السيِّدة زينب جعلت من كربلاء نقطة بداية لمسار لا ينقطع من الوعي والاحتجاج على كلِّ أشكال الظُّلم. فالخطبة تأسيس لمعادلة كونيَّة مفادها: أنَّ السُّلطة إذا فقدت العدل سقطت قيمتها، وأنَّ الحقَّ إذا اقترن بالتَّضحية تحوَّل إلى قوَّة لا يمكن إطفاؤها. وبذلك، غدا مجلس يزيد محطَّة انطلاق لامتداد كربلاء في...

لم يكن دخول ركب السَّبايا إلى مجلس يزيد بن معاوية حدثًا عابرًا في مسار التَّاريخ الإسلامي؛ وإنَّما شكَّل لحظة فاصلة تتقاطع فيها قوَّتانِ متضادتانِ في الرُّؤية والمنهج: قوَّة السُّلطة التي توهَّمت أنَّ العنف العسكري قادر على إنهاء الحقيقة وإخماد صوتها، وقوَّة الحقِّ التي تجلَّت في شخصيَّة السيِّدة زينب بنت عليِّ (عليهما السلام)؛ لتعلن أنَّ واقعة كربلاء بداية مرحلة جديدة من انكشاف الظُّلم والانحراف أمام الوعي والحكمة.

المحور الأوَّل: إظهار العقيدة في مجلس الطُّغيان

 لقد دخلت السيِّدة زينب (عليها السلام) مجلس يزيد بوصفها امتدادًا لرسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولسانًا ناطقًا باسم مشروعه الإلهي. ومن هنا جاء خطابها في سياق يتجاوز البعد الانفعالي أو اللحظات التي كانت تعيشها، ليؤسِّس لقراءة عقديَّة وتاريخيَّة تعيد ضبط ميزان القيم بعد محاولة السُّلطة قلبه.

 بدأت السيِّدة زينب (عليها السلام) خطابها بحمد الله (تعالى) والصَّلاة على رسوله (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، فقالت: "الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ"(1).

 وهذا الافتتاح يحمل دلالة معرفيَّة عميقة؛ إذ يُخرج الحدث من دائرة التَّفسير السُّلطوي الذي كان يزيد يحاول فرضه، إلى دائرة التَّوحيد التي تجعل الله (تعالى) هو المرجع الأعلى في الحكم على الوقائع. فالكلام هنا يُبنى على منطق القضاء الإلهي الذي يضع الظَّالم والمظلوم في ميزان الحقِّ المطلق.

 إنَّ هذا التَّحول في الخطاب يكشف عن وعي عقائدي راسخ لدى السيِّدة زينب (عليها السلام)؛ حيث يُقرأ الحدث باعتباره امتدادًا لسنن إلهيَّة في الابتلاء والتَّمييز بين الحقِّ والباطل، كما يشير القرآن الكريم في قول الله (تعالى): (وَلَيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)(2).

 ومن هذا المنطلق، يصبح خطابها (عليها السلام) إعادة صياغة لواقعة كربلاء ضمن إطار عقائدي يجعل الدَّم المراق في كربلاء حُجَّة قائمة على الظَّالمين، وشهادة خالدة على صدق المشروع الحسيني. وهذا الموقف ينسجم مع ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في أنَّ الحق يُقاس بثبات المبدأ، وليس بكثرة القوَّة؛ فقد رُوي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "أَيُّهَا النَّاسُ؛ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِه"(3).

 وهذا المعنى يتجلَّى بوضوح في وقوف السيِّدة زينب (عليها السلام) في قلب مجلس السُّلطة؛ لتعلن أنَّ الحقيقة لا تُهزم وإنْ بدا ظاهرها مكسورًا، وأنَّ الدَّم حين يُسفك في سبيل الله (عزَّ وجلَّ) لا ينطفئ، ويتحوَّل إلى خطاب دائم في ضمير الأمَّة، يُسهم في إعادة تشكيل الوعي الدِّيني والسِّياسي عبر الأجيال.

 وبذلك، كان خطابها تأسيسًا لوعي تاريخي يرى في كربلاء نقطة انطلاق لتمييز دائم بين مشروع العدل الإلهي ومشاريع الاستبداد البشري، وهو ما جعل صوتها (عليها السلام) يمتدُّ خارج حدود الزَّمان والمكان، ليبقى شاهدًا على أنَّ الحقَّ، وإنْ حُورب، لا يُمحى، ويزداد رسوخًا وخلودًا.

