يمثل ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية نقطة تصادم كبرى بين الإرادة السياسية للأغلبية النيابية في العراق (الإطار التنسيقي) وبين الرؤية الأمريكية لمستقبل العراق، خاصة في ظل إدارة الرئيس ترامب. وبينما يتمسك المالكي بحقه الدستوري ورفض التدخل الخارجي، تضع التهديدات الأمريكية بقطع المساعدات والعقوبات الاقتصادية العراق أمام تحديات وجودية...
يشهد المشهد السياسي في العاصمة العراقية بغداد توتراً متصاعداً وأزمة دبلوماسية تلوح في الأفق، وذلك في أعقاب إعلان تحالف "الإطار التنسيقي" – الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي – ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي للعودة إلى رأس السلطة التنفيذية، وهو القرار الذي قوبل برفض أمريكي قاطع وتهديدات مباشرة بقطع المعونات، مما وضع العراق أمام مفترق طرق خطير يجمع بين التعقيدات الداخلية والضغوط الدولية.
اندلاع الأزمة: الترشيح والرد الأمريكي المباشر
بدأت فصول الأزمة الحالية تتشكل بوضوح مع إعلان تحالف "الإطار التنسيقي"، الذي يضم أحزاباً شيعية مقربة من طهران ويمتلك الأغلبية النيابية بـ 175 مقعداً من أصل 329، يوم السبت (الموافق 24/25 يناير) عن قراره بترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء. وقد جاء هذا الإعلان بعد نقاشات وصفها التحالف بـ"المعمقة والمستفيضة"، مبرراً اختياره استناداً إلى الخبرة السياسية والإدارية التي يمتلكها المالكي ودوره السابق في إدارة الدولة، مع تأكيد التحالف على التزامه بالمسار الدستوري لتشكيل حكومة قوية قادرة على مواجهة التحديات.
لم يتأخر الرد الدولي على هذه الخطوة؛ حيث دخلت الولايات المتحدة الأمريكية على الخط بشكل مباشر وحاد. ففي يوم الثلاثاء 27 يناير، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراً شديد اللهجة عبر منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشال". وصف ترامب احتمالية عودة المالكي للسلطة بأنها "خطأ فادح" قد يرتكبه "العراق العظيم". ولم يكتفِ الرئيس الأمريكي بالتحذير السياسي، بل لوح بعصا العقوبات الاقتصادية وقطع الدعم، مصرحاً بشكل لا يقبل التأويل بأنه "إذا تم انتخاب المالكي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقدم مستقبلاً أي مساعدة للعراق"، مضيفاً أن العراق بدون المساعدة الأمريكية لن يمتلك أي فرصة للنجاح.
وقد استند ترامب في هجومه إلى تقييمه لفترة حكم المالكي السابقة، مشيراً إلى أنه في عهده "انزلقت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة"، وواصفاً سياسات المالكي وأيديولوجياته بـ "المجنونة"، مشدداً على ضرورة عدم تكرار تلك التجربة. وتعد تصريحات ترامب هذه أوضح مثال حتى الآن على حملته الهادفة للحد من نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران في العراق، الذي لطالما سعى للحفاظ على توازن دقيق في علاقاته بين واشنطن وطهران.
الموقف العراقي: رفض الوصاية والتمسك بالسيادة
في المقابل، جاء الرد من بغداد سريعاً وحازماً. ففي يوم الأربعاء 28 يناير، نشر نوري المالكي تدوينة على منصة "إكس" عبر فيها عن رفضه القاطع لما وصفه بـ"التدخل الأمريكي السافر" في الشؤون الداخلية للعراق. واعتبر المالكي أن تصريحات ترامب والتهديدات الأمريكية تعد انتهاكاً لسيادة البلاد، ومخالفة للنظام الديمقراطي الذي تأسس في العراق بعد عام 2003، وتعدياً صريحاً على قرار "الإطار التنسيقي" صاحب الحق الدستوري في الترشيح.
وأكد المالكي في رده أن "لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء إلى لغة الإملاءات والتهديد"، معلناً تصميمه على المضي قدماً في مشروعه السياسي بالقول: "سوف أستمر بالعمل حتى نبلغ النهاية وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي".
