تحويل زيارة واشنطن إلى نقطة تحول حقيقية يتطلب من بغداد ألا تكتفي بتوقيع الاتفاقيات أو استقطاب الشركات، بل أن تربط هذه الاتفاقيات برؤية اقتصادية واضحة تتجاوز منطق الريع. فالمطلوب أن تتحول الطاقة إلى قاعدة إنتاج، وأن يصبح الغاز والكهرباء والصناعات المرتبطة بهما مدخلًا لتنويع الاقتصاد، لا مجرد امتداد جديد...

لم تعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن حدثًا سياسيًا عابرًا في جدول العلاقات العراقية ـ الأميركية، بل تبدو أقرب إلى اختبار اقتصادي واسع: هل تستطيع بغداد أن تستثمر هذه الزيارة لإعادة التفكير في نموذجها الاقتصادي، أم ستبقى الاتفاقيات المتوقعة جزءًا من إدارة تقليدية لاقتصاد ريعي يعتمد على النفط الخام والإنفاق الحكومي والوظيفة العامة؟

السؤال لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات التي تسعى بغداد إلى جذبها، ولا بعدد الشركات الأميركية التي قد تدخل السوق العراقية، بل بطبيعة ما يمكن أن تفعله هذه الاستثمارات داخل الاقتصاد العراقي. فالعراق لا يحتاج إلى عقود طاقة جديدة بقدر ما يحتاج إلى تحويل الطاقة نفسها من مصدر ريعي يمول الموازنة إلى قاعدة إنتاجية تولد الكهرباء، وتستثمر الغاز، وتدعم الصناعة، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص، وتخفف اعتماد الدولة على بيع الخام.

وتأتي الزيارة في لحظة دقيقة. فقد ذكرت رويترز أن الزيدي يزور البيت الأبيض بين 13 و18 تموز/يوليو 2026، ساعيًا إلى جذب استثمارات أميركية واسعة في قطاعات النفط والغاز والكهرباء، مع مفاوضات تشمل شركات كبرى مثل شيفرون، وتعاونًا محتملًا مع جنرال إلكتريك لتوسيع البنية الكهربائية، إضافة إلى مشاريع غاز وطاقة ومنافذ تصدير بديلة. وتشير هذه المعطيات إلى أن الطاقة ستكون البوابة الأساسية للعلاقة الجديدة بين بغداد وواشنطن. 

لكن أهمية الزيارة لا تكمن في الطاقة وحدها، بل في السؤال الأوسع: هل يمكن للطاقة أن تكون مدخلًا لكسر الحلقة القديمة في الاقتصاد العراقي، أم ستتحول إلى دورة جديدة من الريع والعقود الكبرى من دون تغيير جوهري في بنية الاقتصاد؟

اقتصاد الريع تحت الاختبار

يعاني الاقتصاد العراقي منذ عقود من معادلة شديدة الحساسية: دولة غنية بالموارد النفطية، لكنها ضعيفة في تنويع مصادر الدخل، ومحدودة القدرة على خلق اقتصاد إنتاجي مستقل عن الإنفاق العام. فكلما ارتفعت أسعار النفط توسعت الموازنة والرواتب والمشاريع، وكلما تراجعت الأسعار أو تعطلت الصادرات عاد القلق المالي والسياسي والاجتماعي.

وتؤكد تقارير البنك الدولي أن العراق ما يزال من أكثر الاقتصادات اعتمادًا على النفط، وأن حجم القطاع العام وجمود فاتورة الأجور يحدان من المساحة المالية اللازمة للاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري، كما أن ضعف بيئة الأعمال قيد دور القطاع الخاص في خلق فرص العمل.

أما صندوق النقد الدولي، فقد أشار في مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن نمو القطاع غير النفطي في العراق تباطأ من 13.8% عام 2023 إلى نحو 2.5% عام 2024، متأثرًا بتراجع الاستثمار العام وضعف الميزان التجاري وقيود التمويل. كما لفت إلى أن السياسات المرتبطة بالتوظيف العام وفاتورة الأجور أصبحت غير مستدامة في ظل ضعف القاعدة الضريبية غير النفطية. 