المحور الثَّاني: البعد القرآني باعتباره مرجعيَّة للحدث

 كانت خطبة السيِّدة زينب (عليها السلام) في مجلس يزيد بن معاوية في جوهرها قراءة قرآنيَّة للواقع التَّاريخي، وإعادة تفسير للحدث ضمن منظومة السُّنن الإلهيَّة التي يقدِّمها القرآن الكريم في فهم حركة الأمم وسقوط الظَّالمين. فهي تتعامل مع كربلاء بوصفها حلقة من سلسلة ممتدَّة تحكمها قوانين إلهيَّة ثابتة لا تتبدل ولا تتغيَّر.

 وفي هذا السِّياق، استحضرت (عليها السلام) قول الله (تعالى): (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون)(4). 

 إنَّ هذا الاستحضار كان عمليَّة تأطير معرفي للحدث داخل النَّسق القرآني، بحيث يُعاد تعريف يزيد، ومن يمثِّله بوصفه نموذجًا متكررًا من نماذج الانحراف التي تحدَّث عنها القرآن الكريم عبر التَّاريخ، لا بوصفه حالة استثنائيَّة أو صراعًا سياسيًّا عابرًا.

 وبواسطة هذا الرَّبط، تنتقل السيِّدة زينب (عليها السلام) من مستوى الوصف التَّاريخي إلى مستوى التَّفسير في ضوء السُّنن، فيصبح ما جرى في كربلاء تطبيقًا حيًّا لقانون إلهي ثابت، مفاده أنَّ التَّكذيب بآيات الله (جلَّ جلاله) والاستهزاء بالقيم الإلهيَّة لا ينتهي إلَّا إلى سوء العاقبة والانهيار مهما طال الزَّمن أو اشتدَّت أدوات السُّلطة.

 وبذلك، يتحوَّل الحدث من كونه واقعة دامية محصورة في زمن محدَّد، إلى نموذج تفسيري دائم يُقرأ في ضوئه كلِّ انحراف لاحق؛ لأنَّ القرآن الكريم يعرض التَّاريخ كمسار تحكمه سنن متكررة، كما في قول الله (سبحانه): (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)(5).

 إنَّ هذا البعد القرآني في خطاب السيِّدة زينب (عليها السلام) يكشف عن عمق معرفي يجعل من الواقعة وسيلة لفهم النِّظام الإلهي في التَّاريخ، لا مجرَّد حدث عاطفي أو مأساوي. فهي تُسقط الشَّرعيَّة عن السُّلطة من داخل النَّص القرآني نفسه، لا من خارج المرجعيَّة الدِّينيَّة، لتؤكِّد أنَّ ميزان الحكم على الأفعال هو معيار الانسجام مع آيات الله (تعالى) وسننه في الأرض. وبهذا يصبح خطابها (عليها السلام) تأسيسًا لوعي قرآني تاريخي يرى في سقوط الظَّالمين سنَّة إلهيَّة متكررة، وفي ثبات أهل الحقِّ امتدادًا لوعد إلهي لا يتخلَّف، ممَّا يجعل كربلاء بداية قراءة قرآنيَّة مستمرة للحقِّ والباطل عبر الزَّمن.

المحور الثَّالث: تفكيك شرعيَّة السُّلطة أمام شرعيَّة الرِّسالة

 عندما حاول يزيد بن معاوية أن يستثمر مشهد السَّبي بوصفه دليلًا على الحسم السِّياسي والانتصار العسكري، كان يتعامل مع الواقعة ضمن منطق السُّلطة الذي يُعيد تعريف الهزيمة والنَّصر وفق ميزان القوَّة الماديَّة. غير أنَّ خطاب السيِّدة زينب (عليها السلام) جاء ليقلب هذا المنطق من جذوره، وينقل النِّقاش من مستوى "الشَّرعيَّة السياسيَّة" إلى مستوى "الشَّرعيَّة الرِّساليَّة"، حيث يصبح الحقُّ معيارًا يُحاكم به فعل السُّلطة ذاته. فخاطبته (عليها السلام) بعبارة تحمل مضامين عالية، فقالت: "أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) سَبَايَا؟"(6). فكانت هذه الصياغة عمليَّة تفكيك لأساس الشَّرعيَّة التي يدَّعيها يزيد. فهي تبدأ بسؤال استنكاري يُسقط دعوى "العدل" من أصلها، وتضع الفعل السُّلطوي في مواجهة معيار أعلى هو معيار النُّبوَّة وحرمة الرِّسالة.

