نستثمر شهر رمضان كونه ربيع القرآن، ونتدبّر بآياته، وننهل من روافده الفكرية الأخلاقية التنظيمية العذبة، ونصحح حياتنا، ونحميها من الانزلاق في طرق الضلال، وقد استحق شهر رمضان هذا التكريم العظيم لأن القرآن نزل فيه، وهذه مكانة لم يحصل عليها أي شهر آخر من شهور العام...
(في شهر رمضان تُترجَم الأفكار إلى وقائع.. وتتحوَّل الحروف الكلمة إلى حياة)
الإمام الشيرازي
يتَّصف القرآن الكريم بصفة عالمية تشمل الإنسان أينما كان، سواء في المكان أو الزمان، لأن المضامين والأفكار التي تتلألأ بين دفّتيه، هي للناس جميعا، ويمكن لأي فرد في العالم في أي مكان من هذا العالم أن يترجم النصوص القرآنية، ويستثمرها لصالحه، لأن الأفكار والنصائح التي يقدّمها، تصلحُ للجميع، ويمكنها رسم خارطة النجاح للجميع.
فإذا كان الإنسان ضحية لنفسه، وإذا كان عاجزا عن كبح شهواته، فالإنقاذ يتوفر في القرآن، وهناك علاقة وثيقة وترابط عظيم بين بين القرآن وشهر رمضان، لهذا سمّي هذا الشهر بربيع القرآن، وهذا يعني إن الناس الصائمين يمكنهم أن يعقدوا علاقة وثيقة مع كتاب الله الحكيم، ويستثمروا ما جاء في نصوصهم لإصلاح نفوسهم ومن ثم تطوير حياتهم نحو الأفضل.
وهذا السمة العظيمة للقرآن، جعلته مفتوحا للجميع بلا استثناء، وهذه السمة تنتمي بوضوح إلى الخلود، وإلى الاستقامة، وإلى سواء السبيل، وإلى الجادة الصواب، من هنا جعل الله تعالى كتابه الحكيم متاحا لكل إنسان، والجميع يمكنهم الاستعانة به كي يعثروا على طريقهم الصحيح في هذه الدنيا التي تعجّ بالدروب الصحيحة والمنحرفة.
الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي، يقول في كتابه القيِّم الموسوم بـ (شهر رمضان شهر البناء والتقدم):
(القرآن هو كتاب هداية لجميع الناس (هدىً للناس)، فهو ليس لقومٍ دون قوم، ولا لجماعة خاصة، لا لزمانٍ معين ولا لمكان محدد.. بل هو للناس أجمعين).
إن شهر رمضان هو الوقت الأنسب للإنسان كي يترجمُ فيه أفكاره ويحوّلها إلى وقائع مرئية وملموسة، فإذا كانت الأفكار المختلفة والمضامين بأنواعها المتشعبة عبارة عن صور ومعادلات تنام في رأس الإنسان، ومن ثم يسعى لتحويلها إلى حروف وكلمات، فإنها سوف تتحول إلى وقائع، وكل الحروف تتحول إلى كلمات وهذه الأخيرة التي يصنعها عقل الإنسان، سوف تتحول إلى ملموسات تولَد من العقل عبر رحم الكلمات.
في شهر رمضان تُترجَم الأفكار لوقائع
ومن هذه الكلمات سوف يتم صُنع الحياة، وكلما كانت الأفكار سليمة وتكون الكلمات متأهبة للتعبير الحقيقي السليم، سوف نحصل على الحياة التي نستحقها، ومن يعمل بذلك فهو يصبح أمة بأعماله الصالحة، لأنه سيؤثّر بالآخرين ويجعلهم مثله، وبهذا يتماثل مع ما قام به إبراهيم عليه السلام، حيث صار أمة وهو فرد.
يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:
(في شهر رمضان تُترجَم الأفكار إلى وقائع.. وتتحول الحروف إلى حركة والكلمة إلى حياة.
ويتحول الإنسان إلى أمّة كإبراهيم (عليه السلام) حيث كان أمة قانتاً لله).
لذا من الأهمية بمكان أن نستثمر شهر رمضان كونه ربيع القرآن، ونتدبّر بآياته، وننهل من روافده الفكرية الأخلاقية التنظيمية العذبة، ونصحح حياتنا، ونحميها من الانزلاق في طرق الضلال، وقد استحق شهر رمضان هذا التكريم العظيم لأن القرآن نزل فيه كاملا، وهذه مكانة لم يحصل عليها أي شهر آخر من شهور العام.
ثم تلا نزول القرآن بداية البعثة النبوية، وهذه أيضا منزلة عظيمة للقرآن، لذلك على كل إنسان أن يحسب حساب هذه المناسبات المباركة الكبرى، حتى يستفيد أقصى الاستفادة من شهر رمضان لتجويد حياته والمقربين منه، أسرته، أقاربه، أصدقائه، وبهذا يكون قد قام بما ينبغي أن يقوم به في هذا الشهر المبارك.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(شهر رمضان هو ربيع القرآن، ففيه أوّلاً نزل القرآن الكريم كاملاً ثم تنزّل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منجّماً ابتداءً من السابع والعشرين من شهر رجب في السنة الآتية؛ ومن المعلوم ان نزول القرآن كان مقترناً ببدء البعثة).
