في السياسة يمكن إعادة تعريف التحالفات، وعقد الصفقات البراغماتية؛ لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُعاد تعريف مستقبل العراق بعيداً عن إرادة العراقيين. إن ما سيُوقَّع في واشنطن لن يكون ورقة دبلوماسية عابرة، بل سيصبح جزءاً من الهوية الإستراتيجية للدولة لعقود مقبلة، والشفافية هنا ليست ترفاً بل هي استحقاق سيادي خالص...

ليست المشكلة الحقيقية في زيارة واشنطن بحد ذاتها كإجراء دبلوماسي بروتوكولي، وإنما في طبيعة ما قد ينتج عنها من اتفاقات سرية أو علنية تمثل محطة مفصلية حاسمة في تاريخ العراق السياسي المعاصر، دون إعلان رسمي وإفصاح كامل ومسؤول عن مضامينها وتداعياتها الإستراتيجية

.فالشفافية هنا ليست ترفاً دبلوماسياً نملك رفاهية تجاوزه، وإنما هي استحقاق وطني ملزم؛ لأن ما يُوقَّع في مثل هذه اللحظات الحرجة قد يعيد رسم ملامح العراق وهوية أجياله لسنوات طويلة مقبلة، في وقت لا يُكشف فيه للرأي العام عادة إلا ما تسمح به ضرورات السياسة الضيقة، أو ما تفرضه موازين القوى اللاحقة على الأرض. 

إن كل هذه التساؤلات المشروعة تحتاج اليوم إلى إجابات وطنية واضحة ومباشرة، لا إلى بيانات إنشائية مكررة تصيغها المطابخ الإعلامية. وربما سيكون على رئيس الوزراء السيد علي فالح الزيدي أن يجيب عنها مباشرة على طاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأمام الصحافة العالمية. 

فلا غرابة إذن أن تُوجَّه إليه أسئلة محرجة عن طبيعة الاتفاقات المرتقبة، وحدود الالتزامات العراقية المترتبة عليها مقابل مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والمصحوبة بقرع طبول الحرب. فهل استعد الفريق الإعلامي والمستشارون المحيطون بالرئيس لمثل هذا الاختبار السياسي والدبلوماسي الصعب أمام عدسات الصحافة العربية والأمريكية؟ 

تزامن حرج ومؤشرات إعادة رسم الخرائط 

لا تتوقف خصوصية هذه الزيارة الإستراتيجية عند كونها أول زيارة لرئيس مجلس وزراء عراقي تتزامن مع وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي في واشنطن، ولا عند حضور وفود عربية رفيعة في التوقيت عينه؛ وإنما لأنها تأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية يُعاد فيه رسم خرائط المنطقة بأكملها بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وفي لحظة تجري فيها إعادة تعريف منظومة الأمن الإقليمي، والمحميات السياسية في الخليج العربي، ضمن مشروع إستراتيجي أوسع لما يسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد". 

وهم المناورة بين المحاور وضغط الاقتصاد 

والغريب في الأمر، أن الوقائع والتحضيرات التي سبقت الإعداد لهذه الزيارة لم تُظهر اهتماماً حقيقياً يذكر بهذه المتغيرات الجيوسياسية العاصفة، ولا بما يمكن أن يطرحه الرئيس ترامب من مشاريع ملموسة للحماية الأمريكية مقابل ترتيبات سياسية واقتصادية جديدة تستهدف جذب الاستثمارات وإعادة تشكيل أولويات المنطقة؛ في وقت يبحث فيه العراق بلهفة عن مخرج حقيقي لأزماته الاقتصادية الخانقة التي صنعتها مفاسد المحاصصة الطائفية وسلوكيات أمراء الإقطاع السياسي الجديد. 

إن السؤال الأبرز المطروح اليوم لا يتعلق بالشق الاقتصادي وحده، ولا بالملف الأمني المنفرد، وإنما بما إذا كانت الاتفاقات العراقية الأمريكية المقترحة ستتضمن التزامات تمهد -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- لإدماج بغداد في منظومة "الشرق الأوسط الجديد"، التي تمثل "الاتفاقات الإبراهيمية" أحد أبرز مساراتها السياسية والاقتصادية. 