 إنَّ توصيفها (عليها السلام) له بقولها: "يا ابن الطلقاء" يحمل بعدًا تاريخيًّا وعقديًّا بالغ الأهميَّة، إذ يعيد الإشارة إلى لحظة فتح مكة حين عفا النَّبيُّ الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) عن قريش، وقال: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"(7). وهذا التَّوصيف اُستخدمَ؛ ليعيدَ ضبط الانتماء التَّاريخي للسُّلطة الأمويَّة، وبيان أنَّها ليست امتدادًا طبيعيًّا للنُّبوَّة، وأنَّها كيان نشأ خارج الامتداد القيمي للرِّسالة. 

 وأكثر من ذلك؛ فإنَّ كلمة السيِّدة زينب (عليها السلام) تدلُّ على عدم أهليَّة الطُّلقاء للخلافة والقيادة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وإن لم يرد نصٌّ قرآنيٌّ يذكر كلمة "الطُّلقاء" صراحةً في موضوع الخلافة. 

 والاستدلال يقوم على الجمع بين مفاهيم قرآنيَّة تتعلَّق بالإيمان الحقيقي، والسَّابقة في الدِّين، والطَّهارة المعنويَّة والمادِّية، وعدم مساواة المؤمنين المتقدِّمين بمن دخل الإسلام متأخرًا بعد فتح مكة. ومن أبرز الآيات التي يُستدل بها قول الله (تعالى): (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(8). فهذه الآية تضع تمايزًا واضحًا بين السَّابقين الذين آمنوا وضحُّوا قبل فتح مكة، وبين من دخل الإسلام بعد أن أصبحت الدَّولة قوَّية ومنتصرة. فالتقدُّم في الإيمان والجهاد يمنح صاحبه أولويَّة قياديَّة، ولذلك كان من المستحيل -بحسب هذا الفهم- تقديم الطُّلقاء على من سبقهم بالإيمان والتَّضحية، كالإمام عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام).

 وكذلك قول الله (تعالى): (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(9). فالآية تمنح منزلة خاصَّة للسَّابقين الأوَّلين، لا لمن تأخَّر إسلامه إلى ما بعد انتصار الإسلام. 

 كما يُستدل بقوله (تعالى): (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(10)، فمنْ مارس الظُّلم أو حارب الدِّين لا يكون أهلًا لهذا المقام، حتَّى لو أعلن الإسلام بعد ذلك. 

 ومن يقرأ كتاب (نهج البلاغة) سيجد أنَّ مولاتنا زينب (عليها السلام) تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما ردَّ على معاوية في كتاب له؛ حين قال: "ومَا أَنْتَ والْفَاضِلَ والْمَفْضُولَ والسَّائِسَ والْمَسُوسَ، ومَا لِلطُّلَقَاءِ وأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ، والتَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، وتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ وتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ، هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا، وطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْه الْحُكْمُ لَهَا، أَلَا تَرْبَعُ أَيُّهَا الإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ، وتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ، وتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ، فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ ولَا ظَفَرُ الظَّافِرِ، وإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيه رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ، أَلَا تَرَى غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ، ولَكِنْ بِنِعْمَةِ اللَّه أُحَدِّثُ، أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه تَعَالَى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ، ولِكُلٍّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، وخَصَّه رَسُولُ اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلَاتِه عَلَيْه، أَولَا تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه، ولِكُلٍّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وذُو الْجَنَاحَيْنِ، ولَوْ لَا مَا نَهَى اللَّه عَنْه مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَه، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، ولَا تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ، فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِه الرَّمِيَّةُ، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا والنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا"(11).

 وقال (عليه السلام) في كتاب آخر: "وَاعْلَمْ يا مُعاوِيَة، أنَّكَ مِنَ الطُّلَقآءِ الَّذينَ لا تَحِلُّ لَهُمُ الْخِلافَةُ، وَلا تُعْقَدُ مَعَهُمُ الْإمامَةُ، وَلا تُعْرَضُ فيهِمُ الشّوُرى، وَقَدْ بَعَثْتُ الَيْكَ وَإلى مَنْ قِبَلَكَ جُرَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ، وَهُوَ مِنْ أهْلِ الْايمانِ وَالْهِجْرَةِ السّابِقَةِ، فَبايِعْ، وَلا قُوَّةَ إلَّا باِللهِ"(12).

