أظهر الإغلاق أن طهران قادرة على إرباك سوق الطاقة وإجبار القوى الكبرى على أخذ مصالحها الأمنية بجدية، إلا أنه كشف أيضًا أن الاقتصاد العالمي قادر على التكيف الجزئي، وأن دول الخليج والمستوردين يملكون حافزًا قويًا لبناء بدائل كانت مؤجلة. ربحت طهران، تكتيكيًا، إثبات أن هرمز سلاح حقيقي وليس تهديدًا لفظيًا. لكنها استراتيجيًا...
يشكل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، نظراً إلى دوره الحيوي في نقل النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق الدولية. وقد اعتمدت إيران على موقعها الجغرافي المطل على المضيق بوصفه ورقة ضغط أساسية في مواجهة الولايات المتحدة وخصومها الإقليميين. غير أن تصاعد التوتر في الخليج والبحر الأحمر، واتجاه دول المنطقة إلى تطوير خطوط أنابيب وموانئ ومسارات بديلة، أعاد طرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذه الورقة وحدود فاعليتها. ويتناول هذا التقرير أسباب تمسك طهران بمضيق هرمز، ودور دول الخليج في تقليل الاعتماد عليه، وتأثير أزمة المضيق في نفوذ إيران الإقليمي، إضافة إلى البدائل المتاحة أمامها والسيناريوهات المحتملة لمستقبل الصراع على الممرات البحرية.
مقدمة
لم تخسر إيران ورقة مضيق هرمز بالمعنى الجغرافي أو العسكري المباشر؛ فالمضيق ما زال أهم ممر بحري للطاقة في العالم، ولا توجد حتى الآن شبكة بديلة قادرة على نقل جميع كميات النفط والغاز التي كانت تعبره. لكن طهران تواجه احتمال خسارة جزء متزايد من القيمة السياسية والاستراتيجية لهذه الورقة، بعدما دفعت الأزمة دول الخليج والمستوردين الآسيويين وشركات الشحن إلى تسريع البحث عن خطوط أنابيب وموانئ ومصادر طاقة ومسارات تجارية بديلة.
لقد أثبت إغلاق المضيق أن إيران قادرة على إحداث صدمة كبيرة، لكنه أثبت في الوقت نفسه أن السوق الدولية تستطيع التكيف جزئيًا مع تلك الصدمة. وهنا تكمن المفارقة: كلما استخدمت طهران هرمز بصورة أشد، ازدادت دوافع خصومها وشركائها لتقليل اعتمادهم عليه، واتسعت الضغوط القانونية والعسكرية والسياسية الهادفة إلى انتزاع السيطرة المنفردة على الممر منها.
أما انتقال التهديد الإيراني نحو البحر الأحمر وباب المندب، فلا يعني أن هرمز أصبح بلا جدوى، بقدر ما يكشف أن ورقة واحدة لم تعد كافية لتحقيق جميع أهداف طهران. لكنه يكشف أيضًا حدود استراتيجية إغلاق المضائق؛ لأن توسيع المواجهة من الخليج إلى البحر الأحمر قد يرفع تكلفة الحرب على العالم، إلا أنه يضاعف في المقابل عدد الدول المتضررة من السياسة الإيرانية، ويحوّل أمن الممرات البحرية إلى قضية دولية تتجاوز الصراع الثنائي مع الولايات المتحدة.
تستند هذه القراءة إلى التطورات المعلنة حتى 15 يوليو/تموز 2026، في ظل تجدد المواجهات، وإعادة واشنطن فرض الحصار على الموانئ الإيرانية، وتهديد طهران بتوسيع تعطيل ممرات التصدير إلى باب المندب.
هرمز.. حين تحولت الجغرافيا إلى سلاح
منذ عقود، ارتبط اسم مضيق هرمز بقدرة إيران على تهديد صادرات الطاقة الخليجية في حال تعرضها لحرب أو حصار خانق. لكن هذه القدرة بقيت، في معظم الأزمات السابقة، تهديدًا مؤجلًا أكثر منها سياسة مطبقة؛ لأن إغلاق المضيق كان يُنظر إليه باعتباره سلاح الملاذ الأخير، الذي قد يؤذي إيران بقدر ما يؤذي خصومها.