هذه الخلفية تجعل زيارة واشنطن أكبر من مجرد مناسبة لتوقيع تفاهمات. فهي تضع النموذج الاقتصادي العراقي أمام اختبار مباشر: هل سيبقى العراق دولة تبيع النفط ثم تعيد توزيع عوائده عبر الموازنة، أم يبدأ في تحويل موارده النفطية والغازية إلى قاعدة لتوليد قيمة اقتصادية أوسع؟

واشنطن بوصفها بوابة للطاقة لا للسياسة فقط

العلاقة العراقية ـ الأميركية بعد عام 2003 ارتبطت طويلًا بملفات الأمن، الوجود العسكري، محاربة الإرهاب، النفوذ الإيراني، والفصائل المسلحة. لكن زيارة الزيدي تحاول دفع العلاقة نحو مسار مختلف، يقوم على الطاقة والاستثمار والبنية التحتية. فقد أوضحت وكالة أسوشيتد برس أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استقبل الزيدي في البيت الأبيض في 14 تموز/يوليو، وأن المباحثات تشمل ملفات إيران والفصائل، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار والطاقة. 

الجديد هنا أن بغداد لا تريد واشنطن بوصفها شريكًا أمنيًا فقط، بل بوصفها مصدرًا للشركات والخبرات والتقنية والتمويل. وهذا التحول، إذا أُحسن استثماره، يمكن أن يفتح نافذة أمام العراق لإعادة ترتيب أولويات اقتصاده.

لكن الخطر أن تتحول هذه العلاقة الجديدة إلى صيغة قديمة بثوب مختلف: عقود كبرى في النفط والغاز والكهرباء، من دون أن تنتج تحولًا في البنية الإنتاجية، أو نقلًا حقيقيًا للتكنولوجيا، أو مشاركة فاعلة للقطاع الخاص المحلي، أو تقليلًا للاعتماد على الموازنة الريعية.

الطاقة بين تعميق الريع وصناعة القيمة

في العراق، تبدو الطاقة في ظاهرها مصدر القوة الأكبر، لكنها في الوقت نفسه تعكس جوهر المشكلة الاقتصادية. فالبلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة، لكنه يعاني من أزمات كهرباء مزمنة، وحرق للغاز، وضعف في البنية التحتية، ومحدودية في الصناعات التحويلية المرتبطة بالطاقة.

لذلك فإن السؤال ليس: هل ستدخل شركات أميركية إلى قطاع الطاقة العراقي؟ بل: ماذا ستفعل هذه الشركات؟ هل ستساعد على زيادة إنتاج النفط فقط؟ أم ستسهم في بناء منظومة طاقة أكثر إنتاجية تشمل الغاز والكهرباء والصناعة والخدمات؟

تتضمن الجهود التي تحدثت عنها رويترز مفاوضات مع شيفرون حول مشاريع منبع نفطية، ودعمًا لمشاريع الغاز الطبيعي المسال والطاقة، واتفاقًا مع شركة HKN Energy بشأن حقل حمرين في شمال العراق، إضافة إلى تعاون أوسع مع جنرال إلكتريك لتوسيع البنية الكهربائية. كما أصدرت الحكومة العراقية توجيهات لتخفيف الأعباء التنظيمية على الشركات الأميركية وزيادة إجراءات الحماية حول مواقع نفطية رئيسية.

هذه المشاريع يمكن أن تفتح مسارًا تنمويًا إذا انتقلت من منطق “زيادة الإنتاج” إلى منطق “تعظيم القيمة”. فاستثمار الغاز المصاحب، مثلًا، لا يعني فقط تقليل الهدر، بل يعني تحسين الكهرباء، وخفض الاستيراد، وتوفير مدخلات للصناعة، وخلق فرص عمل، وتعزيز أمن الطاقة الداخلي. أما تطوير الكهرباء فلا يعني فقط إضافة ميغاواطات، بل يعني بناء قاعدة ضرورية لأي تحول صناعي أو رقمي أو زراعي.

أوبك وحدود الطموح النفطي

لا يمكن فهم زيارة واشنطن بعيدًا عن معادلة أوبك. فالعراق يريد جذب استثمارات نفطية كبرى وزيادة قدرته الإنتاجية، لكنه في الوقت ذاته يعمل داخل منظومة حصص إنتاجية تحددها أوبك+. وقد صرح الزيدي بأن العراق لا ينوي مغادرة أوبك، لكنه يريد حصة إنتاج أكثر عدالة، باعتباره ثاني أكبر منتج في المنظمة بعد السعودية ومن الدول المؤسسة لها. 