وعلى الصعيد الداخلي للتحالف الداعم له، أفادت مصادر سياسية عراقية بوجود حراك مكثف داخل "الإطار التنسيقي" لبحث تداعيات الموقف الأمريكي. ورغم إشارة بعض المصادر إلى وجود انقسام سابق داخل الإطار حول ترشيح المالكي، إلا أن القرار النهائي تم بتصويت الأغلبية، وأكدت المصادر أن المقربين من المالكي مصممون على "عدم التراجع" أمام منشور ترامب. وأشار مصدر سياسي إلى أن الإطار كان قد مضى في خياره رغم وصول إشارات سلبية مسبقة من واشنطن، مستنداً إلى اعتقاد بأن المالكي قادر بخبرته على جلب موافقة وقبول أمريكي، وهو الرهان الذي اصطدم بحدة التصريحات الأمريكية الأخيرة.
السياق الدبلوماسي الأوسع: رسائل التحذير والتلويح بالعقوبات
لا يبدو أن موقف ترامب كان مفاجئاً تماماً في الأروقة الدبلوماسية؛ فقد سبقه تمهيد عبر قنوات رسمية وغير رسمية. فقبل أيام من تصريحات ترامب، أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مكالمة هاتفية مع رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، حذر فيها بوضوح من تشكيل حكومة موالية لإيران في المرحلة المقبلة. كما نقلت مصادر سياسية أن واشنطن أوصلت رسالة إلى بغداد مفادها أنها تنظر إلى حقبة المالكي السابقة "بصورة سلبية".
وتصاعدت الضغوط لتشمل تهديدات نقلتها أربعة مصادر مطلعة، تفيد بأن الولايات المتحدة هددت سياسيين عراقيين كباراً بفرض عقوبات تستهدف الدولة العراقية نفسها، بما في ذلك احتمال استهداف عائدات النفط - شريان الحياة للاقتصاد العراقي - في حال ضمت الحكومة المقبلة جماعات مسلحة مدعومة من إيران. وتأتي هذه المطالب الأمريكية بالتزامن مع دعوات واشنطن للحكومة العراقية باستبعاد ستة فصائل تصنفها "إرهابية" والعمل على تفكيكها، وهو مطلب يواجه تعقيدات كبيرة نظراً للنفوذ السياسي والمالي المتنامي لهذه الفصائل التي يمتلك عدد منها تمثيلاً رسمياً في البرلمان.
الانسداد الدستوري: تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية
تتزامن هذه العاصفة السياسية حول منصب رئيس الوزراء مع تعثر في استكمال الاستحقاقات الدستورية الأخرى. فقد أرجأ البرلمان العراقي جلسته التي كانت مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية (يوم الثلاثاء) إلى أجل غير محدد. وجاء التأجيل بناءً على طلب من الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لمنح المزيد من الوقت للمفاوضات والتوصل إلى مرشح توافقي.
ووفقاً للعرف السياسي السائد في العراق منذ عام 2005 (نظام المحاصصة)، يتولى الأكراد رئاسة الجمهورية، والشيعة رئاسة الوزراء، والسنة رئاسة البرلمان. وتاريخياً، كان منصب رئيس الجمهورية من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني، بينما يتولى الحزب الديمقراطي الكردستاني رئاسة إقليم كردستان. إلا أن الخلاف الحالي يدور بين مرشح الحزب الديمقراطي "فؤاد حسين" (وزير الخارجية، 76 عاماً) ومرشح الاتحاد الوطني "نزار آميدي" (وزير البيئة السابق، 57 عاماً).
ويكتسب منصب رئيس الجمهورية أهمية إجرائية قصوى في هذه الأزمة، حيث ينص الدستور على أن الرئيس المنتخب يتوجب عليه خلال 15 يوماً من انتخابه تكليف مرشح "الكتلة النيابية الأكبر عدداً" (وهو حالياً نوري المالكي مرشح الإطار) بتشكيل الحكومة، ليكون أمام الأخير مهلة 30 يوماً لإنجاز المهمة. وبالتالي، فإن تأخير انتخاب الرئيس يعطل دستورياً عملية تكليف المالكي رسمياً.
نوري المالكي: تاريخ من السلطة والجدل
لفهم أبعاد الرفض الأمريكي والتمسك الإطاري، لا بد من العودة إلى السيرة السياسية لنوري المالكي (75 عاماً)، الذي يوصف بأنه "صانع الملوك" واللاعب الذي لم يغب عن المشهد رغم خروجه من السلطة. ولد المالكي عام 1950 في طويريج بمحافظة كربلاء لعائلة سياسية، وانخرط في حزب الدعوة الإسلامية المعارض، مما عرضه لحكم بالإعدام في عهد صدام حسين، ليعيش في المنفى (بين سوريا وإيران) لنحو ربع قرن، قبل أن يعود بعد الغزو الأمريكي عام 2003.
