الإدمان الذي أصبح ظاهرة العصر يمكن مكافحته، حتى على المستوى الشخصي باستخدام آليات متطوّرة كنظام الاستبدال والتسويف وتغيير البيئة، إضافةً إلى آلية استحضار أضراره ومخاطره في المخيّلة على طول الخط، أنواع الإدمان التي تراوحت بين الإدمان على المعاصي والجرائم، والإدمان على العادات الضارّة والسلوكيات السلبية، كالإدمان على الظلم والاستبداد...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.
قال الله العظيم في كتابه الكريم: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ)[1].
وقال جل اسمه: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللَّهِ)[2].
المقدمة:
(الإدمان) أصبح ظاهرة العصر المقلقة والمؤلمة، فما هي سبل مكافحته؟
يبدأ البحث ببصائر قرآنية تلقي الأضواء على أنّ جوهر الإدمان هو عبادة آلهة جديدة، نسميها آلهة الهوى؛ إذ يُسلِس المرء لها قياده أو يتبعها ويطيعها ويجعلها دينه ومذهبه، ليمرّ ببصيرة تكشف عن أنّ الإدمان يبدأ بالخطوة الأولى، وأنّه ههنا يكمن مفتاح الحلّ نفسه! ليشير بعدها إلى أنّ الإدمان لا يعني عبادة الدنانير أو الأصنام أو المخدّرات، بل يعني عبادة اللذّة والشهوة أوّلاً وبالذات، ولكن كيف؟
ليتطرّق في الفصل الثاني إلى مفردات ومصاديق كثيرة ومنوّعة من الإدمان، بدءاً من إدمان التسوّق والموضة، مروراً بإدمان الغيبة والنميمة والكذب، وصولاً إلى إدمان المخدّرات.
لينتقل في الفصل الثالث إلى أثر الإدمان على القشرة الجبهية الأمامية، وعلى كيمياء المُخّ، وعلى طريقة التفكير، بل على بنية الدماغ نفسه؛ إذ يقوم بتشويهه تماماً.
ليختم في الفصل الرابع الكلام عن سبل مكافحة الإدمان، والتي أشار إلى بعض من أهمّها، وهي: الوعي وإدراك المخاطر والأضرار، واستخدام نظام الاستبدال، واتّباع طريقة التسويف الإيجابي، وتغيير الأجواء والبيئة الحاضنة.
الحديث يدور حول سُبل مكافحة الإدمان على المعاصي، كالغيبة والرّبا وظلم الناس، وعلى العادات الضارّة والسلوكيّات السلبية والقبائح الشرعيّة أو العرفيّة، كالإدمان على المسكرات أو المخدّرات، أو البخل أو الكسل، والمقصود سبل معالجتها فيما إذا ابتلي بها الشخص نفسه، وسبل مكافحتها إذا ابتلي بها بعض أبنائه أو أقربائه أو أصدقائه، فكيف يعالجهم أو يساعدهم على العلاج.
ولا بدّ قبل ذلك أن نتوقف قليلاً عند بعض البصائر القرآنيّة التي تلقي الضوء على جوانب من موضوع الإدمان أيضاً.
الفصل الأول: بصائر قرآنية
أولاً: إنّ (اتَّخَذَ) من باب الافتعال، وهو يدلّ على التدرّج في حصول الشيء أو تحصيله، كما تقول: اكتسب زيد مالاً أو علماً، فإنّ الاكتساب يفيد، من جهة هيئته، تدرّج حصوله على المال أو العلم، عكس ما لو قلت: كسب زيد مالاً.
الأهواء تتحول بالتدريج إلى آلهة تعبد
واتّخاذ الهوى إلهاً والأهواء آلهة كثيراً ما يكون بالتدرّج خطوة خطوة، والهوى قد يكون هوى الشهرة، أو الرياسة، أو المال، أو المنصب، أو هوى التجبّر والتسلّط، وهي جميعاً، كنظائرها، أمور تتجذّر في النفس الإنسانيّة بالتدرّج.
فإنّ الإنسان إذا حصل على رياسةٍ أو شهرةٍ ما فَسُرّ بها، ثمّ حصل على درجة أخرى منها فَسُرّ بها أكثر... وهكذا، فإذا تكرّر ذلك فإنّ الرياسة والشهرة تتحوّل إلى معبود له يعبده من دون الله تعالى، ولذلك قد يرتكب أفدح المعاصي للحصول على مراتب منها أو للمحافظة على ما لديه منها كي لا تُؤخذ منه.