هذا الموقف يكشف معضلة أساسية: العراق يريد إنتاجًا أكبر وإيرادات أعلى، لكنه لا يستطيع التحرك خارج منظومة السوق النفطية الدولية من دون كلفة سياسية واقتصادية. وقد ذكرت رويترز في تقرير سابق أن مطالبة العراق بحصة أكبر ترتبط بضغوط مالية واستثمارات نفطية جديدة، وأن الإيرادات النفطية تمثل نحو 88% من دخل الحكومة، ما يجعل أي اضطراب في التصدير أو الأسعار تهديدًا مباشرًا للموازنة.

من هنا، فإن توسيع إنتاج النفط وحده لا يكفي لبناء نموذج اقتصادي جديد. بل قد يعيد إنتاج المشكلة ذاتها: دولة أكثر اعتمادًا على النفط، وأكثر حساسية لتقلبات السوق، وأكثر عرضة للضغط عند أي أزمة في الأسعار أو الممرات أو الحصص.

التحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح الطاقة قاعدة لتنويع الاقتصاد، لا مجرد مصدر لتمويل الموازنة.

من بيع الخام إلى اقتصاد الطاقة المنتجة

إذا أرادت بغداد أن تجعل زيارة واشنطن نقطة تحول، فعليها أن تنقل النقاش من تصدير النفط الخام إلى بناء اقتصاد الطاقة المنتجة. وهذا يعني أن الأولوية لا ينبغي أن تكون فقط في زيادة عدد البراميل، بل في بناء سلسلة قيمة كاملة: الغاز، الكهرباء، الصناعات البتروكيمياوية، الأسمدة، الخدمات النفطية، النقل، التخزين، الصيانة، التدريب، والهندسة.

هذا المسار يمكن أن يغير موقع العراق من دولة تبيع المادة الخام إلى دولة تنتج الطاقة وتستخدمها لتوسيع اقتصادها. فالكهرباء المستقرة شرط للصناعة، والغاز المستثمَر شرط لتقليل الاستيراد، والبنية التحتية الحديثة شرط لجذب المستثمرين، والموانئ والسكك والأنابيب شرط لتحويل الجغرافيا إلى اقتصاد.

ومن هذه الزاوية، فإن الاتفاقات المحتملة مع الشركات الأميركية لا ينبغي أن تُقرأ كصفقات قطاعية فقط، بل كاختبار لقدرة العراق على بناء منظومة إنتاجية مترابطة. فالشركة التي تطور حقلًا نفطيًا يمكن أن تساهم في تدريب الكوادر، وتطوير الخدمات، ونقل الخبرة، وتشجيع شركات عراقية مساندة. والشركة التي توسع الكهرباء يمكن أن تفتح الباب أمام صناعة محلية، ومدن إنتاجية، واستثمارات غير نفطية.

أما إذا بقيت العلاقة محصورة في استخراج الخام وتصديره، فإن الزيارة ستدعم الريع بدل أن تكسره.

القطاع الخاص العراقي الغائب

أي تحول في النموذج الاقتصادي العراقي سيبقى ناقصًا إذا ظل القطاع الخاص المحلي على هامش المعادلة. فالعقود الكبرى مع الشركات الأجنبية قد توفر تقنية وتمويلًا وخبرة، لكنها لا تصنع اقتصادًا وطنيًا متنوعًا إذا لم ترتبط بشركات عراقية، وموردين محليين، وبرامج تدريب، ونقل معرفة، وفرص عمل مستدامة.

المشكلة أن الاقتصاد العراقي ما يزال شديد الارتباط بالدولة؛ الدولة هي المشغّل الأكبر، والممول الأكبر، والمشتري الأكبر، والموزع الأكبر للريع. وهذا يجعل القطاع الخاص في كثير من الأحيان تابعًا للعقود الحكومية لا قائدًا للنمو.