تغيرت هذه المعادلة خلال حرب 2026. فبعد الضربات الأميركية الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط، انتقلت طهران من التهديد النظري إلى تعطيل الملاحة وفرض ترتيبات جديدة للعبور. وبذلك لم يعد هرمز مجرد ورقة ردع، بل أصبح ساحة مواجهة فعلية ومحورًا للتفاوض على مستقبل الحرب والنظام الأمني في الخليج. وتشير التغطيات الخبرية إلى أن القيادة الإيرانية أصبحت تنظر إلى السيطرة على المضيق بوصفها أصلًا استراتيجيًا يتقدم، في بعض الحسابات، حتى على البرنامج النووي؛ لأنها تعتقد أن الضغط الاقتصادي الناتج من الإغلاق كان من الأسباب التي دفعت واشنطن إلى قبول وقف مؤقت للقتال والتفاوض على مذكرة تفاهم في يونيو/حزيران.
تستند أهمية المضيق إلى حجم الطاقة التي تمر عبره. ففي عام 2024 والربع الأول من عام 2025، مثّلت التدفقات عبر هرمز أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، ونحو خمس الاستهلاك العالمي للنفط والمنتجات البترولية، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما صادرات قطر. كما كانت الأسواق الآسيوية الوجهة لنحو 84% من النفط الخام والمكثفات، و83% من الغاز المسال المار عبر المضيق.
لكن هذه الأرقام تكشف نقطة ضعف في الحساب الإيراني بقدر ما تكشف مصدر قوة. فالولايات المتحدة، المستهدف الرئيسي بالضغط الإيراني، أصبحت أقل اعتمادًا على نفط الخليج؛ إذ لم تمثل وارداتها القادمة عبر هرمز في عام 2024 سوى نحو 7% من إجمالي وارداتها النفطية و2% من استهلاكها للسوائل البترولية. أما العبء الأكبر فيقع على الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج نفسها. وهذا يعني أن إغلاق هرمز يضغط على الاقتصاد العالمي، لكنه لا يضغط على الولايات المتحدة وحدها، بل قد يصيب شركاء إيران التجاريين وكبار مستوردي نفطها قبل أن يرغم واشنطن على تقديم تنازلات.
من هنا، لا يمكن قياس قوة ورقة هرمز بحجم النفط الذي يمر منها فقط، بل بمقدار الألم الذي يصيب الخصم المباشر مقارنة بالألم الذي يصيب إيران وحلفاءها وشركاءها. وإذا كان القسم الأكبر من الصدمة ينتقل إلى آسيا والخليج، فإن الاستخدام المتكرر للمضيق قد يحول بعض الدول التي ترفض الحرب على إيران إلى دول ترى في تقليص نفوذها البحري ضرورة لأمنها الاقتصادي.
لماذا تصر طهران على استخدام ورقة المضيق؟
يعود الإصرار الإيراني إلى مجموعة اعتبارات متداخلة، أولها أن طهران تعتقد أن المضيق أثبت فاعليته في فرض التفاوض. فوفق الرواية المتداولة داخل دوائر صنع القرار الإيراني، لم تكن الخسائر العسكرية أو النقاش النووي وحدهما وراء وقف القتال المؤقت، وإنما الخوف العالمي من استمرار تعطل إمدادات الطاقة. لذلك تتعامل القيادة الإيرانية مع التخلي عن سيطرتها الجديدة على المضيق باعتباره تبديدًا لمكسب تحقق بكلفة حرب واسعة.
العامل الثاني هو انعدام الثقة المتراكم بين طهران وواشنطن. ترى إيران أن تقديم تنازل في هرمز لن يؤدي إلى تسوية نهائية، بل سيشجع الولايات المتحدة على رفع سقف مطالبها في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية. وفي هذه الرؤية يصبح المضيق ضمانة لمنع تحول التفاوض إلى استسلام أحادي، وليس مجرد وسيلة للحصول على إيرادات أو رسوم عبور.
أما العامل الثالث، فهو محاولة إعادة صياغة الوضع القانوني والسياسي للمضيق. فقد فسرت إيران بندًا في مذكرة التفاهم، ينص على تأمين مرور السفن دون رسوم مدة ستين يومًا، باعتباره اعترافًا ضمنيًا بدورها في إدارة حركة الملاحة، بينما رأت الولايات المتحدة ودول الخليج أن النص لا يتجاوز إلزام طهران بتسهيل العبور وعدم استخدام القوة. ومن هذا الخلاف نشأت فكرة فرض «بدلات خدمات» مقابل الحماية أو الإرشاد أو مكافحة التلوث، بدل استخدام تعبير رسوم العبور الصريح.
