إذا كان المجتمع قد قرر أن الطفل يحتاج إلى سنوات قبل أن يقود سيارة أو يشتري منتجات معينة أو يتخذ قرارات قانونية كاملة، فهل ينبغي أن تكون هناك أيضاً سن يستطيع عندها فقط الدخول منفرداً إلى منظومة رقمية تعرف عنه، خلال دقائق، ما الذي يجعله يضحك ويغضب ويخاف...

بعد سنوات بدا خلالها الهاتف الذكي وكأنه أصبح امتداداً طبيعياً ليد الطفل، ومنصات التواصل جزءاً لا ينفصل عن تفاصيل المراهقة والحياة اليومية، بدأت حكومات كبرى تعيد النظر في واحدة من أكثر المسلمات الرقمية رسوخاً خلال العقدين الماضيين: هل ينبغي أن يكون دخول الأطفال إلى شبكات التواصل حقاً متاحاً بمجرد امتلاك هاتف واتصال بالإنترنت، أم أن هذه المنصات أصبحت بيئة شديدة التعقيد والخطورة بحيث تستدعي وضع بوابة عمرية تفصل الطفولة عن عالم الخوارزميات؟

هذا السؤال انتقل في بريطانيا من النقاش الاجتماعي إلى السياسة العامة، بعدما أعلنت الحكومة أنها ستمنع شركات التواصل الاجتماعي من تقديم خدماتها لمن تقل أعمارهم عن 16 عاماً، ضمن حزمة أوسع من القيود الرقمية المتوقع أن يبدأ تطبيقها في ربيع عام 2027، إذا اكتملت الإجراءات التشريعية والتنظيمية المقررة، في خطوة تضع لندن إلى جانب عدد متزايد من الحكومات التي لم تعد ترى أن أدوات الرقابة الأبوية والتحذيرات العامة كافية لمواجهة المخاطر التي يواجهها الأطفال على الإنترنت.

الخطة البريطانية لا تعني إبعاد الأطفال عن الإنترنت بصورة كاملة، ولا إغلاق أبواب التعليم والألعاب والأخبار وخدمات التواصل المباشر مع العائلة والأصدقاء، وإنما تستهدف بصورة أساسية المنصات التي تقوم على نشر المحتوى والتفاعل الاجتماعي والخلاصات التي تديرها الخوارزميات، وهو تعريف سيشمل، بحسب الحكومة، منصات مثل تيك توك ويوتيوب وإنستغرام وفيسبوك وسناب شات وإكس، بينما لا تعتزم السلطات إدراج خدمات المراسلة مثل واتساب وسيغنال ضمن الحظر.

وفي الوقت نفسه، تريد لندن الذهاب إلى أبعد من مجرد تحديد عمر لفتح حساب؛ إذ تخطط لفرض قيود على خصائص تعتبرها أكثر خطراً بالنسبة للأطفال، من بينها البث المباشر وإمكانية تواصل الغرباء معهم، بما في ذلك بعض خدمات الألعاب، كما أعلنت في يوليو إجراءات إضافية تجعل القيود الليلية بين منتصف الليل والسادسة صباحاً مفعلة بصورة افتراضية لمن تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً، إلى جانب تعطيل بعض الخصائص التي تشجع على الاستمرار في التصفح، مثل تشغيل المقاطع المتتالية تلقائياً والخلاصات التي تقدم المحتوى بصورة لا نهائية.

وبذلك تحاول بريطانيا معالجة ما تعتبره تحولاً في طبيعة المشكلة نفسها؛ فالمخاوف لم تعد محصورة في وصول طفل إلى صورة عنيفة أو مادة إباحية أو تعرضه للتنمر، بل باتت تشمل الطريقة التي تُصمم بها المنصة لكي تستحوذ على انتباه المستخدم، إذ ترى الحكومة أن الخلاصات التي تتحكم بها الخوارزميات والمحتوى المتجدد باستمرار قد يزيدان تعرض الأطفال لمواد ضارة أو شديدة الجذب، وهي زاوية تنقل النقاش من سؤال «ماذا يشاهد الطفل؟» إلى سؤال أعمق هو «من يتحكم في وقت الطفل وانتباهه؟».