وكذلك حال الذي يحصل على دينار فيَحسّ بلذّة امتلاكه وكنزه، ثمّ دينار ثانٍ وثالث، وهكذا... حتى يصل إلى درجة الإدمان حتى تكون دنانيره دينه (وَدَنَانِيرُهُمْ دِينُهُمْ)[3] (وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا)[4]، و(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ)[5].
وهكذا يكون اتّخاذ الأهواء آلهة اتّخاذاً تدريجيّاً، ولا يكون في كثير من الأحيان دفعةً واحدةً وبقرارٍ واحد، بل بالتدرّج، حتى يصل إلى ما يسمّيه المعاصرون الآن بالإدمان، فإنّه يحصل بالتدرّج عادةً لا دفعةً واحدة.
وقد ورد في الحديث: (وقَوْلُهُ (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) قَالَ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ، كُلَّمَا هَوَوْا شَيْئاً عَبَدُوهُ)[6]. فإذا هووا الصنم عبدوه، وإذا هووا التمر عبدوه... وهكذا.
الآلهة العصرية!
والأمر في هذا العصر كذلك، ولكن بصيغ أخرى متنوّعة، فقد يهوى الشخص (الموضة) فيعبدها، لذا تراه يركض خلف الموضة وإن كانت مكلفة جدّاً أو ضارّة أو غريبة، وما أكثر من تدور حياتهم حول الموضة: في تسريحة الشعر مهما بدت شاذّة، أو في اقتناء أنواع الساعات أو الآيفونات أو السيّارات مهما كانت غالية، مكلفة، أو حتّى مزعجة، كالموضة التي جرى عليها الكثير في عمليّات تجميل الوجه والأنف و... رغم أنّها كثيراً ما تفشل، وكثيراً ما تضرّ، على أنّها مكلفة جدّاً.. فهذه الموضة هي الهوى والشهوة المعاصرة التي تحوّلت، بالإدمان عليها، عند الكثيرين إلى إلهٍ يُقصد ويُعبد، لا سمح الله.
ثانياً: وقد أشارت الآية الأخرى إلى ما نستكشف منه الخطوة الأولى في طريق الإدمان: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللَّهِ)، فإنّ أوّل كلّ إدمان هو خطوة من خطوات اتّباع الشهوة والهوى، تليها خطوة ثانية، فثالثة، فرابعة، حتى يترسّخ ذلك الهوى في نفس الإنسان ويتحوّل إلى شاكلة تُهندس أعمال الإنسان: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ)[7].
ثالثاً: وبذلك نكتشف الجواب عن السؤال الذي قد يطرحه بعضٌ باستغراب، وهو: هل يوجد من المؤمنين من يعبد هواه من دون الله تعالى ويتّخذ إلهه هواه؟ الجواب: نعم، إنّه المدمن على الغيبة أو التهمة أو النميمة، أو على الرشوة، أو على الربا، أو على ظلم الزوجة والأولاد والرعيّة أو ما أشبه ذلك.
ومن هنا تظهر خطورة بحث قضيّة الإدمان وأسبابها وسبل الحلّ الناجعة.
رابعاً: إنّ الإنسان لا يعبد، في واقع الأمر، الأصنام والدنانير والقصور وشبهها، وإنّما يعبد في واقعه هوى نفسه، فإنّه وإن كان ظاهراً قد اتّخذ الصنم أو الدينار أو الموضة إلهاً، لكن الواقع هو أنّه يعبد لذّته! أي اللذّة من تملّك الدنانير أو من التذلّل للصنم، والذي يدلّ عليه الانفكاك بينهما وأنّ النسبة من وجه، فإنّ من لا يمتلك دنانير لكنّه يتوهّم أنّه يمتلكها تجده يلتذّ ويعشق تلك الدنانير الوهميّة مع أنّها غير موجودة، وبالعكس من يمتلك الدنانير لكنّه لا يعلم بها، تجده حزيناً بائساً رغم أنّها تملأ خزانته أو رصيده، ففي الواقع هواه، المتجسّد في تصوّراته لا في الواقع الخارجي، هو الذي يأسره ويستعبده ويهيمن عليه ويمنحه الشعور بالسعادة أو الشقاء أو الحزن والتعاسة أو الرجاء، ولعلّه لذلك قال تعالى: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ).