ويمكن فهم الإصرار الإيراني كذلك في إطار البحث عن مورد سياسي واقتصادي جديد بعد سنوات العقوبات وأشهر الحرب. فالسيطرة على ممر دولي تمر عبره كميات هائلة من النفط تمنح طهران فرصة للتفاوض بشأن العقوبات وتصدير نفطها والأصول المجمدة، وربما تحصيل إيرادات من خدمات بحرية مستقبلية. لكنها، في المقابل، تصطدم بقواعد قانون البحار التي تضمن حق المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وتحظر تعطيله أو تعليقه، مع السماح للدول المشاطئة بتنظيم السلامة والممرات بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية، لا بقرار منفرد يعيق الملاحة.
العامل الرابع داخلي. فبعد الحرب والخسائر والضغوط الاقتصادية، تحتاج القيادة الإيرانية إلى تقديم نتيجة سياسية قابلة للتسويق باعتبارها انتصارًا. والسيطرة على هرمز تبدو نتيجة ملموسة يمكن تصويرها للرأي العام على أنها تغيير في قواعد اللعبة، خلافًا للبرنامج النووي الذي تبقى مكاسبه أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
لكن هذا الاعتبار يحمل خطرًا واضحًا: عندما تتحول ورقة تفاوضية إلى رمز للهيبة الداخلية، تصبح القيادة أقل قدرة على تقديم تنازلات بشأنها، حتى عندما ترتفع كلفة الاحتفاظ بها. وهكذا قد تنتقل إيران من استخدام المضيق للحصول على اتفاق إلى ربط شرعية سياستها بعدم التراجع عنه، فتتحول الورقة من أداة مرنة إلى قيد على القرار الإيراني نفسه.
هل خسرت إيران ورقة هرمز بالفعل؟
الإجابة الدقيقة هي أن إيران لم تخسر الورقة، لكنها بدأت تخسر احتكار أثرها.
من الناحية المادية، لا يزال إغلاق هرمز قادرًا على إحداث اضطراب عالمي بالغ. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن ضخامة الكميات المارة عبره، مع محدودية مسارات التجاوز، تجعل أي انقطاع طويل يؤدي إلى نقص فعلي وارتفاعات حادة في الأسعار. كما أن المشكلة لا تقتصر على النفط؛ فلا توجد بدائل بحرية أو خطوط أنابيب قادرة على تعويض صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية والإماراتية إلى السوق العالمية إذا توقف المرور عبر المضيق.
لكن التجربة العملية أظهرت أن الإغلاق لا يؤدي بالضرورة إلى الانهيار الفوري الذي كانت تتوقعه أسوأ السيناريوهات. فقد ساعدت زيادة استخدام خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية، والسحب من المخزونات الاستراتيجية، وخفض الطلب الآسيوي، وزيادة صادرات منتجين خارج الخليج، على امتصاص جزء من الصدمة. وبدل وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل، كما افترضت بعض السيناريوهات، بلغ خام برنت ذروة تقارب 126 دولارًا في نهاية أبريل/نيسان قبل أن يتراجع نسبيًا.
لا يعني ذلك أن السوق أصبحت محصنة، بل يعني أنها اكتسبت خبرة في التعامل مع الاضطراب. وهذا فرق جوهري؛ لأن السلاح الاقتصادي يكون أكثر تأثيرًا عندما تكون نتائجه مجهولة ويعتقد الخصم أنه غير قادر على التكيف. أما بعد استخدامه، فإن الشركات والحكومات تبدأ بتطوير خطط الطوارئ وتغيير العقود وبناء المخزونات وتوزيع المخاطر.
وقد رفعت السعودية كميات النفط المنقولة عبر خط الشرق–الغرب إلى ينبع، فيما زادت الإمارات استخدام خط حبشان–الفجيرة. كما خفضت دول آسيوية وارداتها الخليجية مؤقتًا، واستعاضت عنها بكميات من الولايات المتحدة والبرازيل والنرويج ومنتجين آخرين. وحتى إذا عادت الملاحة إلى طبيعتها، فإن بعض المشترين قد لا يعودون إلى النسب السابقة من الاعتماد على الخليج، بعدما اكتشفوا حجم المخاطر التي ينطوي عليها التركيز الجغرافي لمصادر الطاقة.
