إنَّ الخطرَ الحقيقيَّ في أوقاتِ الأزماتِ لا يكمنُ دائماً في نقصِ الغذاءِ، بل في سلوكِ الشراءِ بدافعِ الذعرِ الذي يخلقُ أزمةً مفتعلةً ويمنحُ فرصةً للاحتكارِ. إنَّ الهدوءَ المجتمعيَّ والشفافيةَ الحكوميةَ هما الركيزتانِ الأساسيتانِ لحمايةِ الأمنِ الغذائيِّ، وتحويلِ القلقِ الشعبيِّ إلى وعيٍ استراتيجيٍّ يضمنُ استقرارَ السوقِ للجميعِ...

مع تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات اتساع رقعة الصراع، يتزايد الحديث في الأوساط المجتمعية عن ضرورة توفير الأمن الغذائي، خاصة مع الارتفاع الملحوظ في أسعار بعض السلع الأساسية، غير أن التجارب العالمية تثبت أن الخطر الحقيقي لا يكمن دائماً في نقص الغذاء بقدر ما يكمن في الذعر الجماعي وسوء إدارة السوق.

الأمن الغذائي في زمن الحرب يعني قدرة الدولة والمجتمع على ضمان توفر الغذاء بشكل مستمر، سواء عبر الإنتاج المحلي أو المخزون الاستراتيجي أو الاستيراد المنظم، وقد أثبتت تجارب عديدة في دول مختلفة أن التخطيط المسبق هو العامل الحاسم في تجاوز الأزمات الغذائية، وليس ردود الأفعال المتسرعة.

بينما في الحالة العراقية الأمر يختلف قليلاً؛ ذلك أن العراق يمتلك عدة عناصر يمكن أن تشكل خط دفاع مهماً في مواجهة أي اضطراب محتمل في الإمدادات الغذائية، فهو يمتلك مخزوناً استراتيجياً من الحبوب والمواد الأساسية تديره مؤسسات الدولة، كما أن وجود شبكة توزيع غذائي وإن كانت غير واسعة عبر وزارة التجارة العراقية من خلال نظام البطاقة التموينية، إلا أنها توفر قسطاً معيناً لتأمين الحد الأدنى من الغذاء للمواطنين في الظروف الاستثنائية.

إلى جانب ذلك فإن الإنتاج الزراعي المحلي، خصوصاً في محاصيل مثل القمح والشعير والخضروات الموسمية أخذ يتزايد في السنوات الأخيرة، ما يجعله يشكل عنصراً مهماً في تقليل الاعتماد الكامل على الاستيراد.

لكن رغم هذه المقومات، فإن الأسواق العراقية غالباً ما تتأثر بعامل نفسي قوي، يتمثل في اندفاع المواطنين نحو شراء كميات كبيرة من السلع خوفاً من انقطاعها، وهذه الظاهرة، التي تُعرف في الاقتصاد بسلوك الشراء بدافع الذعر، تؤدي إلى نتائج عكسية. فعندما يتجه عدد كبير من الناس إلى الأسواق في وقت واحد لتخزين المواد الغذائية، يحدث ضغط مفاجئ على العرض، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى لو كانت الكميات المتوفرة في الأصل كافية.

وهنا يجد بعض التجار فرصة لاستغلال الوضع، عبر رفع الأسعار أو احتكار السلع لتحقيق أرباح سريعة، وهكذا يتحول القلق الشعبي إلى عامل يساهم في خلق الأزمة بدلاً من تجنبها، وهنا يطرح التساؤل الآتي: على من تقع مسؤولية إدارة هذه الأزمة؟

إدارة الأمن الغذائي في أوقات التوتر تتطلب شراكة بين الدولة والمجتمع، فعلى المؤسسات الحكومية أن تعلن بوضوح عن حجم المخزون الاستراتيجي وخططها لتأمين الإمدادات، لأن الشفافية في مثل هذه الظروف تلعب دوراً كبيراً في تهدئة الأسواق ومنع انتشار الشائعات، كما أن الرقابة الصارمة على الأسواق ومنع الاحتكار تعد عنصراً أساسياً في حماية المستهلك.

في المقابل يقع على عاتق المواطنين دور لا يقل أهمية، فالتصرف الهادئ وعدم الانجرار وراء الشائعات أو الأخبار غير الموثوقة هو أحد أهم عوامل استقرار السوق، ويأتي من بين الإجراءات للحفاظ على الاستقرار شراء المواد الغذائية بقدر الحاجة الطبيعية للأسرة لبقاء السلع متوفرة للجميع ويمنع حدوث اختناقات في التوزيع.

لقد أثبتت أزمات عالمية عديدة، من الحروب إلى الجوائح، أن المجتمعات التي تتعامل بوعي مع الموارد الغذائية تكون أكثر قدرة على تجاوز الظروف الصعبة، ولذلك فإن الرسالة الأهم في هذه المرحلة هي أن الهدوء المجتمعي جزء من منظومة الأمن الغذائي.

نستخلص مما تقدم أن المواطن والجهات الحكومية شركاء يتحملون مسؤولية عبور الأزمة بأقل الخسائر المادية التي يتكبدها المواطن، وإذا أردنا تحقيق هذه الغاية يجب أن نبدأ بإجراءات توعوية للمجتمع نفسه، وفي بلد مثل العراق الذي مر بتجارب صعبة واستطاع تجاوزها، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الناس على التعامل مع الأزمات بعقلانية لا بذعر.

اضف تعليق