 وبذلك، تنتقل السيِّدة زينب (عليها السلام) من مستوى الاحتجاج العاطفي إلى مستوى التَّفكيك المعرفي للسُّلطة، حيث تُسقط ادعاء "النَّصر" بوصفه معيارًا للحقِّ، وتؤكِّد أنَّ انتهاك حرمة بيت النُّبوَّة لا يمكن أن يُعاد تعريفه سياسيًّا؛ لأنَّه يدخل في نطاق الظُّلم المطلق الذي لا يكتسب شرعيَّة بأيِّ حال. 

المحور الرَّابع: الألم حين يتحوَّل إلى خطاب

 في لحظة كان يُراد فيها لمجلس يزيد أن يكون مسرحًا لإظهار الانكسار النَّفسي والمعنوي لبيت النُّبوَّة، جاءت كلمات السيِّدة زينب (عليها السلام) لتعيد تعريف الألم ذاته، فلا يعود حالة ضعف أو انهيار، ويتحوَّل إلى خطاب واعٍ ومتماسك يُنتج معنى المقاومة، ويؤسِّس لوعي جديد في مواجهة الجريمة. فقد اتَّخذت من الألم مادة لبناء الحُجَّة، فقالت: "وَكَيْفَ يُرْتَجَى مُرَاقَبَةُ مَنْ لَفَظَ فُوه أَكْبَادِ الْأَزْكِيَاءِ، وَنَبَتَ لَحْمُهُ بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ؟"(13).

 وهذه الصِّياغة ترتقي إلى مستوى تأسيس معيار شامل، يجعل من الجريمة دليلًا على فقدان الأهليَّة الأخلاقيَّة والسِّياسيَّة في آنٍ واحد. فالمسألة هنا تفكيك لفكرة "الأمانة على الأمَّة" نفسها؛ إذ كيف يُؤتمن على المجتمع من جعل قتل الصفوة وسيلة لترسيخ سلطته؟

 إنَّ هذا التَّحول في الخطاب يكشف عن انتقال الألم من كونه تجربة ذاتيَّة خاصَّة إلى كونه أداة معرفيَّة لإنتاج الوعي الجمعي. فالسيِّدة زينب (عليها السلام) لا تتحدَّث من موقع الانكسار؛ وإنَّما من موقع الشَّهادة التَّاريخيَّة التي تُحوّل الحدث إلى معيار دائم لتمييز الحقِّ من الباطل، والعدل من الاستبداد.

 وفي هذا السِّياق، يصبح الألم نفسه عنصرًا فاعلًا في بناء الخطاب المقاوم، لا مجرَّد نتيجة له. فالمصيبة هنا تُعاد صياغتها لتصبح حجَّة قائمة على التَّاريخ والواقع، وهو ما ينسجم مع المنهج القرآني في تحويل الابتلاء إلى وعي، كما في قول الله (عزَّ وجلَّ): (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(14)؛ حيث يتحوَّل الابتلاء إلى مساحة لتمييز الثَّابتين على الحقِّ من المتنازلينَ عنه.

المحور الخامس: انقلاب مفهوم النَّصر والهزيمة

 في التَّصور السِّياسي الذي تبنَّاه يزيد بن معاوية، يُختزل مفهوم النَّصر في السَّيطرة الماديَّة على الخصم، وفي القدرة على إقصائه أو قتله، بحيث تتحوَّل القوَّة العسكريَّة إلى معيار وحيد للحكم على النَّجاح والهزيمة. غير أنَّ خطاب السيِّدة زينب (عليها السلام) جاء ليعيد تفكيك هذا التَّصور من أساسه، ويؤسِّس لمفهوم مغاير للنَّصر يقوم على البقاء القيمي للحقِّ، لا على الغلبة الظَّاهرية للسَّيف.

 ولذلك، خاطبته (عليها السلام) بعبارات تحمل يقينًا يتجاوز اللحظة السِّياسيَّة، فقالت: "فَوَاللهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا، وَلَا تَرحض عَنكَ عَارَها، وَلَا تَغِيب مِنكَ شنارها(15)"(16).