أستراليا.. المختبر الأول

القرار البريطاني لم يأت من فراغ، فالحكومة تقول صراحة إنها تدرس النموذج الأسترالي وتريد الاستفادة من دروسه، بعدما أصبحت أستراليا في ديسمبر 2025 أول دولة تفرض حظراً وطنياً على حسابات التواصل الاجتماعي لمن تقل أعمارهم عن 16 عاماً، في تجربة تحولت سريعاً إلى مختبر عالمي تتابعه الحكومات وشركات التكنولوجيا والباحثون على حد سواء.

لكن الأشهر الأولى من التجربة الأسترالية كشفت أن إصدار القانون ربما يكون الجزء الأسهل، وأن إخراج الأطفال فعلياً من فضاء رقمي أصبح جزءاً من حياتهم اليومية أكثر تعقيداً بكثير؛ فقد أظهرت بيانات ودراسات مبكرة أن أكثر من ثمانية من كل عشرة أطفال دون السادسة عشرة ظلوا يستخدمون منصات التواصل خلال الأشهر الأولى من الحظر، وهو ما أثار أسئلة بشأن قدرة تقنيات التحقق من العمر على تحديد المستخدمين القاصرين، وبشأن سهولة العودة بحسابات جديدة أو استخدام المنصات من دون حسابات مسجلة.

شركات التكنولوجيا نفسها دعت السلطات الأسترالية إلى عدم إصدار حكم مبكر على التجربة، وقال ممثلو غوغل وميتا وتيك توك وسناب أمام تحقيق برلماني إن البيانات المتاحة ما زالت أولية وإن تقنيات تقدير العمر عند حاجز السادسة عشرة لا تزال في مرحلة تطور، لكن هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية ردت بأن التنفيذ يحتاج إلى وقت وأن التشدد الرقابي يمكن أن يدفع الشركات والمستخدمين إلى تغيير السلوك تدريجياً.

وفي المقابل، تظهر الأرقام أن الحظر ليس مجرد نص بلا أثر؛ فقد أعلنت ميتا أنها عطلت أكثر من 756 ألف حساب على إنستغرام وفيسبوك اشتبهت في أنها تعود لأستراليين دون السادسة عشرة بين أواخر 2025 ويونيو 2026، في حين قالت غوغل إنها منعت نحو 740 ألفاً من أصحاب الحسابات من استخدام يوتيوب، بينما قالت تيك توك إنها حذفت 550 ألف حساب عند بدء تطبيق القانون وواصلت إزالة نحو 24 ألف حساب شهرياً بعد ذلك.

وهنا تظهر المفارقة التي ستواجهها بريطانيا أيضاً: تستطيع الدولة أن تفرض على الشركات إغلاق مئات الآلاف من الحسابات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن مئات الآلاف من الأطفال قد توقفوا عن استخدام المنصة نفسها، وهو فارق جوهري بين قياس الامتثال القانوني وقياس التأثير الحقيقي على سلوك الأطفال.

فرنسا.. عندما اصطدمت الحماية بالحرية

إذا قدمت أستراليا اختباراً لفاعلية التنفيذ، فإن فرنسا قدمت خلال أسابيع قليلة اختباراً آخر للحدود القانونية التي يمكن للحكومات الوصول إليها باسم حماية الأطفال.

ففي 21 يوليو 2026 وافق البرلمان الفرنسي على تشريع يمنع من هم دون الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي ويلزم المنصات بأنظمة للتحقق من العمر وإغلاق الحسابات القائمة للأطفال المشمولين بالحظر، لتصبح فرنسا آنذاك في مقدمة الدول الأوروبية الساعية إلى تبني قيود عمرية واسعة.

