تحديدًا قد يكون معيار نجاح التسوية.

هل نحن أمام خطة أميركية؟

لا توجد حتى الآن أدلة على أن الولايات المتحدة خططت لكل هذه التطورات أو أنها تتحكم بجميع مساراتها. بالعكس، كثير من التطورات الحالية يضر بمصالحها ويضغط عليها سياسيًا واقتصاديًا.

والأرجح أن واشنطن تمارس إدارة التوازن داخل أزمة لم تصمم كل تفاصيلها. وهناك فرق كبير بين الاثنين.

إدارة التوازن تعني أن الولايات المتحدة تتعامل مع كل تطور جديد بما يمنع انقلاب ميزان القوة بصورة حادة: تدعم السعودية ولكن لا تدخل حرب اليمن كاملة؛ تضغط على إيران لكن لا يبدو أنها تملك حتى الآن خطة سهلة لإسقاطها؛ تدعم بغداد في حصر السلاح ولكن تخشى انفجارًا داخليًا؛ وتحمي الملاحة من دون القدرة على ضمانها بالكامل.

إذن ليست المسألة مؤامرة متقنة تتحرك فيها جميع القطع بأمر قوة واحدة، بل صراع متعدد الأطراف تحاول فيه واشنطن المحافظة على موقع الموازن عندما تتحرك الكفة أكثر مما ينبغي في اتجاه طرف معين.

حرب ما قبل الصفقة؟

هذا يقود إلى الاحتمال المركزي.فقد تكون المنطقة قد دخلت ما يمكن تسميته «حرب ما قبل الصفقة». ففي هذا النوع من الحروب لا يصعّد الطرف لأنه يعتقد بالضرورة أنه يستطيع الانتصار الكامل، بل لأنه يريد دخول المفاوضات بأكبر قدر من الأوراق.

إيران تريد أن تثبت أن الحرب معها تعني ارتفاع النفط وتهديد هرمز والبحر الأحمر وضغطًا على الحلفاء الأميركيين.

الحوثيون يريدون توسيع الأرض والنفوذ قبل أي تسوية يمنية جديدة.

السعودية تريد إثبات أن أمن الطاقة العالمي مرتبط بأمنها، وبالتالي أن حلفاءها لا يستطيعون تركها وحدها.

الحكومة العراقية تريد إظهار قدرتها على احتكار القرار الأمني قبل موعد 30 سبتمبر.

والولايات المتحدة تريد دفع إيران إلى قبول اتفاق أوسع من دون العودة إلى حرب برية.

أي أن الأطراف ربما لا تتفاوض رسميًا على الصفقة النهائية بعد، لكنها تفاوض بعضها بعضًا بالفعل عبر القوة.

السيناريو الأول: الاستنزاف يقود إلى صفقة إقليمية

هذا هو السيناريو الأكثر ارتباطًا بفرضية التقرير. حيث تتصاعد الكلفة إلى مستوى لا يستطيع معه أي طرف تحقيق مكاسب إضافية من الحرب، فتبدأ مفاوضات متعددة المستويات تشمل النووي والعقوبات وهرمز واليمن وباب المندب وأمن السعودية وسلاح الفصائل العراقية.

ليس ضروريًا أن توجد طاولة واحدة تجمع الجميع. قد تكون هناك عدة تفاهمات مترابطة: أميركية–إيرانية، سعودية–إيرانية، سعودية–حوثية، عراقية داخلية، وترتيبات بحرية دولية.

لكن النتيجة النهائية تكون واحدة: خفض فائض القوة لدى جميع الأطراف مقابل ضمانات أمنية واقتصادية متبادلة.

السيناريو الثاني: التوازن بلا صفقة

قد لا تنجح المفاوضات في إنتاج تسوية شاملة، لكن الجميع يصل إلى مستوى من الإرهاق يجعله يفضل خفض التصعيد. عندها يعود الشرق الأوسط إلى صورة مألوفة: لا حرب شاملة ولا سلام شامل؛ هدن مؤقتة، تفاهمات بحرية، ضبط نسبي للجماعات المسلحة، واستمرار التنافس تحت سقف معين. إنه توازن ردع هش بدل التسوية الكبرى.