تدرج المالكي في المناصب بعد 2003، بدءاً من عمله في "هيئة اجتثاث البعث"، وصولاً إلى اختياره رئيساً للوزراء عام 2006 كمرشح توافقي في فترة اشتعال العنف الطائفي. خلال ولايته الأولى، تمكن من بسط نفوذه، وقاد في عام 2008 حملة عسكرية (صولة الفرسان) بدعم أمريكي ضد المجموعات الشيعية المسلحة، مما أكسبه حينها سمعة الزعيم الوطني القادر على فرض الأمن.
إلا أن ولايته الثانية (2010-2014) شهدت تحولات جذرية وتوترات متصاعدة. فمع انسحاب القوات الأمريكية نهاية 2011، واجه المالكي اتهامات متزايدة من خصومه السنة والأكراد، وحتى من واشنطن، باحتكار السلطة، وتأجيج الطائفية، وتسييس القضاء والأجهزة الأمنية. واستذكرت تقارير أمريكية مسربة (مذكرة ستيفن هادلي للرئيس بوش) مخاوف مبكرة بشأن نواياه رغم كلماته المطمئنة. وتفاقمت الأمور بمحاولته اعتقال نائب الرئيس السني، وما تلا ذلك من تدهور أمني وسياسي وخدمي، توج بسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" على ثلث مساحة العراق، بما في ذلك الموصل، وانهيار قطاعات واسعة من الجيش في عام 2014.
أدت تلك الكارثة الأمنية إلى ضغوط داخلية (من المرجعية الدينية والقوى السياسية) وخارجية (من الولايات المتحدة وإيران) أجبرته على التنحي لصالح حيدر العبادي. ورغم دعوات لجنة برلمانية في 2015 لمحاكمته كمسؤول عن سقوط الموصل، إلا أن المالكي حافظ على موقعه كلاعب أساسي، مستفيداً من قيادته لـ"ائتلاف دولة القانون" وعلاقاته العميقة مع "الدولة العميقة" والفصائل المسلحة.
الوضع الراهن: عودة في توقيت إقليمي معقد
تأتي محاولة عودة المالكي إلى الرئاسة اليوم في سياق إقليمي شديد الحساسية، يتسم بتراجع نسبي لنفوذ طهران وحلفائها في المنطقة بعد حرب غزة، وتلويح واشنطن المتكرر بضربات ضد إيران على خلفية ملفاتها الداخلية والإقليمية. ويحاول المالكي، الذي يصف نفسه بأنه غير طائفي ومحارب للإرهاب (مستشهداً بقتاله للقاعدة والميليشيات في آن واحد)، أن يسوق نفسه كشخصية قوية ("رجل دولة") قادرة على ضبط الإيقاع في بلد بدأ يتعافى تدريجياً.
في المحصلة، يجد العراق نفسه اليوم أمام مشهد معقد: كتلة برلمانية أكبر تمارس حقها الدستوري بترشيح زعيم سياسي مخضرم ومثير للجدل، ورئيس أمريكي يلوح بعزل العراق اقتصادياً ودولياً في حال مضى هذا الترشيح قدماً، وبرلمان منقسم لم يحسم بعد انتخاب رئيس الجمهورية الذي يعد بوابة العبور نحو تشكيل الحكومة. وبينما يؤكد المالكي وحلفاؤه على "عدم التراجع" ورفض "الإملاءات"، تظل التحذيرات من "الفقر والفوضى" التي أطلقها ترامب تخيم على المشهد، ليبقى الترقب سيد الموقف لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من مفاوضات داخلية أو تسويات (أو تصعيد) خارجي.
وأخيرا يمثل ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية نقطة تصادم كبرى بين الإرادة السياسية للأغلبية النيابية في العراق ("الإطار التنسيقي") وبين الرؤية الأمريكية لمستقبل العراق، خاصة في ظل إدارة الرئيس ترامب. وبينما يتمسك المالكي بحقه الدستوري ورفض التدخل الخارجي، تضع التهديدات الأمريكية بقطع المساعدات والعقوبات الاقتصادية العراق أمام تحديات وجودية، لا سيما في ظل اعتماده الاقتصادي على النفط والدعم الدولي. يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بانتظار ما ستسفر عنه التفاهمات الكردية حول رئاسة الجمهورية، ومدى تماسك "الإطار التنسيقي" أمام الضغوط الخارجية المتصاعدة.



اضف تعليق