منوعات - معلوماتية

أكبر علامة تكشف أن شيئًا ما كُتب بالذكاء الاصطناعي

انظر عن قرب، وسترى أن كل جزء من النص ليس صحيحًا تمامًا

الجهد والتعثرات، كما يقال، خاصية في عملية التفكير الإنساني وليست عيبًا فيها. عندما يكتب البشر، فإنهم يحاكمون أنفسهم؛ يتوقفون؛ يتراجعون. وفي النصوص المنشورة تُمحى آثار هذه العملية. لكن هذه العملية بالذات هي ما يجعل الكتابة الإنسانية مفهومة وذات معنى. يصف كثير من المؤلفين كيف أنهم، عندما يعثرون أخيرًا على...

يتناول هذا المقال الذي نشرته صحيفة ذا اتلانتيك، للكاتبة إيف فيربانكس إشكالية متصاعدة في عالم الكتابة والتواصل، وهي تسلل النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي إلى الرسائل اليومية، والمقالات، والكتب، والفضاءات الأدبية والمهنية. وترى الكاتبة أن الخطر لا يكمن فقط في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص سليمة نحويًا ومصقولة ظاهريًا، بل في أنها غالبًا ما تخلو من جوهر التفكير الإنساني: التردد، والمراجعة، والشك، والصراع الداخلي الذي يمنح الكتابة معناها وصدقها. ومن خلال أمثلة شخصية ومهنية، توضّح فيربانكس أن النص المولّد آليًا قد يبدو مثاليًا من الخارج، لكنه عند التدقيق يكشف خللًا عميقًا في النبرة، والاختيار اللفظي، والبناء المنطقي، والحجة. لذلك تدعو المقالة إلى الانتباه لما نضحّي به حين نستبدل مشقة التفكير والكتابة بسلاسة آلية جاهزة.

وتقول الكاتبة في مقالها:

 قبل بضعة أسابيع، في جوهانسبرغ حيث أعيش، تجاوز رجل إشارة توقّف فاصطدم بسيارتي السوبارو. في موقع الحادث كان مرتبكًا ومضطربًا، عاجزًا عن جمع أفكاره. وبعد نصف ساعة، تلقيت منه رسالة نصية طويلة، سليمة نحويًا على نحو كامل، يشرح فيها بأناقة كيف رأى أن الحادث قد وقع. وللحصول على تقدير لتكلفة الإصلاح، كتبتُ إلى ميكانيكي أعرفه، وهو رجل اعتاد أن يرسل لي رسائل مقتضبة مليئة بالاختصارات. فجاءني رده بالصوت نفسه تمامًا الذي استخدمه الرجل الذي اصطدم بي: الصوت المميّز للذكاء الاصطناعي.

في استطلاعات الرأي، يقول الناس باستمرار إنهم لا يثقون بالكتابة المولّدة بالذكاء الاصطناعي. لكن ذلك لم يمنع عددًا متزايدًا منا من استخدامها في الحياة اليومية: لصياغة رسائل العمل والرسائل الشخصية، وإعداد قوائم التسوّق، بل وحتى كتابة نصوص لحجج نخوضها مع أزواجنا وزوجاتنا. وقد اشتكى الكاتب جيسون كوبلر في موقع التكنولوجيا «404 ميديا» قائلًا: «أشعر وكأنني أفقد صوابي»، وذلك تحت وطأة «العبء المعرفي» الناتج عن محاولة تمييز ما إذا كان كل نص يقرؤه حقيقيًا أم مزيفًا.

كما بدأت كتابة الذكاء الاصطناعي تتسلل إلى أكثر فضاءاتنا الأدبية نخبوية: أقسام الرأي في الصحف، والكتب، والمجلات الأدبية. أنا أعمل محررة محترفة، وغالبًا ما أتعامل مع كتّاب مشهورين بأساليبهم النثرية. وربما قبل شهرين، بدأت أتلقى نوعًا من النصوص لم أكن أتلقاه من قبل: نصوص نظيفة تمامًا، بلا فاصلة في غير مكانها؛ موحّدة الطول، بفقرات متساوية الإيقاع، ونبرة مميزة تجمع في الوقت نفسه بين الخفة والتعالي. في البداية، فوجئت بأن أشخاصًا يعتزون بكتابتهم يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي ليكتب عنهم. فحتى قبل ستة أشهر، عندما كنت أتعرف أحيانًا إلى فقرة في عمل أحد الكتّاب تبدو مولّدة بالذكاء الاصطناعي، كان يعتذر.