لكن المشهد تغير في 14 أغسطس، عندما أوقف المجلس الدستوري الفرنسي التشريع معتبراً أن بعض أحكامه تقيد حرية التعبير والتواصل بصورة غير متناسبة، وأن نظام التحقق من العمر المقترح لا يوفر ضمانات قانونية كافية لحماية الخصوصية، ما شكل انتكاسة للرئيس إيمانويل ماكرون الذي طلب من الحكومة إعادة صياغة التشريع بطريقة تتفق مع الضمانات الدستورية والأوروبية.

القرار الفرنسي كشف عن معضلة لا تقل أهمية عن قضية سلامة الأطفال نفسها، لأن التأكد من أن المستخدم يبلغ 16 عاماً قد يتطلب، في بعض النماذج، التحقق من أعمار ملايين البالغين أيضاً، وهو ما يثير تساؤلات حول مقدار البيانات التي ينبغي أن يقدمها المواطن لكي يثبت أنه بالغ، ومن يحتفظ بتلك البيانات، وكيف يمكن منع تحويل حماية الأطفال إلى نظام تحقق واسع يطال المجتمع كله.

وبهذا انتقلت المعركة من الاختيار البسيط بين «حظر» و«عدم حظر» إلى معادلة أكثر صعوبة، تجمع بين حماية القاصر وخصوصية المستخدم وحرية التعبير وحق الأسرة في اتخاذ القرار، وتطرح سؤالاً سيبقى حاضراً أمام أي دولة تفكر في تقليد النموذج الأسترالي أو البريطاني: كيف يمكن منع طفل في الثالثة عشرة من إنشاء حساب من دون تحويل كل شخص بالغ إلى مستخدم مطالب بإثبات هويته أو عمره؟

من تنظيم المحتوى إلى تنظيم التصميم

الموجة التشريعية لا تقتصر على لندن وباريس وكانبيرا، إذ تتحرك دول أوروبية وآسيوية عدة نحو رفع الحدود العمرية أو فرض موافقة الوالدين أو تشديد التحقق من العمر، بينما زاد الاتحاد الأوروبي تركيزه على الخصائص التي يصفها مسؤولون بأنها مصممة لخلق استخدام قهري أو مطول، في تحول يشير إلى أن الخلاف المقبل مع شركات التكنولوجيا قد يدور حول تصميم المنصات بقدر ما يدور حول المحتوى المنشور عليها.

ولسنوات طويلة، قامت فلسفة تنظيم الإنترنت في جزء كبير منها على إزالة المحتوى غير القانوني أو تقييد وصول القاصرين إلى المواد الجنسية والعنيفة، لكن التدخلات الجديدة تذهب أبعد من ذلك، لأن الحكومات باتت تنظر أيضاً إلى التمرير غير المنتهي والتشغيل التلقائي والتنبيهات المتكررة والخلاصات شديدة التخصيص بوصفها عناصر يمكن أن تؤثر في مقدار الوقت الذي يقضيه الطفل داخل التطبيق.

وهذه النقلة مهمة لأنها تمس النموذج الاقتصادي للمنصات نفسها؛ فكلما بقي المستخدم مدة أطول، ازدادت فرص عرض المحتوى والإعلانات وجمع المعلومات بشأن اهتماماته، ولذلك فإن تقليص قدرة المنصة على الاحتفاظ بانتباه الطفل لا يعني فقط حماية مستخدم صغير السن، وإنما يمكن أن يصل في نهاية المطاف إلى إعادة النظر في العلاقة الاقتصادية بين شركات التكنولوجيا ومستخدميها الأصغر سناً.

وماذا عن الأطفال دون الخامسة؟

في خضم الجدل حول المراهق الذي يبلغ الثالثة عشرة أو الخامسة عشرة، يظهر سؤال أكثر حساسية: إذا كانت الحكومات ترى أن المراهق يحتاج إلى حماية قانونية من بعض خصائص المنصات، فماذا عن طفل لم يدخل المدرسة بعد ويقضي ساعات أمام الهاتف أو الجهاز اللوحي؟

هنا يجب التمييز علمياً بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وبين استخدام التكنولوجيا أو الشاشات بصورة عامة، لأن الأطفال دون الخامسة لا يمثلون في الأصل الفئة الأساسية المستهدفة بقوانين شبكات التواصل، لكن تعرضهم الطويل للشاشات أصبح موضوعاً منفصلاً في أبحاث نمو الطفل.