إذن، الورقة لا تفقد أهميتها لأن المضيق أصبح غير مهم، بل لأن الخصوم يتعلمون كيفية خفض الضرر الناتج من إغلاقه. وكل أزمة جديدة تمنحهم سببًا إضافيًا للاستثمار في هذا الاتجاه.
البحر الأحمر.. دليل على فشل هرمز أم توسيع لمنطقة الضغط؟
مع تصاعد المواجهة، لوّحت طهران بإمكان انتقال التعطيل إلى باب المندب عبر الحوثيين في اليمن، وهدد الحرس الثوري بإغلاق ممرات تصدير أخرى إذا استمر الحصار على الموانئ الإيرانية. ويصل باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن، وتمر عبره صادرات نفطية سعودية وجزء مهم من التجارة بين آسيا وأوروبا.
يمكن تفسير هذا التحول بطريقتين متعارضتين ظاهريًا. الأولى أن إيران تحاول مضاعفة الضغط: فإذا أتاحت خطوط الأنابيب السعودية نقل النفط إلى البحر الأحمر لتجاوز هرمز، فإن تهديد باب المندب يعرض المسار البديل نفسه للخطر. وبذلك تعمل طهران على منع دول الخليج من الالتفاف على الإغلاق وتحويل منظومة الممرات البحرية كلها إلى ساحة واحدة مترابطة.
أما القراءة الثانية، فهي أن التهديد بباب المندب يعكس محدودية هرمز. فلو كان إغلاق المضيق كافيًا لإجبار الولايات المتحدة ودول الخليج على قبول المطالب الإيرانية، لما احتاجت طهران إلى فتح جبهة ثانية أبعد عن حدودها وأكثر اعتمادًا على قرار وقدرات حليف غير إيراني. ومن هذه الزاوية، يمثل البحر الأحمر محاولة لتعويض تراجع العائد السياسي من الضغط في الخليج.
لقد أثبتت هجمات الحوثيين منذ أواخر 2023 أن الملاحة في البحر الأحمر يمكن تعطيلها دون إغلاق باب المندب بالكامل. فقد انخفضت تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر المضيق بأكثر من النصف في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، من متوسط 8.7 ملايين برميل يوميًا في 2023 إلى نحو أربعة ملايين، بينما ارتفعت الكميات التي تسلك طريق رأس الرجاء الصالح من ستة ملايين إلى 9.2 ملايين برميل يوميًا.
غير أن هذا المثال يوضح أيضًا قدرة التجارة العالمية على تغيير المسار. فالالتفاف حول أفريقيا يزيد الزمن وتكاليف الوقود والتأمين ويضغط على أسعار السلع، لكنه يبقي التجارة مستمرة. ومن ثم، فإن التهديد المتزامن لهرمز وباب المندب يمكن أن يحدث صدمة شديدة، لكنه لا يوفر لإيران سيطرة مطلقة على حركة الطاقة؛ بل يدفع السفن إلى مسارات أطول، ويزيد إنتاج المناطق المنافسة، ويحفز بناء خطوط برية لا تعتمد على المضائق.
كما أن توسيع المواجهة إلى البحر الأحمر يرفع المخاطر السياسية على طهران. ففي هرمز تستطيع إيران تقديم نفسها دولة مشاطئة تدافع عن أمنها ومياهها القريبة، أما في باب المندب فستبدو في نظر خصومها قوة تستخدم حليفًا مسلحًا لتعطيل ممر بعيد يخدم عشرات الدول. وهذا يسهّل تشكيل تحالف دولي أوسع ضدها ويزيد احتمالات استهداف قدرات الحوثيين والبنية الإيرانية المرتبطة بهم.
وبذلك لا يدل التوتر في البحر الأحمر على انعدام جدوى هرمز، وإنما يدل على أن إيران انتقلت من استراتيجية المضيق الواحد إلى استراتيجية شبكة الاختناقات البحرية. وهذه الاستراتيجية قد تزيد قدرتها على إحداث الفوضى، لكنها لا تضمن قدرتها على تحويل الفوضى إلى مكسب سياسي دائم.