لذلك يجب أن يُطرح سؤال مهم على هامش زيارة واشنطن: هل ستخلق الاستثمارات الأميركية سوقًا أوسع للقطاع الخاص العراقي، أم ستبقى محصورة بين الحكومة والشركات الأجنبية الكبرى؟ وهل ستؤدي مشاريع الطاقة إلى نشوء صناعات وخدمات محلية، أم ستبقى عمليات تنفيذ مغلقة لا تترك أثرًا عميقًا في الاقتصاد الوطني؟

التحول الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الاستثمار الأجنبي، بل بقدرته على تحريك الاستثمار المحلي.

الممرات ومنافذ التصدير: الأمن الاقتصادي لا الجغرافيا فقط

من العناصر المهمة في زيارة واشنطن الحديث عن مسارات تصدير بديلة تقلل اعتماد العراق على مضيق هرمز، وهو ملف اكتسب أهمية إضافية في ظل التوترات الإقليمية واضطرابات الملاحة. وقد أشارت رويترز إلى أن الاتفاقات المتوقعة تشمل تطوير مسارات تصدير بديلة تساعد العراق على تقليل الاعتماد على المضيق.

هذا الملف يتجاوز الطاقة إلى الأمن الاقتصادي. فالدولة التي تعتمد على ممر واحد أو منفذ واحد تصبح رهينة للأزمات. أما الدولة التي تملك منافذ متعددة، وخطوط أنابيب بديلة، وموانئ فعالة، وربطًا بريًا وسككيًا، فإنها تملك قدرة أكبر على المناورة.

غير أن الممرات لا تصنع التحول وحدها. فالميناء أو الأنبوب أو الطريق لا يصبح مشروعًا تنمويًا إلا إذا ارتبط بإدارة فعالة، ومناطق صناعية، وخدمات لوجستية، وسياسات تصدير، وشراكات إقليمية. وإلا فإنه يتحول إلى بنية تحتية تمر فوق الاقتصاد من دون أن تغيره من الداخل.

الفرصة والمخاطر

أمام بغداد فرصة واضحة. فالزيارة تضع العراق في لحظة اهتمام أميركي، وتفتح بابًا لشركات ذات خبرة في الطاقة والكهرباء والغاز، وتمنح الحكومة فرصة لإعادة تقديم العراق بوصفه سوقًا قابلة للاستثمار لا مجرد دولة أزمات.

لكن المخاطر واضحة أيضًا. فقد تتحول الاتفاقات إلى مذكرات تفاهم بلا تنفيذ. وقد تستغرق المشاريع سنوات بسبب البيروقراطية وتعدد مراكز القرار. وقد تنحصر الاستثمارات في النفط الخام بدل بناء قطاعات إنتاجية. وقد يبقى القطاع الخاص العراقي متفرجًا. وقد تعود الدولة إلى منطقها القديم: زيادة الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق الجاري بدل تحويل الإيرادات إلى استثمار طويل الأمد.

والأخطر أن يُنظر إلى زيارة واشنطن بوصفها إنجازًا بذاتها، بينما الإنجاز الحقيقي يبدأ بعدها. فكل اتفاق يوقع في واشنطن يحتاج إلى إدارة في بغداد، وقانون واضح، وتمويل منضبط، وجهة تنفيذية مسؤولة، وجدول زمني، وآلية محاسبة.

هل تكون الزيارة نقطة تحول؟

يمكن للزيارة أن تكون نقطة تحول إذا غيّرت طريقة التفكير الاقتصادي في بغداد. فإذا استُخدمت لجذب شركات الطاقة فقط، فستكون زيارة مهمة لكنها محدودة الأثر. أما إذا استُخدمت لإعادة بناء علاقة العراق بالطاقة نفسها، فقد تتحول إلى بداية مسار مختلف.

وهذا يتطلب أن تنظر الحكومة إلى الطاقة بوصفها منصة للتنمية، لا مجرد مصدر للإيراد. وأن تنظر إلى الشركات الأميركية بوصفها فرصة لنقل التقنية وبناء القدرات، لا مجرد جهات تنفيذ. وأن تنظر إلى اتفاقات النفط والغاز والكهرباء بوصفها جزءًا من استراتيجية صناعية، لا مجرد ملفات وزارية متفرقة.