وبعبارة علميّة: الصنم أو الدينار واسطة في الثبوت لعبادة الهوى، لا واسطة في العروض، وبالعكس، الهوى واسطة في العروض لعبادة الصنم، أي هو المعبود حقيقة، لا واسطة في الثبوت لعبادته (أي الصنم) وقد يقال غير ذلك[8].
دوائر الإدمان ونطاقاته
الفصل الثاني: إنّ الإدمان، على خلاف ما قد يتوهّمه جمعٌ من الناس، تتّسع دائرته ونطاقاته لكي تشمل أموراً وقضايا وأشياء كثيرة ومتنوّعة جدّاً، وذلك مثل:
- الإدمان على التسوّق، بما يُثقل ميزانيّة الأسرة، بل بما قد يوقعها في الإسراف المحرّم قطعاً، عبر شراء بضائع لا ضرورة فيها أصلاً.
- الإدمان على الغيبة أو الكذب والنميمة، والذي أصبح الإدمان على كلٍّ منها ظاهرةً منتشرةً بشكل واسع جدّاً، حتى في مجالس بعض الخواص، والعياذ بالله.
- الإدمان على النَّقِّ (المسمى بالعاميّة: النقنقة) والتذمّر والشكوى، فإنّ بعض الناس كلّما جلست إليه تراه ينشر طاقة سلبيّة بالتذمّر من الجوّ (الحرّ.. المطر.. الرياح.. إلخ)، والجيران، والأولاد، والمدرسة، والوظيفة.. وكلّ شيءٍ شيء، مع أنّ الناس تضجر من المتذمّر، خاصّةً وأنّ تذمّره لا يقدّم شيئاً ولا يؤخّر، بل قد يؤخّر، لأنّه بدل أن ينشغل بعلاج المشكلة يكتفي بتفريغ شحنته السلبيّة عبر النقنقة والشكوى، وهي حالة إدمانيّة، إذ تبدأ بشكوى واحدة، فلمّا أحسّ بلذّة الشكوى (إذ هي نوع تنفيس) واصل بثانية فثالثة، حتّى صارت طبيعةً له.
والناس يحبّون من يشرح صدورهم بطرائف الحكم وروائع القصص أو بالتأشير على الإيجابيّات الصحيحة، دون من يزيد صدورهم ضيقاً على ضيق.
- الإدمان على الموضة كما سبق.
- الإدمان على المسكرات.
- الإدمان على المخدّرات.
- الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي.
- الإدمان على الرّبا أو على الرّشوة أو على الغشّ والتدليس أو على السرقة.
- الإدمان على الظلم، سواء ظلم الشعب أم ظلم الأهل والأولاد أم ظلم الموظّفين.
ومن أبرز مصاديق المدمنين على الظلم: الحجّاج، فقد بلغ من إدمانه على سفك الدماء والتلذّذ بذلك حدّ أن قال: (فإنّي والله ما أعلم اليوم رجلاً هو أجرأ على دمٍ منّي، ولقد ركبت أشياء هابها الناس)[9].
وحتى قال عمر بن عبد العزيز: (لو جاءت كلُّ أمّةٍ بخبيثها، وجئناهم بالحجّاج لغلبناهم)[10].
وقال عاصم بن أبي النجود: (ما بقيت لله حرمة إلّا وقد ارتكبها الحجّاج)[11].
بل بلغ إدمانه حدّ أنّه كان يؤتى بالرجل فيُضرب عنقه على النطع بين يديه، ثمّ يُقدَّم إليه الطعام!
وهو غريب حقّاً، إذ إنّ الإنسان السليم بطبعه إذا شاهد الدماء، فكيف بدماءٍ تنفجر من رقبة إنسان، فكيف بأن تُضرب عنقه أمامه وهو يرفس بيديه ورجليه، فإنّه لو كان يشتهي الطعام قبل ذلك فإنّه سيعافه وتنسدّ شهيته، لكنّ الحجّاج، الممسوخ باطنه ووجدانه بمسخٍ هو أشدّ من مسخ القردة الظاهري، كان يلتذّ بذلك فيقدم له الطعام بعده.