هل تراجع أهمية المضيق دليل على خطأ طهران؟
لم يفقد هرمز أهميته الجوهرية، لكن السياسة الإيرانية سرّعت عملية البحث عن بدائل له. وهنا يظهر الجانب الأكثر إشكالية في استراتيجية طهران: فقد نجحت في إظهار قيمة المضيق، لكنها حولت هذه القيمة إلى خطر لا تستطيع الدول تجاهله.
قبل الأزمة، كان من الممكن النظر إلى إنشاء خطوط بديلة على أنه استثمار مرتفع الكلفة لا توجد ضرورة عاجلة له. أما بعد تعطيل الملاحة واستهداف السفن، فقد أصبح تنويع طرق التصدير جزءًا من الأمن الوطني الخليجي وأمن الطاقة الآسيوي. وكلما طال أمد الأزمة، ازدادت الجدوى الاقتصادية والسياسية لمشروعات كانت مؤجلة أو غير جذابة.
وبهذا المعنى، لا يتمثل الخطأ الإيراني المحتمل في افتراض أن هرمز مهم، فهذا صحيح بلا شك، وإنما في افتراض أن أهميته ثابتة لا تتأثر بكثرة الاستخدام السياسي. فالمضائق الطبيعية لا تختفي، لكن الاعتماد التجاري عليها يمكن أن ينخفض إذا أصبحت المخاطر أكبر من تكلفة البدائل.
أما الخطأ الثاني، فهو عدم التناسب بين الجهة المستهدفة والجهات المتضررة. واشنطن أقل اعتمادًا على نفط المضيق من بكين ونيودلهي وطوكيو وسيول. لذلك تستطيع الولايات المتحدة تحمل قدر أكبر من الاضطراب مقارنة بدول آسيوية تعتمد بصورة كبيرة على إمدادات الخليج. وإذا استمرت طهران في استخدام هرمز، فقد تجد أن الضغط الأكبر يقع على شركائها التجاريين وعلى الدول التي كانت تدعو إلى التسوية بدل المواجهة.
الخطأ الثالث هو الانتقال من الردع إلى محاولة فرض نظام سيادي جديد على ممر دولي. فهناك فرق بين قدرة إيران على تهديد الملاحة خلال الحرب وبين قبول العالم بحقها في تنظيم العبور بصورة أحادية. وقد رفض مجلس المنظمة البحرية الدولية مطالب السيطرة الإيرانية، ودعا الدول إلى عدم الاعتراف بإجراءات تعرقل المرور الدولي أو تمس حقوق الدول الأخرى. كما تؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أن المرور العابر في المضائق الدولية لا يجوز تعليقه، وإن كانت الدول المشاطئة تملك حق تنظيم السلامة وحماية البيئة ضمن ترتيبات متفق عليها.
ومن ثم، فإن تحويل الإنجاز العسكري المؤقت إلى حق قانوني دائم يبدو صعبًا. وقد تستطيع إيران فرض واقع بالقوة لفترة، لكنها ستواجه مقاومة عسكرية واقتصادية وتأمينية وقانونية متزايدة كلما حاولت تثبيت ذلك الواقع.
كيف بنت دول الخليج بدائل عن هرمز؟
لم تبدأ محاولات تجاوز هرمز مع حرب 2026، لكن الأزمة منحتها زخمًا غير مسبوق. وتتصدر السعودية والإمارات الدول التي تملك بنية تشغيلية قادرة على نقل جزء من صادرات النفط خارج المضيق.
تشغّل السعودية خط أنابيب الشرق–الغرب الممتد من منطقة بقيق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. تبلغ طاقته التصميمية الأساسية نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، وأعلنت أرامكو رفعها إلى سبعة ملايين، مع بقاء القدرة المستدامة عند هذا المستوى غير مختبرة بالكامل. وقدرت وكالة الطاقة الدولية في مطلع 2026 أن الاستخدام الفعلي كان في حدود مليوني برميل يوميًا، بما يترك طاقة احتياطية تتراوح بين ثلاثة وخمسة ملايين، وفق ظروف التشغيل والطاقة المتاحة في موانئ الساحل الغربي.
