طاقة الحظائر

هل يصنع العراق الضوء من الأصول المهملة في قاع الريف؟

إن استثمار ثروة العراق الحيوانية في معامل تدوير وطنية حديثة يفتح مساراً يكسر جزءاً من الهيمنة الخارجية على ملف الطاقة؛ لأنها تعتمد على مورد محلي متجدد لا تستطيع العقوبات أو القيود المصرفية مصادرته أو التحكم به. المورد موجود داخل البلد، والتقنية قابلة للتوطين، والحاجة الشعبية ملحة...

لم تعد طاقة الحظائر فكرة هامشية أو مادة للسخرية في عالم يبحث بجدية عن حلول واقعية لأزمات الطاقة المتفاقمة، بل يمكن أن تتحول في العراق إلى مدخل عملي وتطبيقي لكسر أزمة الكهرباء المزمنة. فالكهرباء في بلد تلامس فيه درجات الحرارة حاجز الخمسين مئوية ليست مجرد رفاهية تكييف أو إنارة عابرة، بل هي شريان حياة حقيقي للمستشفيات، ومحرك أساسي للجامعات، ونافذة تطل منها الأجيال الجديدة على العالم. إن انقطاع التيار الكهربائي في العراق لا يعني تعطل خدمة عامة فحسب، بل يعني إضعاف حركة الاقتصاد الوطني، وإرباك العملية التعليمية، وتهديد الصحة العامة، وتعميق شعور المواطن بأن المستقبل نفسه يتعرض للبتر؛ ولذلك لا يمكن التعامل مع هذا الملف بوصفه قضية تقنية ضيقة، بل يجب النظر إليه كقضية سيادة وتنمية وأمن اجتماعي شامل.

ورغم مليارات الدولارات التي تبخرت في أروقة ملف الكهرباء على مدى العقود الماضية، ما زال العراقيون يكتوون بنيران أزمة تتجدد بقسوة مع كل صيف. وقد تشابكت في هذه المعضلة خيوط السياسة الداخلية، والضغوط الإقليمية والدولية، والقيود المصرفية العالمية، جنباً إلى جنب مع سوء الإدارة، والفساد المستشري، وضعف التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. وفي بعض اللحظات الحرجة، تبدو أحلام بلد كامل معلقة بكبسة زر في أروقة البنوك الغربية أو المؤسسات المالية الدولية، فضلاً عما عانته البنية التحتية المدنية في مراحل سابقة كضحية مباشرة للحروب والتدمير، ليبقى المواطن العراقي وحده من يدفع الثمن من راحته وصحته ومستقبل أبنائه.

السرجين كأصل اقتصادي متجدد

في الوقت الذي تغرق فيه البلاد بالوعود السياسية والشعارات الأيديولوجية الفارغة التي لم تطبخ عشاءً ولم تبرد صيفاً، تتجه شعوب أخرى إلى حلول بسيطة تولد من رحم الأرض لتحولها إلى ثورة تكنولوجية؛ فالسرجين أو روث الحيوانات الذي نُظر إليه طويلاً كنفايات، أصبح اليوم أصلاً اقتصادياً يولد الكهرباء والغاز والأسمدة العضوية.

تجارب عالمية ملهمة وميزات تنافسية مهدورة

وقدمت دول وتجارب عالمية عديدة نماذج ملهمة في استثمار المخلفات الحيوانية والعضوية؛ ففي أفريقيا، اتجهت بعض المجتمعات المحلية إلى تحويل الروث والمخلفات الزراعية إلى مصدر مباشر للطاقة، مما أسهم في تخفيف الضغط عن الشبكات التقليدية وتحسين البيئة المحلية. وفي أوروبا، تقود دول متقدمة مثل فنلندا مبادرات ذكية لتحويل روث الخيول والأبقار إلى تدفئة مركزية وكهرباء نظيفة، لتؤكد هذه التجارب أن الطاقة الحقيقية لا تكمن دائماً في انتظار المشاريع الكبرى أو الوعود البعيدة، بل في حسن التدبير والقدرة على تحويل ما يبدو مهماً ومهملاً إلى مورد إنتاجي ثري.

