لقد فتحت صولة الفجر بابًا ظنه العراقيون موصدًا لسنوات، خاصة قبل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء إلى واشنطن في منتصف تموز 2026. وهذا الباب لن يبقى مشرعًا إلا إذا تحول الإجراء إلى نهج ثابت، لا إلى استجابة ظرفية. فالدول لا تُبنى بالاعتقالات وحدها، وإنما بسيادة القانون، واستقلال القضاء، واسترداد الأموال المنهوبة، وتحويلها إلى مشاريع وخدمات...

للمرة الأولى منذ عام 2003، يختبر العراق معنى عبارة “لا أحد فوق القانون” خارج بيانات المؤتمرات الصحفية. فجر الأحد 28 حزيران 2026، انطلقت عملية “صولة الفجر” بإسناد قضائي مباشر، وأسفرت عن توقيف مسؤولين ونواب وشخصيات تنفيذية بتهم تتعلق بالكسب غير المشروع، وتضخم الأموال، وشبكات الفساد المتراكمة.

يقود هذا المسار رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، الذي أكد أن العملية تمثل “المرحلة الأولى” من مسار إصلاحي أوسع، مشددًا على أن الحكومة مكلفة بحماية المال العام، ولا تهاون في هذه المسؤولية. ورافق الإجراءات قرار حكومي بفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة، في رسالة مفادها بأن المحاسبة لا تكتمل إلا باستعادة ما أُخذ وإعادته إلى خزينة الدولة.

حظيت هذه الإجراءات بدعم القوى السياسية كافة، والسيد مقتدى الصدر، وتأييد الشارع العراقي، ما يمنحها قوةً مضافة إلى قوة القانون.

تكمن أهمية هذا الإجراء في كسره الصورة التي رسختها سنوات المحاصصة، حين كانت المناصب الحزبية تُعد غطاءً يحمي أصحابها من المساءلة. واستهداف شخصيات من أطياف سياسية مختلفة، بينهم نواب ووكلاء وزارات ورجال أعمال، يبعث برسالة مباشرة: لم تعد الحصانة السياسية، على الأقل في هذه المرحلة، ضمانة للإفلات من طائلة القانون.

غير أن نجاح هذا المسار لا يُقاس بعدد أوامر القبض أو قيمة الأموال المضبوطة وحدها، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة، وتقود، بحسب بيانات رسمية، إلى شبكات أخرى على مستوى الأسماء والأموال. المعيار الحقيقي هو قدرة القضاء على إكمال التحقيقات، وإصدار أحكام عادلة وناجزة، والاستمرار في تطبيق القانون على الجميع دون انتقائية أو استثناء.

ولا يقتصر أثر مكافحة الفساد على المشهد السياسي أو القضائي، بل يمتد مباشرة إلى حياة المواطن. فكل دينار يُسترد من المال العام يمكن أن يتحول إلى مدرسة جديدة، أو مستشفى مجهز، أو محطة كهرباء، أو مشروع ماء صالح للشرب، أو طريق يختصر المسافات على آلاف العوائل. لذلك يبدأ النجاح عندما يلمس الناس أثر الأموال المستردة في الخدمات الأساسية، وحين تعود ثروة البلاد لتُستثمر في التنمية بدلًا من أن تظل رهينة للفساد.

كما أن ترسيخ مبدأ المحاسبة يبعث برسالة طمأنة للمستثمرين والقطاع الخاص، ويعزز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، ويهيئ بيئة أكثر استقرارًا للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. فالدولة التي تصون المال العام هي الأقدر على التخطيط، والتنمية، وتحقيق العدالة بين مواطنيها.

لقد فتحت “صولة الفجر” بابًا ظنه العراقيون موصدًا لسنوات، خاصة قبل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء إلى واشنطن في منتصف تموز 2026. وهذا الباب لن يبقى مشرعًا إلا إذا تحول الإجراء إلى نهج ثابت، لا إلى استجابة ظرفية. فالدول لا تُبنى بالاعتقالات وحدها، وإنما بسيادة القانون، واستقلال القضاء، واسترداد الأموال المنهوبة، وتحويلها إلى مشاريع وخدمات يلمسها الناس في يومهم. ويمكن القول إن العراق لا يطوي صفحة من صفحات الفساد فحسب، بل يفتح صفحة جديدة عنوانها: الدولة، والمواطنة، وسيادة القانون.

اضف تعليق