- ويُنقل عن أحد دواعش العراق أنّه أبان ثورة تفجيراتهم للأبرياء حوالي السنة 2005م وقبلها وبعدها، كان أحد قادتهم، وهو مشهور، قد انسدّت شهيته للطعام ثلاثة أيّام، حتّى جاءه أحدهم ببشارة(!) أنّ أحد عملائهم تمكّن من تفجير نفسه وسط نساءٍ وأطفالٍ في كربلاء فقتل جماعةً وجرح جماعةً، فقال: الآن انفتحت شهيتي للطعام، فجيئوني به! (تصوّروا مدى المسخ الذي وصل إليه مثل هذا الوحش الملبّس بلباسٍ بشريّ).
- الإدمان على جَلد الذات المفرط، على العكس من أناسٍ آخرين مدمنين على العُجب والإعجاب بالنفس وعلى تزكيتها باستمرار.
فمن القسم الأوّل: أناس تراهم ساخطين على أنفسهم دوماً، ويلومون أنفسهم حتى على ما لا طاقة لهم به، والنفس اللوّامة أمرٌ حسن، لكن بشرط ألّا يلوم نفسه على ما لا يدخل تحت قدرته أو على أفعال الآخرين الذين لا يكون مؤثّراً عليهم أصلاً، والسيّئ في جلد الذات أكثر من الحدّ العقلائي أنّه يسبّب الإحباط واليأس بل وكفران نِعَم الله تعالى.
ومن القسم الثاني: أناس يثنون على أنفسهم ويمتدحونها بمناسبةٍ وغير مناسبة. بل ورد: (مَنْ مَدَحَ نَفْسَهُ فَقَدْ ذَبَحَهَا)[12]، فإنّ مدح النفس قد يُدخل المرء في الرياء المفسد للعمل، أو يكشف عن العُجب أو يؤدّي إليه والمحبط للعمل أيضاً، إضافةً إلى أنّ من يمدح نفسه (إلّا لضرورة واقعيّة قصوى) سيستصغره الناس، إذ يرونه معجباً بنفسه متبجّحاً، وقديماً قيل: إنّ العطر يكشف عن نفسه برائحته لا بالصراخ والشعارات، فلو كانت أفعالك حسنة فإنّ الله تعالى سيريها للصالحين: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[13]، وإلّا كانت وبالاً عليك.
ومن الطريف أنّني سمعت أحدهم يُثني على أستاذٍ قدير أنّه حضر درسه عدّة سنوات فلم يسمعه يقول: (إنّني.. أنا..) أبداً ولا مرّة واحدة! والعجيب أنّ هذا الناقل، في نفس الجلسة التي مدح بها أستاذه بهذا المديح الرائع، سمعناه يكرّر: (إنّني فعلت كذا.. وأنا اكتشفت كذا...) عشرات المرّات!
أثر الإدمان على التفكير المنطقي والإرادة والسلوك
الفصل الثالث: إنّ الإدمان خطير على أيّ أمرٍ سلبيّ، سواء أكان محرّماً أم لا، وذلك لأنّ الإدمان يضعف القشرة الجبهيّة الأماميّة، وهي المسؤولة عن التفكير المنطقي والتمييز بين الخطأ والصواب وضبط السلوك، فيصبح أكثر تهوّراً في انتهاك حرمات الناس وفي المعاصي، وأقلّ قدرةً على ضبط نفسه عند التعرض لامتحان شهوي أو نحوه، وأضعف قدرةً على الحكم الصحيح على الأشخاص أو على القضايا الاجتماعية وحتى الاعتقادية، فيصبح متطرفاً خارجاً عن جادة الاعتدال.
بل وفوق ذلك فإنّ الإدمان يغيّر المسارات العصبية ومن ثم طريقة تفكير المدمن تدريجيّاً، وينتج عن ذلك: إنكار وجود مشكلة (كمشكلة سوء استغلال المرابي للتعساء)، وتبرير السلوك الإدماني (الذي هو مثلاً: استغلال المحتاجين، والتعلّق المفرط بالمال دون بذل جهدٍ واقعيّ، وطمع متزايد لا يتوقّف)، والضغط باتّجاه استحواذ فكرة الحصول على المادة أو السلوك الـمُدمَن عليه، على الإنسان، وهو ما يسمّيه علماء النفس بالنشوة الإدراكيّة.