السيناريو الثالث: انهيار التوازن

وهو الأخطر. إذا اعتقد أحد الأطراف أنه اقترب من امتلاك فائض قوة حاسم، فقد يحاول استثماره قبل أن تتغير الظروف. قد يدفع التقدم الحوثي السعودية إلى تدخل عسكري واسع. وقد يؤدي هجوم جديد من العراق إلى رد سعودي مباشر داخل الأراضي العراقية. وقد ترد إيران على خسارة كبيرة بهجوم أوسع على المنشآت الخليجية. وقد تقرر واشنطن أن الوسائل الحالية لم تعد كافية. وعندئذ ينتقل الاستنزاف من أداة لضبط التوازن إلى حرب إقليمية لا يملك أحد السيطرة على نهايتها.

الخلاصة: نظام يقوم على منع المنتصر

الشرق الأوسط لا يبدو اليوم في طريق واضح نحو انتصار أميركي أو إيراني أو سعودي أو حوثي. ما يظهر بدلًا من ذلك هو نظام قاسٍ من الاستنزاف المتبادل.

إيران تمتلك القدرة على التعطيل، لكنها لا تمتلك فائض القوة اللازم للهيمنة.

السعودية تمتلك المال والطاقة والتحالفات، لكن أمنها ما يزال مرتبطًا بشبكة خارجية لا تستطيع التحكم بها وحدها.

الحوثيون أصبحوا قوة لا يمكن تجاهلها، لكن نجاحهم نفسه يجعل احتواء قدراتهم ضرورة دولية.

الفصائل العراقية تستطيع تعطيل الدولة، لكنها لا تستطيع بناء دولة بديلة مستقرة.

والولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية والاقتصادية الخارجية الأثقل، لكنها لم تعد ترغب في تحمل كلفة حكم النظام الإقليمي بصورة مباشرة.

من هنا يمكن قراءة الحرب الحالية باعتبارها صراعًا على حدود القوة أكثر منها صراعًا على ملكية القوة.

كل طرف يريد أن يصبح قويًا بما يكفي لحماية نفسه وفرض حضوره في التفاوض، لكن المشكلة تبدأ عندما يمتلك فائضًا من القوة يسمح له بفرض قواعد النظام على الآخرين.

وقد يكون هذا هو المنطق العميق للمرحلة المقبلة: لا يُسمح بانهيار أي طرف رئيسي، ولا يُسمح في الوقت نفسه بخروجه منتصرًا بما يكفي للهيمنة.

إذا استمر هذا المسار، فإن الحرب لن تنتهي بانتصار عسكري تقليدي، وإنما عندما يصل الجميع إلى الاقتناع بأن فائض القوة الذي يسعون إليه أصبح مستحيلًا أو مكلفًا أكثر مما يحتملون. وعندها يمكن أن تبدأ الصفقة.

ليست صفقة ينتصر فيها طرف ويستسلم الآخر، وإنما صفقة توزيع حدود القوة: إيران تبقى ولكن تُقيَّد، السعودية تُحمى ولكن لا تنفرد، الحوثيون يُعترف بهم ولكن يُحتوون، الفصائل تُدمج ولكن تفقد استقلال قرار الحرب، ودول المنطقة تحصل على مساحة أوسع من الحركة، بينما تحاول الولايات المتحدة الاحتفاظ بوظيفتها الأهم: منع الكفة من الاستقرار نهائيًا في يد قوة إقليمية واحدة.

وبذلك يمكن فهم السؤال الأكبر الذي تطرحه الحرب الحالية: ربما لم يعد الصراع يدور حول من سيحكم الشرق الأوسط؟ بقدر ما يدور حول كيف يمكن بناء شرق أوسط لا يستطيع أحد أن يحكمه منفردًا؟

اضف تعليق