وكما هو معلوم، يوجد في القرآن برنامجَ حياة متجددة، يمكن لكل إنسان، أن يسعى إليه ويسبر أغواره، ويتوغل في معانيه، ولعلنا نتفق على أن المعاني التي تستجلي حضورها من مضامين الآيات القرآنية، يمكنها أن تصحح حياة الإنسان، بل وتجدد هذه الحياة عبر برنامج التجديد الذي تقدمه النصوص القرآنية المباركة ومعانيها وتوجيهاتها.
وطالما أن القرآن وشهر رمضان متلازمان، أو توأمان، كلاهما يتعانق مع الآخر ويتماهى فيه، فمن الأفضل لكل إنسان يهدف إلى الاستفادة من القرآن، أن يلجأ إلى شهر رمضان، ويُبحر في مسيرة عميقة مع بمعاني ومضامين وأفكار القرآن، حتى يصل إلى الهدف الذي خطّط له، ألا وهو برنامج تجديد الحياة وتغييرها والارتقاء بها أعلى فأعلى.
لهذا يقول الإمام الشيرازي:
(في القرآن الكريم يجد الإنسان برنامج التجديد الذي يبتغيه ويسعى من أجل تحققه في هذا الشهر المبارك).
مغادرة عالَم الأخطاء
وحين يتبادر إلى الأذهان ما هو هذا البرنامج الذي يتيح لكل إنسان أن يجدد حياته، فالجواب سيكون حاضرا وسريعا، إنه الهداية والقدرة المستمرة على إصلاح النفس، إذا من المحال على الإنسان أن ينجح في حياته وهو في حالة خصام مع الإصلاح، ومن دون هذا الأخير سوف تتجبَّر النفس وتتنمّر على صاحبها وتجعله اسيرا بين يدها وخادما لرغائبها.
سوف يحصل الإنسان الصائم على خارطة طريقة للإصلاح، ودستور قرآني يجعل الإنسان يسير في الطرق الصائبة والصحيحة، فيكون محميّا من الزلل ومُصانا من الخطَل، ومحصّنا من الانحراف، وهذه هي أعظم شرائط تجديد الحياة، وضمان الهداية المستدامة نحو الإصلاح، ولا ينحصر ذلك في الجوانب المادية فحسب، وإنما يتعالى ويسمو الإنسان معنويا، وهذا هو أعظم ما يقدمه التعاضد بين القرآن وشهر رمضان للإنسان.
لذا يؤكد الإمام الشيرازي على أن:
(شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن.. هو (هدىً للناس). هداية لإصلاح النفس والغير هداية معنوية ومادية، حيث تضمّن دستوراً لكل طريق صائب ولكل زاوية من زوايا الحياة).
لذلك ونحن نصل اليوم إلى الأيام العشرة الأواخر من شهر رمضان المبارك، من الأفضل والمستحسن لكل واحد منّا أن يكون من أهل شهر رمضان، ومنتمٍ له، ومستفيدا من العطايا الإلهية العظيمة التي تختصّ بهذا الشهر، وأن لا ندع مرور هذه الأيام المباركة تمرّ سريعا من دون أن نغتنمها بما يجعلنا من الفائزين بعطايا الله تعالى.
وكما هو معروف إن أعظم ما يفوز به الإنسان في هذا الشهر المبارك، هو حصوله على برنامج التجديد الإصلاحي لنفسه، فهو في شهر رمضان يحصل على فرصة الهداية والإصلاح، وعليه أن يفهم بأن هذه الفرصة من النوادر التي قلّما تتوفر للإنسان، لأن الفوز الأهم والأكبر في هذا الشهر عندما يتمكن الإنسان من الفوز على نفسه ويصلحها.
كما يقول الإمام الشيرازي:
(شهر رمضان آتٍ الينا بخيراته وعطاءاته ومنحه، فليفكّر كل واحد ان يكون من أهل هذا الشهر، ومن المسجلين في سجل الفائزين. والفوز الأكبر في شهر الصيام هو اصلاح النفس والغير وتطوير الحياة إلى الأفضل).
في المحصلة، سوف يمضي شهر رمضان سريعا، وما علينا سوى الاستثمار الأفضل له، فكل إنسان يحتاج إلى الهداية وإلى مغادرة عالم الأخطاء الذي يحيط به من كل حدب وصوب، فمن الحريّ به (الإنسان) أن يتخلص من عالم الأخطاء، ويدخل في عالم الصواب، وشهر رمضان سوف يمنحه هذه القدرة، وسوف يعود مجددا ويمنح كل الناس عطاياه الإلهية التي لا تنضب.



اضف تعليق