لكن المسار السعودي ليس محصنًا بالكامل. فالنفط المنقول إلى ينبع يحتاج، عند التوجه إلى الأسواق الآسيوية، إلى المرور جنوبًا عبر باب المندب، حيث تهدد الهجمات الحوثية الملاحة. أما الشحن إلى أوروبا فيستطيع استخدام قناة السويس أو خط سوميد، لكنه يظل مرتبطًا بأمن البحر الأحمر. ولهذا فإن انتقال الضغط الإيراني إلى باب المندب يستهدف بصورة مباشرة أحد أهم البدائل الخليجية لهرمز.
أما الإمارات فتملك خط حبشان–الفجيرة، الممتد من الحقول البرية في أبوظبي إلى ساحل خليج عُمان خارج المضيق. وتقدر طاقته بنحو 1.8 مليون برميل يوميًا، مع صادرات اعتيادية تقارب 1.1 مليون، ما يترك قدرة إضافية محدودة نسبيًا في حالة الإغلاق. وقد ارتفع استخدامه خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي خفّض الطاقة الفائضة المتاحة وقت الأزمات.
وتدرس أبوظبي توسيع قدرتها البرية والمينائية في الفجيرة، فيما أصبحت الموانئ والمخازن الواقعة على بحر العرب وخليج عُمان عناصر مركزية في استراتيجية الأمن الاقتصادي الإماراتية. لكن استهداف الفجيرة بالطائرات المسيّرة خلال الحرب أظهر أن وجود الميناء خارج هرمز لا يعني خروجه من نطاق الصراع الإقليمي.
بالنسبة إلى العراق، تبرز عدة مسارات. فقد استؤنف ضخ كميات محدودة عبر خط كركوك–جيهان إلى المتوسط، مع خطط لزيادة التدفقات. كما طُرحت مشروعات لنقل نفط البصرة إلى ميناء العقبة الأردني، أو إلى ميناء الدقم العُماني على بحر العرب، إضافة إلى مسارات محتملة عبر سوريا وتركيا. لكن معظم هذه المشاريع ما زال يواجه مشكلات التمويل والأمن والخلافات السياسية وطول مدة التنفيذ.
وتكتسب عُمان أهمية متزايدة بسبب موقع موانئ الدقم وصلالة وصحار خارج الخليج أو على أطرافه، وبسبب دورها التقليدي في الوساطة. غير أن التوتر بشأن الممرات الملاحية، والهجمات المنسوبة إلى إيران قرب المياه العُمانية، دفع مسقط إلى احتجاج غير معتاد وتشدد أكبر في الدفاع عن سيادتها وحرية الملاحة.
ولا تقتصر البدائل على الأنابيب. فقد بدأت دول الخليج والمستوردون الآسيويون زيادة المخزونات خارج المنطقة، وتوزيع المشتريات على منتجين متعددين، وتوقيع عقود أكثر مرونة، وتوسيع قدرات التكرير والتخزين في الموانئ البعيدة. وقد لا تعوض هذه الخطوات هرمز بالكامل، لكنها تحول الإغلاق من كارثة غير قابلة للإدارة إلى أزمة يمكن امتصاص جزء منها.
مع ذلك، تظل البدائل ناقصة. فالخطوط السعودية والإماراتية لا تستطيع استيعاب مجموع صادرات الخليج، كما أن قطر لا تملك مسارًا بديلًا فعليًا لنقل الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية. وبذلك يبقى هرمز حيويًا، لكن درجة الاعتماد عليه مرشحة للانخفاض التدريجي، خاصة في قطاع النفط الخام، إذا استمرت الاستثمارات الحالية.
هل خسرت طهران نفوذها في الخليج بسبب أزمة هرمز؟
من المبكر القول إن إيران خسرت نفوذها بالكامل؛ فهي ما تزال أكبر دولة مطلة على الساحل الشمالي للخليج، وتملك ترسانة صاروخية وبحرية وشبكة من القوى المتحالفة معها، ولا يمكن بناء نظام أمني دائم في المنطقة مع تجاهلها. لكن أزمة هرمز قد تكون أضعفت نوعًا مهمًا من النفوذ الإيراني، هو النفوذ القائم على العلاقات السياسية والوساطة والمصالح المتبادلة.