في هذه الحالة فقط، يمكن أن تبدأ بغداد في كسر نموذج الدولة الريعية. ليس دفعة واحدة، ولا بزيارة واحدة، بل عبر مسار طويل يربط الطاقة بالصناعة، والاستثمار بالقطاع الخاص، والممرات بالإنتاج، والدبلوماسية بالتحول الداخلي.

توصيات مقترحة

1. ربط اتفاقيات الطاقة بخطة تنموية واضحة: لا ينبغي أن تُعامل الاتفاقيات مع الشركات الأميركية كصفقات نفط وغاز فقط، بل كجزء من خطة أوسع لتطوير الكهرباء، واستثمار الغاز، وبناء الصناعات المرتبطة بالطاقة.

2. تحويل الطاقة من مصدر ريع إلى قاعدة إنتاج: يجب أن يكون الهدف هو تقليل الاعتماد على بيع النفط الخام، والانتقال نحو الغاز، والبتروكيمياويات، والكهرباء، والخدمات النفطية، والصناعات التحويلية.

3. إشراك القطاع الخاص العراقي: أي اتفاق مع الشركات الأجنبية ينبغي أن يتضمن فرصًا للشركات العراقية، وبرامج تدريب، ونقل خبرة، وتشغيل محلي، حتى لا تبقى المشاريع معزولة عن الاقتصاد الوطني.

4. وضع مؤشرات تنفيذ لا مجرد مذكرات تفاهم: ينبغي متابعة ما إذا كانت الاتفاقيات ستتحول إلى عقود تنفيذية، وجداول زمنية، ومشاريع قائمة، لا أن تبقى في مستوى الإعلان السياسي.

5. تنويع منافذ التصدير وممرات الطاقة: على العراق أن يجعل مسألة الممرات والأنابيب والموانئ جزءًا من أمنه الاقتصادي، لا مجرد مشاريع بنى تحتية متفرقة.

6. تحويل الزيارة إلى بداية مسار لا حدث عابر: نجاح الزيارة لا يُقاس بما يجري في واشنطن فقط، بل بما ستفعله بغداد بعدها في الإدارة، والتشريع، والتنفيذ، وربط الطاقة بالتنمية.

خاتمة

ومن هنا، فإن تحويل زيارة واشنطن إلى نقطة تحول حقيقية يتطلب من بغداد ألا تكتفي بتوقيع الاتفاقيات أو استقطاب الشركات، بل أن تربط هذه الاتفاقيات برؤية اقتصادية واضحة تتجاوز منطق الريع. فالمطلوب أن تتحول الطاقة إلى قاعدة إنتاج، وأن يصبح الغاز والكهرباء والصناعات المرتبطة بهما مدخلًا لتنويع الاقتصاد، لا مجرد امتداد جديد لاقتصاد النفط الخام.

كما أن أي شراكة مع الشركات الأميركية ينبغي أن تُقاس بقدرتها على نقل الخبرة، وتشغيل الكفاءات العراقية، وإشراك القطاع الخاص المحلي، وخلق سلاسل قيمة داخلية، بدل أن تبقى مشاريع كبرى معزولة عن المجتمع والاقتصاد. ولا يكفي أن تُعلن مذكرات التفاهم، بل ينبغي أن تتحول إلى عقود تنفيذية وجداول زمنية ومؤشرات قياس واضحة.

إن الفرصة التي تتيحها زيارة واشنطن لا تكمن في زيادة الاستثمارات فقط، بل في إعادة تعريف وظيفة الطاقة داخل الاقتصاد العراقي. فإذا بقيت الطاقة مصدرًا للريع، فلن يتغير النموذج الاقتصادي كثيرًا. أما إذا تحولت إلى منصة للصناعة، والكهرباء، والتشغيل، والممرات، والشراكات الإنتاجية، فقد تكون الزيارة بداية مسار جديد يساعد العراق على الانتقال من اقتصاد يعتمد على بيع النفط إلى اقتصاد يستخدم موارده لبناء التنمية.

إذا حدث ذلك، فقد تصبح الزيارة بداية تحول في النموذج الاقتصادي العراقي. أما إذا بقيت الاتفاقات محصورة في زيادة الإنتاج وتوسيع الريع، فإنها ستضيف فصلًا جديدًا إلى القصة القديمة نفسها: بلد غني بالنفط، لكنه ما يزال يبحث عن اقتصاد.

اضف تعليق