وتغيير طريقة التفكير أثر الإدمان، وهو ما أشارت إليه الرواية
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله): كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ، وَفَسَقَ شَبَابُكُمْ، وَلَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟
فَقِيلَ لَهُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ؟
فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَراً وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً)[14].
ولذا يعدّ الطبّ الحديث الإدمان مرضاً دماغيّاً مزمناً مؤثّراً على ثلاثة أمور متسلسلة: التفكير، والإرادة، والسلوك، فمع مرور الوقت يتعوّد المرابي، مثلاً، على الحصول على أرباح سهلة جدّاً ومضمونة، ويتوسّع تدريجيّاً في الإقراض كي يحصل على متعة أكبر ولذا قال تعالى: (الَّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ)[15].
بل اكتشف علماء الأعصاب أنّ الإدمان لا يغيّر من كيمياء الدماغ فحسب، بل إنّه يمكن أن يغيّر بنية الدماغ نفسها، أي أنّه يشوّه الدماغ، فكما أن الشكل الظاهري كالأنف أو الفم لو أعوج وتشوه كان قبيحاً ونقصاً ذريعاً فكذلك لو تشوّه الدماغ بل أمره أعظم وأفدح، وذلك ما أثبتته دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، إذ قد يسبّب الإدمان نقصاً في حجم بعض أجزاء الدماغ، خصوصاً القشرة الجبهيّة الأماميّة المسؤولة، كما سبق، فيؤثّر على التفكير السليم وضبط السلوك واتّخاذ القرار.
السلوك الإدماني يغيّر نظام المكافأة في الدماغ
وبوجهٍ آخر، فإنّ السلوك الإدماني يقوم بتغيير نظام المكافأة في الدماغ (وهو الذي وظيفته أن يكافئ الإنسان عندما يقوم بأعمال مفيدة كالتعلّم والإنجاز والأكل، حيث يقوم بإفراز مادّة الدوبامين التي تُشعِر الإنسان بالمتعة)، حيث يفرز الدماغ عند الإدمان كميّات كبيرة جدّاً من الدوبامين، فيعتاد الدماغ على هذا المستوى المرتفع، فتنخفض متعته من ممارسة الأمور الطبيعيّة، فيحسّ الفرد بحاجةٍ شديدة إلى المادة أو السلوك المدمن عليه فقط، أي تنشأ فيه رغبة شديدة في تكرار السلوك الإدماني.
وتوضيح معادلة تغيير نظام المكافأة (Reward System):
يقوم الدماغ بإفراز مادّة الدوبامين عند الشعور بالمتعة:
أ- عند الأكل → دوبامين.
ب- عند النجاح → دوبامين.
ج- عند استعمال المخدّرات → انفجار دوباميني غير طبيعي.
فما الذي يحدث؟
يتعوّد الدماغ على الجرعات العالية.
تقلّ حساسيّته.
يحتاج الشخص لزيادة الجرعة.
النتيجة
فقدان المتعة الطبيعيّة، والاعتماد الكامل على السلوك الإدماني.
وقد أشارت الدراسات الحديثة إلى أنّ الدماغ لا يفرّق كثيراً بين إدمان الكوكايين أو إدمان الهاتف! كلاهما ينشّط نفس دائرة المكافأة.
أقول: ولا يفرق بين إدمان المخدرات وبين إدمان الغيبة أو النميمة أو الربا أو الرشوة أو اللصوصية أو خيانة النظر، والحاصل: أنّ الإدمان هو الإدمان مهما اختلفت متعلَّقاته.
سبل مكافحة الإدمان
الفصل الرابع: كيف نكافح الإدمان وكيف نواجهه؟
ولا بد أن يقع البحث عن كلتا مرحلتي الحدوث والبقاء.
قل (لا) لأوّل خطوة إدمانية
أمّا الحدوث: فبأن لا يضع المرء رجله في مدخل المستنقع أصلاً أي أن لا يتورّط حتى في الخطوة الأولى ولا حتى يقترب من المدخل، لأنّ المدمنين عادةً يخدعون الإنسان بأن يشجّعوه على أن يُدخّن مرّةً واحدة فقط، أو أن يستعمل المادة المخدّرة كتجربة لمرّةً واحدة، ثمّ يستدرجونه للمرّة الثانية والثالثة والرابعة، وهكذا حتى تتحوّل لديه إلى إدمانٍ لا يمكنه الفكاك عنه. أو لو أنه لو كان هو المبادر فإنه كثيراً ما يتصور بسذاجة انني لا اتجاوز مرحلة التجربة الأولى فقط.. وإذا به يغرق تدريجاً في رمال الإدمان المتحركة من غير أن يجد منها فكاكاً.