أبرز مثال على ذلك سلطنة عُمان. فقد حافظت مسقط طويلًا على توازن دقيق بين إيران والولايات المتحدة، وأدت دور الوسيط في ملفات شديدة الحساسية. إلا أن استهداف سفن تستخدم مسارًا عُمانيًا، وسقوط طائرات مسيرة أو مقذوفات في مناطق عُمانية، دفع السلطنة إلى استدعاء السفير الإيراني وتأكيد أن الحياد لا يعني التساهل مع انتهاك السيادة. ويرى محللون أن استمرار التصعيد قد يقود مسقط إلى تنسيق دفاعي أكبر مع شركائها الخليجيين وإلى الاقتراب من موقف جماعي أكثر تشددًا تجاه طهران.
وعلى مستوى الخليج الأوسع، أدى إغلاق المضيق والهجمات على القواعد والمنشآت والسفن إلى تعزيز الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، خلافًا لهدف إيران المعلن المتمثل في إخراج القوات الأجنبية وبناء أمن إقليمي تديره دول المنطقة. فكل تهديد جديد للملاحة يقدم مبررًا إضافيًا للأساطيل الغربية وأنظمة الدفاع الجوي والتحالفات البحرية.
كما أن استخدام هرمز ضد جميع الصادرات الخليجية يضعف الرسالة الإيرانية القائلة إن الخلاف الأساسي مع واشنطن وإسرائيل لا مع دول الجوار. فبالنسبة إلى الحكومات الخليجية، لا يكفي أن تقول طهران إنها تستهدف الولايات المتحدة إذا كانت النتيجة العملية تعطيل صادراتها ورفع تكاليف التأمين وضرب موانئها وتهديد أمنها الغذائي والمالي.
لكن النفوذ بالقوة لم يختف. فقد أثبتت إيران قدرتها على رفع تكلفة أي حرب وعلى تعطيل الاقتصاد الإقليمي، ما يجعل دول الخليج حريصة على تجنب مواجهة مفتوحة معها. غير أن هذا النوع من النفوذ يختلف عن الشراكة السياسية؛ فهو يمنح طهران قدرة على التخويف، لكنه لا يمنحها الثقة أو القبول أو قيادة نظام إقليمي مستقر.
لذلك يمكن القول إن الأزمة ربما زادت قوة الإكراه الإيراني على المدى القصير، لكنها خفضت رصيد الثقة والنفوذ السياسي على المدى الطويل. وإذا استمرت طهران في الجمع بين السيطرة على هرمز وتهديد باب المندب، فقد تكتشف أن جيرانها أصبحوا أكثر استعدادًا لتحمل تكلفة مواجهتها مقابل التخلص من حالة الابتزاز الدائم.
سيناريوهات المستقبل
السيناريو الأول: فتح جزئي ومواجهة مضبوطة
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب. تبقى بعض مسارات هرمز مفتوحة تحت حماية أو مراقبة متنافسة، فيما تستمر الهجمات المحدودة والتهديدات والضربات المتبادلة. وتستخدم إيران خطر الإغلاق الكامل لتحسين شروط التفاوض، بينما تتجنب الولايات المتحدة استهداف منشآت الطاقة الكبرى ما دامت هناك فرصة لإعادة المحادثات.
في هذا السيناريو، لا تخسر إيران ورقة هرمز، لكنها لا تحصل على اعتراف دولي بسيادتها عليه. وتظل تكاليف التأمين والشحن مرتفعة، مع استمرار دول الخليج في توسيع البدائل. وهو وضع يمنح طهران نفوذًا آنيًا، لكنه يستنزف قيمة الورقة تدريجيًا.
السيناريو الثاني: أزمة مزدوجة في هرمز وباب المندب
قد يحدث إذا شارك الحوثيون بصورة واسعة في استهداف السفن أو حاولوا تعطيل باب المندب بالتزامن مع استمرار إغلاق هرمز. وسترتفع عندها تكاليف الطاقة والنقل والتأمين بصورة شديدة، وقد تضطر السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا إلى الالتفاف حول أفريقيا، بينما تتراجع قدرة السعودية على استخدام البحر الأحمر بوصفه بديلًا آمنًا.