أما الآن، فيخبرني بعض المؤلفين بأنهم تبنّوا الذكاء الاصطناعي بوصفه «أداة كتابة»، لا تختلف عن المدقق الإملائي أو الحاسوب المحمول. وهذه العبارة مرنة ومخادعة في الوقت نفسه؛ فهي تغطي كل شيء، من استخدام ChatGPT للعثور على اقتباس، إلى جعله يؤلف مقالة طويلة بناءً على موجه من جملتين. والسبب في هذا التحول بسيط: المنافسة في الصحافة والأوساط الأكاديمية وكتابة طلبات المنح، بل وحتى في صناعة التأثير على يوتيوب، شرسة إلى حد الجنون. والميزة تذهب إلى أولئك القادرين على البروز وسط طوفان من المحتوى، وهو ما يتحقق عبر رسائل مصقولة ومعبأة بعناية، وعبر الكمّ الهائل. وحتى المشتغلون المحترفون بالتواصل، ممن يثقون بكتابتهم ولا يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي بديل كامل، يتعرضون لضغط متزايد لاستخدامه، ما داموا يشعرون بأنهم يفعلون ذلك ضمن حدود مهنتهم. وللتوضيح، فإن مجلة «ذا أتلانتك» تحظر على الكتّاب استخدام نص مولّد بالذكاء الاصطناعي ما لم يُعرَّف صراحة على أنه كذلك.

والأشخاص الذين ليسوا كتّابًا محترفين يقومون بحساب مشابه. فكفاءة برامج الذكاء الاصطناعي في توليد نصوص سلسة وسليمة نحويًا أمر لا يُقاوم، سواء احتجت إلى جملة ذكية في طلب وظيفة، أو عبارة لطيفة في تطبيق مواعدة. ويمكن للكتابة المولّدة بالذكاء الاصطناعي أن تخدع القراء بسهولة، خصوصًا إذا كانوا يمرّون على النص مرورًا سريعًا. وتوجد شروحات تعليمية لكيفية إزالة العلامات الدالة على استخدام الذكاء الاصطناعي من كتابتك: تخلّص من الشرطات الطويلة، والنقطتين الرأسيتين، وبالطبع من صيغ أصبحت منفّرة مثل: «الأمر ليس كذا؛ بل كذا».

المشكلة هي أن الكفاءة والانسيابية الخالية من الاحتكاك، وهما ما يجعلان الذكاء الاصطناعي جذابًا للكتّاب، هما الصفتان نفسيهما اللتان تجعلانه يبدو غير جدير بالثقة في نظر القراء. والقراء محقون في عدم الثقة به. فمهما قلنا لأنفسنا إن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مثل المدقق الإملائي، فهو ليس كذلك. عندما نستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع أفكارنا، فإننا نفقد أهم جزء في عملية الكتابة: التفكير.

نحن نميل إلى الاعتقاد بأن الكفاءة هي الفضيلة العليا، وأن أسبوع العمل من أربع ساعات هو الهدف الأسمى. فلماذا نتعب في كتابة الفقرة الافتتاحية لمقالة، إذا كان برنامج ذكاء اصطناعي يستطيع تجاوز أي عقبة حجاجية أمامك خلال خمس عشرة ثانية؟ لكن الجهد والتعثرات، كما يقال، خاصية في عملية التفكير الإنساني وليست عيبًا فيها. عندما يكتب البشر، فإنهم يحاكمون أنفسهم؛ يتوقفون؛ يتراجعون. وفي النصوص المنشورة تُمحى آثار هذه العملية. لكن هذه العملية بالذات هي ما يجعل الكتابة الإنسانية مفهومة وذات معنى. يصف كثير من المؤلفين كيف أنهم، عندما يعثرون أخيرًا على الفكرة الصحيحة، تصبح الكتابة شبيهة بالانزلاق في مزلقة مائية؛ إذ يغدو وضع جملة بعد أخرى أمرًا سهلًا.

عندما تكون الكتابة صعبة، فليس السبب غالبًا أننا متعبون، أو جائعون، أو غير كفوئين فحسب، بل لأن عقولنا تحاول أن تخبرنا بأشياء حاسمة. كم من مسودات الرسائل إلى الزملاء أو أفراد العائلة حدّقنا فيها جميعًا بإحباط، متسائلين لماذا لا تبدو صحيحة تمامًا، إلى أن أدركنا أخيرًا أنها تحتاج إلى إعادة تفكير كاملة، أو أنه لا ينبغي إرسالها أصلًا؟ وعندما أصبح كتاب كنت أعمل عليه عملية شاقة تكاد تكون ميؤوسًا منها، مزّقت 90 في المئة من المخطوط؛ فأصبح الكتاب أكثر صدقًا بكثير لأنه توقّف عند طريق مسدود مفاهيمي، ما أجبرني على العودة إلى الوراء.

