عندما نقول أن الامام الحسين جسّد إحدى الصفات الإلهية بين البشر، وهي؛ الرحمة، فيعني هذا أن للإمام، عليه السلام، عطاءٌ غير محدود يشمل الجميع مثل غيث السماء عندما ينزل الى الأرض ويعم بخيره وبركته؛ المؤمن والكافر على حدٍ سواء...

"اسقوا القوم و رشّفوا الخيل ترشيفا".

في اليوم الثاني من شهر محرم الحرام سنة 61للهجرة وصل الإمام الحسين، عليه والسلام، ومعه أهل بيته وأصحابه في قافلة كبيرة الى أرض كربلاء، فسُئل عن اسم المكان، فقيل له: إنها كربلاء، قال: "إنه أرض كربٍ وبلاء"، ولم تنقض فترة وجيزة حتى لاحت في الأفق سوادة كشفت عن خيول ورماح متجهة صوبهم، فكان الحُر الرياحي مع ألف فارس مرسل من أمير الكوفة الجديد؛ عبيد الله بن زياد، لصنع ما يشبه "السيطرة العسكرية" ومنع قافلة الإمام الحسين من التقدم أكثر باتجاه الكوفة، والمهمة الثانية؛ قطع طريق القافلة الى مياه الفرات، وهذا كان الأمر الأكثر خطورة وتأثيراً على الاحداث القادمة، وكان الحُر الرياحي، وهو أحد أشجع فرسان الكوفة آنذاك، بصدد تنفيذ الأوامر العسكرية وحسب.

صار الحُر الرياحي وجهاً لوجه أمام الامام الحسين، عليه السلام، فأبلغه بالأمر العسكري من الدولة الأموية، وجاءه الردّ الصاعق بالزجر لهذا الانصياع بأن "ثكلتك أمك يا حُر"! وهذه كانت إحدى الألفاظ المتعارف عليها آنذاك للتعبير عن إهانة وتقريع الطرف المقابل، بأن يدعو له بالموت، واكتفى، عليه السلام، بهذا الردّ، ثم تحول الى اجراء آخر فيه بداية لمواجهة أكبر وأعظم بكثير من المواجهة العسكرية، بدأت في تلك اللحظات بين الحق والباطل، وما تزال مستمرة في الوجدان والضمير الإنساني.

لاحظ الامام الحسين التعب والارهاق على وجوه جُند الحر، فقال: "اسقوا القوم و رشّفوا الخيل ترشيفا"، فهو، عليه السلام، لم يكن كريماً وسخياً مع الإنسان فقط، بل وحتى مع الحيوان ايضاً!

هذا القرار التاريخي الغريب عند كثير من الباحثين عبر التاريخ، يحمل دلالات عدّة عن حقيقة النهضة الحسينية، نشير الى بعضها:

1- تغليب الإنسانية والأخلاق على المصلحة الشخصية، فأي انسان يحكّم عقله قليلاً في مثل ظروف الامام الحسين، عليه السلام، بالقطع واليقين يتخذ كل الإجراءات اللازمة لعدم استهلاك الماء ليبقى لفترة أطول مصوناً من أزمة الماء وسط أرض جرداء مع عدد كبير من الرجال والنساء والاطفال، ثم إنه يعلم يقيناً أنه مقتول مع أهل بيته واصحابه على هذه الأرض.

2- رسالة الإصلاح الى الحر وجيشه بأنه مقبل على حركة سلمية بهدف الإصلاح في الأمة، ومهمة عظيمة مثل هذه تتطلب الاحتواء من القائد لجماهيره، وهو ما فعله الامام الحسين، عليه السلام، فالجنود القادمين من الكوفة، لم يكونوا في نظر الإمام الحسين أعداءً له، إنما نفرٌ من الأمة مُغرر بهم، لا يفقهون من الدين وقيم الإسلام إلا الظواهر منها.

3- رسالة السلام والحب وعدم التفكير بالحرب والقتال مطلقاً، وأنه سيكون في أزمة عطش بعد بضعة أيام، فربما يكون انفراج في الموقف ويكون ماء الفرات متاحاً له، فهو لا يستبق الاحداث ويصدر الأحكام السريعة على محيطه الاجتماعي، إنما يترك لهم الفرصة لاختبار قوة ارادتهم وعمق بصيرتهم، واذا لم يحصل هذا لحوالي ألف فارس من جُند الحر، فانه حصل لقائدهم الحُر نفسه. 

وعندما نقول: أن الامام الحسين جسّد إحدى الصفات الإلهية بين البشر، وهي؛ الرحمة، فيعني هذا أن للإمام، عليه السلام، عطاءٌ غير محدود يشمل الجميع مثل غيث السماء عندما ينزل الى الأرض ويعم بخيره وبركته؛ المؤمن والكافر على حدٍ سواء، وتبقى مهمة الانسان الاستدلال من هذه الرحمة السماوية على وجود الخالق، أولاً؛ ثم الالتزامات المترتبة على هذا العطاء، من إيمان، وشُكر، وعمل في سبيل الله، لا في سبيل غيره.

استمرت هذه الخصلة العظيمة حتى اللحظات الأخيرة ما قبل المواجهة المسلحة ليلقي الإمام الحسين كل الحُجج على أهل الكوفة، وعلى الأجيال عبر التاريخ بأن الرحمة هي اللغة الحضارية بين البشر، وقبلها؛ هي نوع العلاقة الأساس بين الله –تعالى- وعباده في الأرض، فرحمته واسعة، وهو أرحم الراحمين، والقرآن الكريم حافلٌ بآيات عدّة تشير الى هذه الحقيقة الربانية، وفي ضوئها جرت سُنة الرحمة والشفقة والعفو التي تجسدت في سيرة وشخصية رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم. 

هذه الخصلة التي تحولت الى ثقافة رسالية في منهج أهل البيت، هي التي كشفت عن وجه القسوة والغلظة والدموية بكل تفاصيلها يوم عاشوراء أمام الأجيال والتاريخ الى يوم القيامة. 

اضف تعليق