لذا على العاقل، حيث عرف ذلك، أن يحذر من أن يعلق في شباك الإدمان حتى من بعيد أو من الخطوة الأولى، فلا يغريه حينئذٍ مغرٍ بأن يذهب مرّةً واحدة إلى السينما مثلاً، أو إلى موقع إنترنت خادجٍ للحياء، أو إلى مجلس البطّالين هذه المرة فقط.. وهكذا.
وأمّا البقاء: فإنّه بحاجةٍ إلى اتّباع مخطّطٍ متكامل، ذلك أنّ المدمن لا يتيسّر له أن يقلع عن إدمانه بسهولةٍ أصلاً، لذا فإنّ عليه أن يتّبع الخطوات الآتية، وذلك بعد أن يتّخذ قراراً صارماً بالإقلاع، إذ أنه من دون الإرادة الجادّة والعزم الأكيد لا يفلح عادةً، فمع الإرادة الجادّة عليه أن يتّبع الآليّات التالية التي تسهّل عليه الأمر جدّاً:
استحضِر في ذهنك دوماً أضرار الإدمان وأخطاره
أوّلاً: أن يستحضر في ذهنه أضرار الإدمان وأخطاره ويتجسّدها دوماً.
ومنها: أنّه يفقد الإنسان مصداقيّته لدى الناس، فإنّ من أدمن خلف المواعيد مثلاً يفقد اعتباره ومكانته لدى الناس، وكذا من أدمن المخدّرات أو المسكرات أو الغيبة ونحوها.
ومنها: أنّه يفقد احترامه لذاته، كما يستشعر دوماً وخز الضمير والشعور بالذنب إلا لو مسخ تماماً.
ومنها: أنّه يخاطر بمستقبله بسبب إدمانه، فكم من الذين فقدوا فرص حياتهم الناجحة المستقبليّة بسبب هذا النوع من الإدمان أو ذاك.
استخدِم نظام الاستبدال
ثانياً: أن يستخدم نظام الاستبدال، لأنّ الإدمان يفرض على الإنسان العود ثمّ العود، فكلّما رأى أنّه اشتعل في داخله لهيب الشوق إلى مشاهدة موقعٍ لا أخلاقيّ أو إلى استعمال المخدّر أو إلى ارتكاب هذه المعصية أو تلك، فعليه أن يلجأ إلى أمرٍ آخر يشغله عنه ويعوّضه، وهو ما يُعبّر عنه بـ (بناء روتين جديد). مثلاً: أن يقفز فوراً إلى خارج الغرفة، بدل مشاهدة التلفاز أو اليوتيوب الكذائي، وينشغل بالركض السريع أو أنواع أخرى من الرياضات، أو يخرج إلى مصلّاه ويسجد سجوداً طويلاً، أو يخرج من المكان ويأخذ المسبحة ويقرأ مائة مرّة: (اللهم صلِّ على محمّد وآل محمّد)، أو (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، أو ما أشبه..
ذلك أنّ الإدمان إذا ابتعدت عنه لحظةَ اشتعالِ الشهوة يخبو، ثمّ إنّك لو استمررت على اللجوء إلى هذا البديل فإنه يتحوّل هو بدوره إلى إدمانٍ بديل، ولكنّه إدمانٌ حسنٌ مستحسن!
- في مثالٍ آخر: من أدمن غيبة هذا وذاك، فإذا خطر بباله أن يغتاب زيداً فعليه أن يستبدله فوراً بأن يمدحه! ذلك أنّ لكلّ أحدٍ إيجابيّات، فإذا عوّد نفسه على عادةٍ بديلة (مدح إخوانه بدل ذمّهم وغيبتهم) صارت هذه هي العادة له.
- مثال ثالث: المتعوّد على النَّقّ والتبرّم، فإنّ عليه بمجرّد أن يخطر بباله أن ينقّ: أن يستبدله بأن يتذكّر إحدى النِعَم فيحمد الله عليها ويذكرها لجليسه.. جرّبوا ذلك وستجدونه عمليّاً حقّاً، ومن الأسرار الغيبيّة وراء ذلك قوله تعالى: (وَالَّذينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا)[16]، فإنّ هذا الاستبدال هو نوع جهادٍ، فتعينه حينئذٍ ملائكة الخير حينئذٍ على الصبر.