 وهذه الكلمات هي إعادة صياغة لمفهوم التَّاريخ نفسه؛ إذ تنقل الواقعة من كونها حدثًا منتهيًا تُحدِّده السُّلطة التي تدعي الانتصار، إلى كونها ذاكرة ممتدَّة تحكم على الفعل، وتُبقي أثره حيًّا في الوعي الإنساني. فالمحور هنا استمرار ذكر أهل البيت (عليهم السلام)، وسقوط إمكانيَّة محو الحقيقة مهما امتلكت السُّلطة أدوات القمع والتَّشويه.

 إنَّ هذا الخطاب يُسقط بصورة مباشرة المفهوم العسكري للنَّصر؛ لأنَّه يُظهر أنَّ السَّيطرة الجسديَّة لا تساوي بالضرورة الانتصار. وعلى العكس، قد تتحوَّل هذه السَّيطرة إلى مصدر دائم للعار التَّاريخي، كما تشير إليه الخطبة، حيث يصبح الفعل السِّياسي محمَّلاً بمسؤوليَّة لا تزول بانتهاء الحدث، وتمتدُّ عبر الزَّمن.

 ومن هنا تؤسِّس السيِّدة زينب (عليها السلام) لمعادلة جديدة في فهم النَّصر والهزيمة: النَّصر ليس بقتل الخصم، النَّصر بثبات المبدأ. والهزيمة ليست بالموت، ولكن الهزيمة التَّخلي عن الحقِّ.

 وهذا المعنى يجد جذوره في التَّصور القرآني الذي يعيد تعريف النَّصر بوصفه نصرًا إلهيًّا لا ماديًّا فقط، كما في قول الله (تبارك وتعالى): (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)(17)، فتُقاس الغلبة بالاتِّصال بالإرادة الإلهيَّة وثبات الموقف.

المحور السَّادس: الخطبة وإعلان استمرار الرِّسالة

 في ذروة الخطاب الزَّينبي في مجلس يزيد، تنتقل السيِّدة زينب (عليها السلام) من مرحلة تفكيك الخطاب السِّياسي والردِّ عليه، إلى مرحلة أعلى في البناء المعرفي، هي مرحلة الإعلان عن استمراريَّة المشروع الرِّسالي وعدم قابليته للإلغاء أو المحو. فالكلام هنا يتحوَّل من مواجهة إلى بيان يحدِّد مصير المعركة بين الحقِّ والباطل على امتداد الزَّمن. وفي هذا المجال قالت (عليها السلام): "فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَناصِبْ جَهْدَكَ، فَوَاللهِ، لا تَمْحُو ذِكْرَنا، وَلا تُمِيتُ وَحْيَنا، وَلا تُدْرِكُ أَمَدَنا"(18).

 وهذه العبارة تمثِّل نقطة تحول مركزيَّة في الخطاب؛ إذ تنتقل من توصيف الواقع إلى إعلان قانون مفاده أنَّ المشروع الرِّسالي الذي تمثِّله كربلاء ليس مشروعًا قابلاً للإلغاء عبر أدوات القتل أو القمع أو التَّشويه. 

 إنَّ هذا الإعلان لا يحمل طابع التَّحدي الشَّخصي بقدر ما يحمل طابعًا عقديًّا يرسِّخ أنَّ ما أرادته السُّلطة الأموية نهايةً للإمام الحسين (عليه السلام) تحوَّل إلى بداية لمسار وعي جديد يتجاوز حدود الحدث التَّاريخي. فإنَّ دم الشَّهادة أسَّس لمرحلة إعادة تشكُّل الوعي الدِّيني والاجتماعي، حيث أصبح حضور الإمام الحسين (عليه السلام) حضورًا متجدِّدًا في الضَّمير، لا حضورًا منتهيًا بانتهاء الجسد.

 وهذا المعنى يجد جذوره في المنظور القرآني الذي يؤكِّد أنَّ الحقَّ لا يُمحى بالمواجهة، ويزداد رسوخًا عبر الابتلاء، كما في قول الله (تعالى): (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)(19).