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصدر هذا النوع من الحكم. وحتى لو استطاعت الشركات التي تصمم برامج الذكاء الاصطناعي أن تجعلها تفكر كالبشر، وهو مشروع لا يُقدَّر ما فيه من غرور حق قدره، نظرًا إلى أننا لا نفهم تمامًا الآليات الكامنة وراء عمليات تفكيرنا نحن، فإنها لن تفعل ذلك. ففي النهاية، يقول المستخدمون باستمرار إنهم يريدون نماذج ذكاء اصطناعي ودودة ومطيعة ومتجاوبة. وهذا يعني أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتردد في فعل ما تفعله الأصوات في رؤوسنا طوال الوقت: مساءلة صحة فرضياتنا؛ إساءة فهمنا بما يجبرنا على الشرح بشكل أفضل؛ الإصرار على أن سؤالًا ما غبي؛ أو رفض الإجابة عن سؤال من الأساس.

 في دراسة نُشرت في مارس/آذار، وجد فريق من علماء جامعة ستانفورد وجامعة كارنيغي ميلون أن نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى تؤكد أفكار مستخدميها أكثر من البشر في المحادثات بنسبة 49 في المئة. واكتشفوا أيضًا أن المشاركين قيّموا الإجابات الأكثر تملقًا بوصفها «أعلى جودة»، وقالوا إن الموقف المتملق يجعلهم أكثر احتمالًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي مرة أخرى.

وهكذا ننتهي إلى كمال معلب: كتابة لا يمكن حقًا مجادلتها، لأنها لا تمتلك في باطنها عملية تفكير تداولية، ولا قطارًا من الأفكار. وكما كتبتُ مؤخرًا على منصة «إكس»، فإن كتابة الذكاء الاصطناعي تكاد تكون مستحيلة التحرير؛ لأنه حتى عندما تبدو مقنعة، فإن النظر إليها عن قرب سيكشف أن كل عنصر فيها مختل بالقدر نفسه: النبرة باهتة؛ اختيارات الكلمات الفردية محيّرة؛ البنية تفتقر إلى المعنى؛ أجزاء أساسية من الحجة غائبة؛ والحقائق خاطئة. والعمل على نص مولّد بالذكاء الاصطناعي، بوصفك محررًا، يشبه محاولة إجراء عملية جراحية على جسد تضررت فيه البشرة والعضلات والأوردة والعظام والأعضاء كلها. لا يوجد شيء يمكن تركه سليمًا، ولا مكان واضح يمكن البدء منه.

مؤخرًا سألتُ ChatGPT Pro، الذي أدفع اشتراكه من أجل تلخيص جداول مالية، فأنا لست من الكارهين، عمّا إذا كان قادرًا على تفكيك حجة قرأتها حول سوق الأسهم تفكيكًا لاذعًا. فأجاب: «أنا مضبوط لتجنب القسوة العابرة، أو الازدراء، أو السخرية اللاذعة غير الضرورية». ثم أضاف: «هذا لا يعني أنني لا أستطيع أن أكون حادًا، أو شكوكيًا، أو مضحكًا، أو ساخرًا... أستطيع تمامًا أن أكون رافضًا للحجج السيئة، والنثر المترهل، والدعاية الواضحة، والهراء البيروقراطي، أو أوهام السوق التي ترتدي قبعة صغيرة من المستقبلية التقنية».

أردت أن أنظر قليلًا تحت الغطاء، أن أفهم المنطق وراء اختيار البرنامج لعباراته. فسألته: «لماذا ترتدي أوهام السوق قبعة تقنية مستقبلية “صغيرة”، لا قبعة كبيرة؟»

لم يكن البرنامج قادرًا على التوقف ليتساءل عما إذا كان قد اختار الكلمة الخطأ. بدلًا من ذلك، سعى إلى تبرير نفسه بطرق تزداد إرباكًا. أجاب ChatGPT Pro: «لأن كلمة “صغيرة” تجعلها أكثر طرافة. إن وهم السوق يريد أن يدخل الغرفة كبروميثيوس؛ أما “القبعة الصغيرة” فتجعله يبدو مثل راكون عثر على بطاقة مؤتمر».