لكن هذا السيناريو يحمل أعلى المخاطر على إيران. فمن المرجح أن يؤدي إلى تدخل عسكري أميركي ودولي أوسع ضد القدرات البحرية والصاروخية الإيرانية والحوثية، وإلى تقارب خليجي أشد، وربما إلى موافقة قوى آسيوية مترددة على إجراءات اقتصادية وسياسية ضد طهران. لذلك يمكن أن يحقق صدمة قوية من دون أن يحقق نصرًا سياسيًا.
السيناريو الثالث: تسوية بحرية مؤسسية
يقوم هذا السيناريو على فصل موضوع حرية الملاحة عن بقية ملفات الحرب. تتفق إيران وعُمان ودول الخليج والولايات المتحدة، برعاية دولية، على إعادة نظام المرور السابق أو تعديله عبر المنظمة البحرية الدولية، مع ضمانات أمنية وعدم استهداف السفن، وربما إنشاء صندوق مشترك لخدمات الملاحة والبيئة والإنقاذ.
يمكن أن تقدم هذه التسوية لإيران مخرجًا يحفظ ماء الوجه؛ إذ تعترف بدورها دولة مشاطئة وشريكًا في أمن المضيق، من دون الاعتراف بحقها في فرض رسوم أو إغلاق الممر. كما قد ترتبط بتخفيف محدود للعقوبات أو السماح بتصدير النفط، تمهيدًا لمفاوضات أوسع.
السيناريو الرابع: التآكل البطيء لقيمة هرمز
حتى إذا أعيد فتح المضيق، ستستمر السعودية والإمارات والعراق وعُمان والمشترون الآسيويون في بناء البدائل. وقد لا يظهر أثر هذه المشروعات خلال عام أو عامين، لكن تراكم الأنابيب والموانئ والمخزونات والعقود المتنوعة سيخفض تدريجيًا كمية النفط التي لا تملك طريقًا سوى هرمز.
لن يصبح المضيق عديم الأهمية، خصوصًا بسبب الغاز القطري، لكن قدرته على شل سوق الطاقة بأكملها ستنخفض. وفي هذا السيناريو تكون إيران قد ربحت معركة الضغط عام 2026، لكنها ساعدت على بناء نظام تجاري أقل قابلية للضغط في العقد اللاحق.
خاتمة
لم تخسر إيران مضيق هرمز، لكنها تواجه خطر خسارة جزء من العائد السياسي الذي تحصل عليه من تهديده. فقد أظهر الإغلاق أن طهران قادرة على إرباك سوق الطاقة وإجبار القوى الكبرى على أخذ مصالحها الأمنية بجدية، إلا أنه كشف أيضًا أن الاقتصاد العالمي قادر على التكيف الجزئي، وأن دول الخليج والمستوردين يملكون حافزًا قويًا لبناء بدائل كانت مؤجلة.
ولا يمثل التوجه نحو البحر الأحمر دليلًا قاطعًا على سقوط ورقة هرمز، بل يعبر عن محاولة توسيع الضغط وملاحقة خطوط التصدير البديلة. لكنه يبين، في الوقت نفسه، أن السيطرة على مضيق واحد لا تكفي لفرض نظام إقليمي جديد، وأن مضاعفة نقاط الاختناق قد تضاعف خصوم إيران بقدر ما تضاعف قدرتها على إحداث الضرر.
ربحت طهران، تكتيكيًا، إثبات أن هرمز سلاح حقيقي وليس تهديدًا لفظيًا. لكنها استراتيجيًا دفعت الخليج والعالم إلى التعامل معه باعتباره خطرًا يجب تخفيفه. وكلما كررت استخدامه، تسارعت الاستثمارات التي تقلل الاعتماد عليه، واتسعت العزلة القانونية والسياسية، وازدادت احتمالات خسارة علاقات مثل العلاقة الخاصة مع عُمان.
ويبقى مستقبل الورقة مرتبطًا بخيار إيراني أساسي: إما تحويل الموقع الجغرافي إلى دور مشروع ومقبول في إدارة أمن الملاحة، عبر اتفاقات جماعية وضمانات متبادلة، وإما الاستمرار في استخدامه أداة إغلاق وإكراه حتى يصبح المضيق شديد الأهمية اقتصاديًا، لكنه أقل فائدة سياسيًا لإيران.
بهذا المعنى، لم تفقد إيران ورقة هرمز بعد، لكنها بدأت تنفق قيمتها الاستراتيجية بسرعة تفوق قدرتها على تعويضها.



اضف تعليق