المحور السَّابع: لحظات الدُّعاء

 تبلغ الخطبة الزَّينبية أوجها الفكري في اللحظة التي تنتقل فيها من ساحة المواجهة والخطاب الاحتجاجي إلى مقام الدُّعاء والتَّسليم لله (سبحانه)؛ ففي هذا التَّحوّل تتجلَّى الرُّؤية التَّوحيديَّة التي كانت تحكم كلماتها منذ البداية، ويتَّضح أنَّ تفكيكها لسلطة الظُّلم، وإعادتها رسم معايير الحقِّ، وصياغتها لمعنى النَّصر والرِّسالة، لم يكن مجرّد موقفٍ سياسي أو انفعالٍ عاطفي؛ وإنَّما كان امتدادًا لوعيٍ إيماني يرى الأحداث كلَّها بعين الارتباط بالله (عزَّ وجلَّ) والتَّفويض إليه. فالسيِّدة زينب (عليها السلام) تختتم خطابها بمنطق التَّسليم المطلق للعدالة الإلهيَّة التي تمثِّل المرجعيَّة النِّهائيَّة في الحكم على الظَّالم والمظلوم. فرفعت (عليها السلام) دعاءها قائلة: "اللَّهُمَّ خُذْ بِحَقّنا، وَانْتَقِمْ مِمَّنْ ظَلَمَنا، وَاحْلُلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِماءَنْا وَقَتَلَ حُماتَنا.فَوَاللَّهِ ما فَرَيْتَ إِلَّا جِلْدَكَ، وَلا جَزَزْتَ إِلَّا لَحْمَكَ، وَلَتَرِدَنَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِما تَحَمَّلْتَ مِنْ سَفْكِ دِماءِ ذُرّيَّتِهِ، وَانْتِهاكِ حُرْمَتِهِ في لُحْمَتِهِ وَعِتْرَتِهِ، وَلَيُخاصِمَنَّكَ حَيْثُ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى شَمْلَهُمْ، وَيَلُمُّ شَعَثَهُمْ، وَيَأْخُذُ لَهُمْ بِحَقّهِمْ (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَل‌ْأَحْياءٌ عِنْدَرَبّهِمْ يُرْزَقُونَ) (20)"(21).

 وهذا الدُّعاء يُفهم بوصفه تحويلًا للحدث من دائرة الفعل البشري المحدود إلى دائرة القضاء الإلهي المطلق، حيث يُستعاد الحق ضمن منظومة عدل لا تخضع للهوى، ولا تتأثَّر بسطوة السُّلطة. إنَّها لحظة إعادة تسليم الملف بأكمله إلى الله (تعالى) بعد أن تمَّ كشف أبعاده العقائديَّة والتَّاريخيَّة أمام النَّاس.

 إنَّ هذا الانتقال من الخطاب إلى الدُّعاء يكشف أنَّ المشروع الزَّينبي يعتمد على وعي عميق بأنَّ العدالة الحقيقيَّة لا تُستوفى بالكامل ضمن حدود الواقع السِّياسي، وتحتاج إلى أفق إلهي أوسع يضمن تحققها الكامل، ولو بعد حين.

 ثم تختم (عليها السلام) خطابها بقولها: "وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" (22).

 وهذه الخاتمة تمثِّل قمَّة الطَّمأنينة؛ إذ تتحوَّل فيها حالة الألم والتَّحدي إلى حالة سكينة قائمة على اليقين بالله (تعالى)، لا على تحقُّق النَّتائج الماديَّة المباشرة. فالمعيار هنا الاطمئنان القلبي الذي يمنحه الإيمان بكون الله (تعالى) هو الكافي والكفيل بإحقاق الحقِّ. كما تعكس رؤية قرآنيَّة عميقة لمعنى التَّوكل، كما في قول الله (تعالى): (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (23)؛ حيث يتحوَّل الاعتماد على الله (سبحانه) إلى مصدر قوَّة تتجاوز كلَّ القهر الخارجي.

 كما ينسجم هذا المعنى مع سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين جسَّدوا في مسيرتهم أنَّ التَّسليم لله (تعالى) لا يعني الانسحاب من مواجهة الظُّلم، ويعني تثبيت الموقف مع ترك نتائج النِّهاية لإرادة الله (تعالى).

 وبذلك تُغلق السيِّدة زينب (عليها السلام) خطبتها عند نقطة توازن دقيقة بين أعلى درجات المواجهة وأعمق درجات الطَّمأنينة، لتعلن أنَّ القضية قضية مستمرة تُدار ضمن نظام إلهي يضمن للحقِّ بقاءه، ويجعل من التَّوكل عليه خاتمة الوعي الإنساني في مواجهة الظُّلم.