- مثال رابع: من اعتاد على سماع الأغاني، لا سمح الله، فإنّ عليه أن يستبدلها بسماع القرآن الكريم أو الأناشيد الدينيّة أو نحوها.
وقد ثبت علميّاً أنّ الإقلاع عن الإدمان يكفي فيه 3 – 4 أشهر، وربّما أقلّ بكثير لمن يمتلك إرادة قويّة.. فجاهد ثلاثة أشهر في ترك ما أدمنت عليه وفي فعل الطاعة البديلة، ستجد أنّك بعد ثلاثة أشهر أو قبلها بكثير تحوّلت من مدمنِ شرٍّ إلى مدمنِ خيرٍ إن شاء الله تعالى.
قم بالتسويف الإيجابي
ثالثاً: التسويف الإيجابي.. فإنّ التسويف إيجابيّ وسلبيّ:
أمّا التسويف الإيجابي فهو أن تُسوّف المعصية والإدمان السيّء، فإذا صمّمت بأن تنظر إلى أجنبيّة أو تدخل موقعاً لا أخلاقيّاً أو تضرب طفلاً أو زميلاً أو أن ترتشي أو تُرابي، فسوّف، أي قل: لا ضرورة لأن أفعل ذلك الآن، إذ هناك فرص لاحقة.. فإذا سوّفت ساعدتك الملائكة في المرحلة اللاحقة، فإنّ الله تعالى مع الصابرين.
وأمّا التسويف السيّء فهو تسويف الطاعات والأعمال الصالحة، فإنّ الأمر فيه بالعكس، أي كلّما هممت بطاعةٍ أو عملٍ صالحٍ كالإنفاق أو التأليف أو شبه ذلك فبادر إليه فوراً كي لا يخدعك الشيطان عنه، ولا تُسوّف، إذ في التسويف آفات، وأقلّها أنّ الشياطين ستجد حينئذٍ وقتاً كافياً لإغرائك بأنواع الحيل وأشكال الخدع.
قم بتغيير البيئة
رابعاً: تغيير البيئة، فإنّ للبيئة أثراً كبيراً على تكريس الإدمان أو الإقلاع عنه، فإذا كنت معتاداً على الدخول إلى الإنستغرام واليوتيوب لمشاهدة قضايا غير أخلاقيّة، فاحذفها من جهازك فوراً، وكذلك لأصدقاء السوء دورٌ كبير في تكريس الإدمان على المسكرات أو الغيبة أو الظلم والإيذاء، فاهجرهم فوراً ولا تتردّد، وستجد أنّ ذلك عامل مساعد قوي على الإقلاع عن الغيبة مثلاً ما دمت هجرت مجالس أصدقاء لك اعتادوا على الغيبة... وهكذا.
الخاتمة:
خلص البحث إلى أنّ الإدمان الذي أصبح ظاهرة العصر يمكن مكافحته، حتى على المستوى الشخصي باستخدام آليات متطوّرة كنظام الاستبدال والتسويف وتغيير البيئة، إضافةً إلى آلية استحضار أضراره ومخاطره في المخيّلة على طول الخط، وذلك كلّه بعد أنّ مهّد له ببصائر قرآنية مهمّة، ليُشير بعدها إلى أنواع الإدمان التي تراوحت بين الإدمان على المعاصي والجرائم، والإدمان على العادات الضارّة والسلوكيات السلبية، ذاكراً أنواعاً ومصاديق مغفولاً عنها عادةً كالإدمان على الظلم والاستبداد أو على جَلد الذات.
ليُشير بعدها إلى تأثير الإدمان على الدماغ، كما أظهرته تصاوير الرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي البوزيتروني، حيث يقوم بتشويهه تماماً، وعلى كيمياء الدماغ، وحيث يغيّر فهم الإنسان وإدراكه، فيرى الحسن سيّئاً والسيّئ حسناً، وذلك كلّه يبدأ بتغيير نظام المكافأة في الدماغ عبر هرمون المتعة (الدوبامين)، ومن ثمّ تغيير المسارات العصبية.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين



اضف تعليق