فسألته بإلحاح: لماذا راكون يحمل بطاقة مؤتمر؟ لماذا ليس كلبًا، أو ضفدعًا؟

كتب: «الراكونات تعيش في الأزقة، ومصارف مياه العواصف، وليالي القمامة، والبيئات الرطبة أخلاقيًا. للضفادع فاعلية وجودية، بينما للراكونات فاعلية لوجستية. ضفدع في حفلة ما بعد فعالية لرأس المال المغامر يبدو كأنه نذير. أما راكون في حفلة ما بعد فعالية لرأس المال المغامر فيبدو كأنه وجد اسمه على قائمة الضيوف... تخيّل: زقاقًا خلف فندق مؤتمرات، رصيف التحميل في كازينو، حفلة لرأس المال المغامر حيث يقول الجميع “المواءمة” لكنهم يقصدون “سيولة الخروج”... تبدو “المواءمة” كأنها أخلاق، وسلامة، وأهداف مشتركة، وإنسانية، ومستقبل. لديها طاقة سترة منظفة بالبخار... أما “سيولة الخروج” فهي رطبة اجتماعيًا على نحو لزج».

كل هذه الجمل سليمة نحويًا تمامًا. لكنها أيضًا لا معنى لها. وكل كتابة مولّدة إلى حد كبير بالذكاء الاصطناعي هي هكذا في باطنها. وChatGPT Pro يوافق على ذلك، مع أنه لا يعرف السبب. سألته: «ماذا لو قلت إن قصة الراكون كلها لا معنى لها كاستعارة؟»

فأجاب، بخضوع دائم: «سأوافق. في البداية، كان الراكون يصلح كصورة عابرة... يمكن للاستعارة أن تنجو من طبقة أو طبقتين من الشرح. بعد ذلك، تبدأ في الظهور كراكون يرتدي معطفًا طويلًا».

هذا هو نوع التواصل الذي بدأ يحيط بنا. ولا يمكن إيقاف تسلله إلى كل مجال من مجالات حياتنا. وحتى الأشخاص الذين لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي سيبدؤون في الكلام على نحو أقرب إليه. فقد وجدت مسودة بحثية أولية صادرة عن معهد ماكس بلانك للتنمية البشرية أنه في المحادثات الشفوية العفوية، مثل نقاشات البودكاست، بدأ الناس بالفعل يظهرون «زيادة قابلة للقياس ومفاجئة في استخدام كلمات يفضّل ChatGPT توليدها»، مثل: التعمق، والاستيعاب، والتفاخر، والسريع، والدقيق. ففي نهاية المطاف، نحن ما زلنا أذكى بكثير من الآلات، وأكثر رهافة بكثير، ولذلك نحن أسرع بكثير في التعلم والتقاط الإشارات الثقافية. وسيكون الاختلاف في الطريقة التي نعمل بها هائلًا، وليس افتراضيًا على الإطلاق. قبل عشر سنوات، كتبت رسالة تصالحية إلى صديق، لكنني لم أرسلها، لأنني لم أستطع أن أضبط صياغتها. ولم أدرك إلا بعد وقت طويل أنني ببساطة لم أكن أعني ما كنت أحاول كتابته. لو كان لدي حينها برنامج ذكاء اصطناعي يساعدني على تجاوز تلك العقبة، لكنت الآن متزوجة من شخص آخر؛ شخص أقل ملاءمة لي بكثير.

ربما ستصبح الكتابة البشرية مثل الجبن المعتّق بالقماش، أو السجاد المنسوج يدويًا: منتجًا حرفيًا يُصنع بجهد. وربما سنبدأ بتثمين الكتابات القديمة. هرمان ملفيل، جورج أورويل، توني موريسون؛ كلهم موثّقون وأصليون. ستكون كتابة كهذه سجلًا أحفوريًا لنوع من عمليات التفكير التي دفناها من دون أن ندرك ذلك. في تلك الليلة، وبينما كنت أغفو، خطرت في ذهني قصيدة من القرن التاسع عشر:

وينكن، بلينكن، ونود ذات ليلة

أبحروا في حذاء خشبي،

أبحروا على نهر من ضوء بلوري

إلى بحر من الندى.

إنها قافية للأطفال، لكنها بدت ذات جمال جديد.

أو ربما تكون البيانات والرسائل الناعمة التي تصل في موعدها، ولا تكشف أي ارتباك أو شك أو صراع داخلي، والتي تصقل صورنا بوصفنا لطفاء، أكفاء، وحكماء على نحو عام وإن كان سطحيًا، هي بالضبط ما نريده. لكن ينبغي على الأقل أن نعرف ما الذي نضحّي به.

اضف تعليق