منظمة الصحة العالمية توصي بعدم تخصيص وقت للشاشات للرضع دون عام، كما لا توصي بالجلوس أمام الشاشة للأطفال في عمر عام واحد، بينما توصي بألا يتجاوز وقت الشاشة الخامل ساعة واحدة يومياً في عمر عامين، وكذلك للأطفال من الثالثة إلى الرابعة، مع تأكيدها أن الوقت الأقل أفضل وأن النشاط البدني والنوم والقراءة واللعب والتفاعل مع مقدم الرعاية يجب أن يحتل مكاناً مركزياً في السنوات الأولى من الحياة.

الأهمية في هذه التوصيات لا تكمن في افتراض أن كل دقيقة أمام الشاشة تلحق ضرراً مباشراً بدماغ الطفل، وإنما في أن الوقت مورد محدود؛ فالساعة التي تمر في مشاهدة متواصلة قد تكون ساعة أقل من اللعب أو الحركة أو النوم أو الحديث مع الأب والأم، وهي أنشطة أساسية في مرحلة يتطور فيها الدماغ واللغة والمهارات الاجتماعية بسرعة كبيرة.

وتعزز دراسات عدة المخاوف من التعرض المفرط، من بينها دراسة تابعت أطفالاً منذ عمر عام ووجدت ارتباطاً بين زيادة وقت الشاشة في هذه المرحلة وتأخر لاحق في مجالات التواصل وحل المشكلات عند عمر سنتين وأربع سنوات، بينما وجدت دراسة أسترالية تابعت الأطفال بين عمر 12 و36 شهراً أن زيادة التعرض للشاشات ارتبطت بانخفاض الكلمات التي يسمعها الطفل من البالغين، وعدد الأصوات التي يصدرها، وحجم الحوار المتبادل بينه وبين والديه.

كما خلص تحليل منهجي لدراسات الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة إلى أن سياق الاستخدام مهم بقدر مدة الاستخدام؛ فمشاهدة محتوى غير مناسب للعمر أو ترك التلفاز يعمل في الخلفية ارتبطا بنتائج معرفية أو نفسية اجتماعية أضعف، في حين ارتبط الاستخدام المشترك مع مقدم الرعاية ببعض النتائج المعرفية الأفضل، وهو ما يجعل اختزال المشكلة في عدد الساعات وحده تبسيطاً لا يعكس الصورة العلمية كاملة.

وتظل كلمة «ارتباط» هنا ضرورية، لأن جزءاً كبيراً من هذه الأدلة لا يثبت أن الشاشة وحدها هي السبب المباشر لكل تأخر أو مشكلة؛ فقد تؤثر البيئة الأسرية ونوعية المحتوى والوضع الاجتماعي والاقتصادي وطبيعة الطفل ومستوى مشاركة الوالدين في النتائج، كما يمكن أن يلجأ بعض الآباء إلى الشاشة بصورة أكبر مع أطفال يعانون أصلاً صعوبات في التنظيم أو السلوك. وحتى الدراسات التي تسجل علاقات قوية بين التعرض الرقمي ومؤشرات النمو تحذر من تحويلها تلقائياً إلى علاقة سببية مطلقة.

هل يمكن وصف ذلك بأنه «جريمة ضد الإنسانية»؟

أمام حجم القلق من تأثير التكنولوجيا في الأطفال، قد تظهر تعبيرات أخلاقية قاسية تصف ترك الأطفال أمام الشاشات أو تصميم منتجات رقمية تستهدف انتباههم باعتباره «جريمة ضد الإنسانية»، إلا أن هذا الوصف، مهما كان قوياً من الناحية الخطابية، لا ينسجم مع التعريف القانوني الدقيق للمصطلح.

فنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يشترط لكي يصنف فعل ما جريمة ضد الإنسانية أن يكون من بين أفعال محددة يرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين مع العلم بذلك الهجوم، وهو معيار مرتبط بجرائم بالغة الخطورة من قبيل القتل والإبادة والاسترقاق والترحيل والتعذيب والاضطهاد وغيرها من الأفعال الواردة في المادة السابعة. وبناء على هذا التعريف، فإن تعريض الأطفال للشاشات أو تقصير الحكومات والشركات في الحد من الأضرار الرقمية لا يصبح في ذاته «جريمة ضد الإنسانية» بالمفهوم القانوني الدولي.

لكن نفي هذا الوصف لا يعني غياب البعد الحقوقي؛ فلجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة تؤكد أن الطفل يتمتع بحقوقه كاملة داخل البيئة الرقمية كما يتمتع بها خارجها، وأن على الدول احترام هذه الحقوق وحمايتها وضمانها، مع مراعاة أن التكنولوجيا يمكن في الوقت نفسه أن توسع فرص التعليم والمشاركة والوصول إلى المعلومات وأن تخلق مخاطر جديدة للخصوصية والسلامة والنمو.

ومن هنا يصبح السؤال القانوني الأكثر دقة ليس ما إذا كان الهاتف جريمة ضد الإنسانية، بل ما إذا كانت دولة أو شركة تعلم بوجود مخاطر محددة على الأطفال ثم تفشل في اتخاذ إجراءات معقولة للحد منها، وما المسؤوليات التي يمكن أن تترتب على ذلك بموجب قوانين حماية الطفل والخصوصية وحماية المستهلك والمسؤولية المدنية والتنظيمية، وهي مساحة قانونية تتوسع سريعاً مع انتقال القضية من المنازل والمدارس إلى المحاكم والبرلمانات.

الحظر ليس حلاً بلا ثمن

ومع ذلك، لا تقف الحجج كلها في اتجاه واحد، فحرمان المراهق من شبكات التواصل ليس قراراً خالياً من الآثار الجانبية، لأن المنصات، على الرغم من مخاطرها، تؤدي بالنسبة لملايين الشباب وظيفة اجتماعية حقيقية، سواء في التواصل مع الأصدقاء والأقارب أو الوصول إلى الأخبار والمعرفة أو العثور على مجتمعات تشترك معهم في الاهتمامات والتجارب.

ولهذا فإن النقاش الأوروبي والأسترالي لا يدور فقط حول مقدار الضرر الذي يمكن أن تمنعه الدولة بالحظر، وإنما أيضاً حول ما قد ينتقل إليه الطفل بعد الحظر، إذ تخشى السلطات البريطانية نفسها من أن تدفع القيود بعض القاصرين إلى مواقع أصغر وأقل تنظيماً أو إلى وسائل للتحايل على تحديد العمر، وهو أحد الأسباب التي تجعل فعالية نظام التحقق من العمر قضية مركزية في النموذج البريطاني الجديد.

كما أن الحكم الفرنسي الأخير أظهر أن مصلحة الطفل لا تلغي تلقائياً بقية الحقوق، وأن التشريعات التي تحمل هدفاً مشروعاً يمكن إسقاطها إذا كانت وسائلها واسعة أكثر مما ينبغي أو إذا لم تتضمن ضمانات كافية للخصوصية والتعبير، وهي رسالة قد تجبر الحكومات على الابتعاد تدريجياً عن فكرة الحظر وحده والاتجاه نحو مزيج من الحدود العمرية وإعادة تصميم المنصات والرقابة على الخوارزميات وحماية البيانات.