وليس المقصود هنا الجزم بحدوث هذا المسار الإدماجي تلوحاً، وإنما التأكيد الإستراتيجي على أن مثل هذا الاحتمال القائم يفرض أعلى درجات الشفافية والإفصاح أمام الشعب؛ لأن ما يُوقَّع في الغرف المظلمة اليوم لن تظهر آثاره الحقيقية والموجعة إلا بعد سنوات.

ولذلك، لا يكف الخطاب الرسمي عن الحديث الفضفاض عن اتفاقات التعاون الإستراتيجي بصيغها العامة والمبهمة؛ فهناك تفاهمات وتفاصيل دقيقة قد تلحق باتفاقات مماثلة أبرمتها دول أخرى في المنطقة، مما يجعل من حق العراقيين الأصيل أن يعرفوا حدود ما يُتَّفق عليه في الغرف المغلقة، وطبيعة الالتزامات القانونية والسيادية التي قد تترتب على بلدهم، ومدى فاعلية مجلس النواب في ممارسة رقابته الدستورية على صياغة ملامح عراق ما بعد واشنطن.

الأبواب الدوّارة وصيغة القصعة الأجزل 

إن الإجابة الواقعية تفيد بأن أي صفقة سياسية تحقق مكاسب اقتصادية عاجلة ستلقى ترحيباً واسعاً من أركان مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي الجديد، لأن ريعها المالي سيكون مضموناً لجيوبهم. لكن ما إن تبدأ مرحلة توزيع تلك المكاسب على الأرض حتى تعود الانقسامات لتطفو على السطح، وتنشط الجيوش الإلكترونية، وتتكاثر الطائرات المسيّرة والصواريخ لتفرض وقائع ميدانية تختلف تماماً عن مشاهد المصافحات والابتسامات أمام كاميرات البيت الأبيض.

وسيتجلى مجرد تزامن وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي في واشنطن كفجوة سياسية وثغرة ينفذ منها كل من يضع قدماً في الخندق الإيراني، ويمد اليد الأخرى بالخفاء طلباً للاستثمارات الأمريكية والأوروبية والخليجية. وهنا يبرز السؤال العراقي بمرارة العلقم عن تلك "الأبواب الدوارة" التي أتقنتها منظومة المحاصصة للجمع بين المتناقضات؛ فهل تستطيع هذه المنظومة الهجينة هذه المرة أيضاً أن تجمع بين الولاء لمحور وجني مكاسب محور آخر؟ 

مستقبل العراق يقرره العراقيون 

في عالم السياسة، يمكن دائماً إعادة تعريف التحالفات، ويمكن عقد الصفقات البراغماتية وتبادل المصالح المشتركة؛ لكنه من غير المقبول أخلاقياً ووطنياً أن يُعاد تعريف مستقبل العراق وهوية أجياله بعيداً عن إرادة العراقيين أنفسهم. فما سيُوقَّع في واشنطن لن يكون مجرد ورقة دبلوماسية عابرة تحوي تواقيعاً بروتوكولية، بل قد يتحول إلى محدد أساسي وجزء من هوية العراق الإستراتيجية لعقود مقبلة.

ولذلك، فإن السؤال الوطني الذي ينبغي أن يسبق كل حبر وتوقيع ليس: ماذا سيحصل العراق كأرباح لحظية؟ وإنما: ما الذي سيلتزم به العراق كأعباء سيادية؟ وما الذي سيُعلَن بجرأة وعين مفتوحة للعراقيين؟ وما الذي سيبقى طي الكتمان خلف الأبواب المغلقة؟ لأن الدول المحترمة تُبنى بالثقة، والثقة لا يمكن أن تتأسس وتستمر إلا من خلال الشفافية المطلقة والمكاشفة الصريحة... ويبقى من القول دائماً: لله في خلقه شؤون.

اضف تعليق