 إنَّ خطبة السيِّدة زينب (عليها السلام) في مجلس يزيد تمثِّل واحدةً من أعظم المحطَّات الفكريَّة والإنسانيَّة في التَّاريخ الإسلامي؛ فهي حدثٌ حضاري أعاد صياغة مفهوم القوَّة، وكشف الفارق الجوهري بين السُّلطة والشَّرعيَّة، وبين الغلبة والحقِّ. ولقد أحدثت هذه الخطبة هزَّةً أخلاقيَّة ومعرفيَّة عميقة، غيَّرت موقع الإنسان أمام السُّلطة، وأثبتت أنَّ الحقيقة قادرة على الوقوف بثبات في وجه كلِّ أدوات القهر والطُّغيان.

 لقد وقفت السيِّدة زينب (عليها السلام) في قلب مجلس أراد له يزيد أن يكون إعلانًا نهائيًّا لانتصار القوَّة؛ لتعلن أنَّ هذا النَّوع من "الانتصار" لا يملك أيَّ قيمة معياريَّة ما لم يرتبط بالعدل والحقِّ. فالقوَّة المجرَّدة من العدالة لا تُنتج شرعيَّة، وتُنتج انكشافًا تاريخيًا دائمًا، يجعل من صاحبها موضوعًا للحكم الأخلاقي المستمر عبر الزَّمن. ومن هنا يصبح الدَّم الذي سُفك في كربلاء نقطة انطلاق لولادة وعي جديد يرى في الشَّهادة امتدادًا للنُّور الإلهي، لا انطفاءً للحياة.

 لقد تحوَّل مجلس يزيد، في ضوء هذا الخطاب، من منصة يُراد لها تثبيت الانتصار السِّياسي، إلى لحظة انكشاف شامل لمفهوم السُّلطة حين ينفصل عن القيم الإلهيَّة. وفي المقابل، تحوَّلت كربلاء من واقعة قتل إلى مشروع خلود؛ لأنَّ المعيار هو بقاء المعنى واستمراريَّة الرِّسالة في الضَّمير.

 وهكذا يمكن القول: إنَّ السيِّدة زينب (عليها السلام) جعلت من كربلاء نقطة بداية لمسار لا ينقطع من الوعي والاحتجاج على كلِّ أشكال الظُّلم. فالخطبة تأسيس لمعادلة كونيَّة مفادها: أنَّ السُّلطة إذا فقدت العدل سقطت قيمتها، وأنَّ الحقَّ إذا اقترن بالتَّضحية تحوَّل إلى قوَّة لا يمكن إطفاؤها.

 وبذلك، غدا مجلس يزيد محطَّة انطلاق لامتداد كربلاء في التَّاريخ، وتحوَّلت السَّيدة زينب (عليها السلام) إلى صوتٍ رساليٍّ عابرٍ للزَّمن، يتردَّد حضوره كلَّما أُعيد رسم الحدود بين الظُّلم والعدالة. فهو صوتٌ يستمدُّ خلوده من اتِّصاله بمنظومة القيم الإلهيَّة المرتبطة بالوحي، لذلك بقي حيًّا في وجدان الإنسانيَّة، يرافق كلَّ إنسانٍ يسعى إلى الحقِّ، ويحمل تطلُّعًا إلى الكرامة والحرية.

................................................

الهوامش:

1. اللهوف في قتلى الطفوف: ص105.

2. سورة آل عمران/ الآية: 141.

3. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص319.

4. سورة الروم/ الآية: 10.

5. سورة فاطر/ الآية: 43.

6. اللهوف في قتلى الطفوف: ص106.

7. الكافي (دار الحديث): ج7، ص54.

8. سورة الحديد/ الآية: 10.

9. سورة التوبة/ الآية: 100.

10. سورة البقرة/ الآية: 124.

11. نهج البلاغة (تحقيق: صبحي الصالح): ص386.

12. شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد: ج3، ص76

13. اللهوف في قتلى الطفوف: ص106.

14. سورة البقرة/ الآيات: 155-157.

15. الشنار: العيب والعار. ورجل شرير شنير، إذا كان كثير الشَّر والعيوب. العين: ج6، ص251.

16. مقتل الحسين (عليه السلام) (الخوارزمي): ج2، ص73.

17. سورة البقرة/ الآية: 249.

18. مقتل الحسين (عليه السلام) (الخوارزمي): ج2، ص73.

19. سورة الأنفال/ الآية: 7.

20. سورة آل عمران/ الآية: 169.

21. مقتل الحسين (عليه السلام) (الخوارزمي): ج2، ص73.

22. م. ن.

23. سورة الطلاق/ الآية: 3.

اضف تعليق