ولم تعد اقتصاديات الطاقة الحديثة تقاس بحجم الاحتياطيات التقليدية من النفط والغاز وحدها، بل بقدرة الدولة على تحويل الأصول المهملة إلى سلاسل قيمة إنتاجية؛ ومن هذا المنظور، يمتلك العراق ثروة حيوانية واسعة، ومساحات زراعية شاسعة، وبيئة ريفية خصبة يمكن أن تتحول إلى قاعدة وطنية لإنتاج الطاقة الحيوية. غير أن تجاهل هذا المورد الحيوي يعني إهدار ميزة تنافسية كبرى يمكن أن تصبح رافعة حقيقية للتنمية المستدامة وتعزيز الإيرادات غير النفطية. وبدلاً من التعامل مع الحظائر والحقول بوصفها فضاءات تقليدية معزولة عن الاقتصاد الحديث، يمكن دمجها بذكاء في منظومة إنتاج الطاقة النظيفة، لتتحول القرى والأرياف إلى وحدات إنتاجية تسهم في تعزيز الشبكة الوطنية بالكهرباء والغاز والأسمدة.

توطين التكنولوجيا وفرص العمل الريفية

إن توطين تقنيات الطاقة الحيوية في العراق من شأنه أن يحد من تعرض الاقتصاد المحلي لتقلبات أسواق الوقود والأزمات الجيوسياسية المحيطة، كما يمنح المحافظات قدرة أكبر على تحقيق الاكتفاء الذاتي الجزئي في إنتاج الطاقة، خصوصاً في المناطق الزراعية والريفية البعيدة عن مراكز المدن. ويمكن لهذا القطاع الواعد أن يخلق آلاف فرص العمل الجديدة للشباب في مجالات جمع المخلفات، وتشغيل معامل الغاز الحيوي، وصيانة المعدات، وإنتاج الأسمدة العضوية، وتطوير الصناعات الخضراء، فضلاً عن تحفيز الابتكار المحلي وتطوير البنية التحتية الريفية بما يدعم التنويع الاقتصادي على المدى البعيد.

وتكمن الميزة الأهم في طاقة الحظائر في أنها لا تنتج الكهرباء فحسب، بل تدخل في دورة إنتاجية أوسع تخدم الأمن الطاقوي والغذائي معاً؛ فبقايا معالجة المخلفات الحيوانية تُستخدم كأسمدة عضوية عالية الجودة تحسن خصوبة التربة وتقلل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية المستوردة المكلفة، مما يجعل المشروع متعدد المنافع البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

الحلول الواقعية تحت الأقدام

 بينما يتحرك العالم نحو استغلال كل غرام من النفايات لحل أزماته، تستمر في العراق الأحاديث البروتوكولية والمشاريع الاستراتيجية الكبرى التي قد تظل حبراً على ورق لسنوات طويلة؛ لذا يبدو الحل الأسرع والأكثر واقعية هو الالتفات إلى ما تحت الأقدام وإدارة الموارد المحلية بذكاء لكسر جزء من الهيمنة الخارجية على ملف الطاقة بمورد وطني لا تطاله العقوبات ولا القيود المصرفية.

خاتمة: صناعة الضوء من القاع

وفي المحصلة، لا تمثل طاقة الحظائر مجرد فكرة بيئية طريفة أو مشروع خيالي، بل هي مشروع اقتصادي وتنموي متكامل قابل للتحول إلى سياسة عامة تتبناها الدولة. فإذا امتلك العراق إرادة التخطيط والتنفيذ، يمكنه أن يحول روث الحيوانات والمخلفات العضوية من عبء بيئي مهمل ومسبب للأوبئة إلى مصدر للكهرباء والغاز والأسمدة وفرص العمل. إن الشعوب الحية لا تنتظر الضوء من وعود بعيدة قد لا تأتي، بل تصنعه بأيديها من مواردها القريبة المتاحة؛ والعراق بما يملكه من ثروة حيوانية وزراعية وبشرية قادر على أن يصنع جزءاً من حل أزمته المستعصية من عمق ريفه وقاعه، بدلاً من العيش على آمال وعود لن تزيد الصيف العراقي إلا لهيباً وجفافاً.

اضف تعليق