من يملك طفولة الجيل الرقمي؟

قبل عقد واحد فقط، كان النقاش بشأن الأطفال والإنترنت يدور غالباً حول دور الأسرة: متى يشتري الأب لابنه هاتفاً؟ وكم ساعة يسمح له باستخدامه؟ وما المواقع التي ينبغي حجبها؟ أما اليوم فقد انتقل السؤال إلى مستوى أكثر تعقيداً، لأن الأسرة لا تواجه شاشة صامتة، وإنما أنظمة توصية قادرة على التعلم من سلوك المستخدم واختيار ما يحتمل أن يجعله يبقى لفترة أطول.

وهنا تتقاطع مسؤوليات ثلاثة أطراف لا يستطيع أي منها الانسحاب من المشهد؛ الأسرة التي تحدد العادات الأولى للطفل، والدولة التي تضع القواعد وتحمي القاصر الذي لا يملك الأهلية القانونية الكاملة، والشركات التي تصمم المنتجات وتعرف، أكثر من أي طرف آخر، كيف تعمل الخوارزميات التي تعرض المحتوى وتدفع المستخدم إلى الاستمرار.

بريطانيا اختارت أن تنقل جزءاً أكبر من العبء من الأسرة إلى الشركات، عندما قررت أن القاصر دون 16 عاماً لا ينبغي أن يكون هو الطرف المسؤول عن مقاومة منصة صممت لكي تحتفظ باهتمامه، لكن النجاح الحقيقي لهذه السياسة لن يقاس بعدد الحسابات التي تغلق في اليوم الأول، وإنما بما إذا كان الأطفال سيقضون بالفعل وقتاً أقل داخل البيئات الرقمية عالية الخطورة من دون أن ينتقلوا إلى مساحات أكثر غموضاً وأقل أمناً.

وأستراليا تقدم الآن أول اختبار واسع لهذه المعادلة، وفرنسا تقدم حدودها الدستورية، فيما تحاول بريطانيا بناء نسخة تعتبرها أكثر شمولاً، وبين هذه النماذج الثلاثة يتشكل نقاش قد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة وشركات التكنولوجيا والطفل خلال السنوات المقبلة.

وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن العالم الذي أمضى سنوات في الاحتفاء بقدرة التكنولوجيا على إزالة الحدود، بدأ اليوم في البحث عن حدود جديدة تعيد الفصل بين ما هو مناسب للبالغ وما ينبغي أن يبقى بعيداً عن الطفل، ليس رفضاً للتكنولوجيا نفسها، وإنما اعترافاً متأخراً بأن الطفل لا يدخل العالم الرقمي بالشروط نفسها التي يدخل بها البالغ.

فإذا نجحت التجربة البريطانية، قد تتحول السادسة عشرة إلى خط قانوني جديد في دول أخرى، وإذا تعثرت كما أظهرت المؤشرات المبكرة في أستراليا، فقد تتجه الحكومات إلى التركيز بصورة أكبر على كيفية تصميم المنصة بدلاً من تحديد من يسمح له بالدخول إليها، أما إذا استمرت المحاكم في فرض قيود دستورية مثلما حدث في فرنسا، فسيجد المشرعون أنفسهم أمام مهمة أكثر تعقيداً: حماية الطفل من بيئة رقمية شديدة القدرة على الجذب، من دون بناء نظام رقابي يسلب الجميع خصوصيتهم وحرياتهم.

وفي قلب هذه المعركة يبقى السؤال أبسط من القوانين والخوارزميات والتقنيات: إذا كان المجتمع قد قرر أن الطفل يحتاج إلى سنوات قبل أن يقود سيارة أو يشتري منتجات معينة أو يتخذ قرارات قانونية كاملة، فهل ينبغي أن تكون هناك أيضاً سن يستطيع عندها فقط الدخول منفرداً إلى منظومة رقمية تعرف عنه، خلال دقائق، ما الذي يجعله يضحك ويغضب ويخاف ويواصل النظر إلى الشاشة؟

قد لا تكون الإجابة حظراً كاملاً ولا حرية كاملة، لكن التحركات من كانبيرا إلى لندن وباريس تشير إلى أن عصر ترك الإجابة لشركات التكنولوجيا وحدها يقترب، على الأرجح، من نهايته.

اضف تعليق