الزيارة مدرسة التغيير وتبقى زيارة الامام الحسين، عليه السلام، أشبه ما تكون مثل أشعة الشمس المشرقة على أرجاء الأرض يستفيد منها من يتعرض لها بشكل صحيح، إنما السؤال عمن يتمكن من تحقيق هذا ليكون نموذجاً يحتذى به للآخرين؟...

تطورات الحياة تترك أثرها في تقييم الاشياء وفي خلق انطباعات جديدة إزاء قضايا وأمور يفترض أنها تكون محفوفة بالمسلّمات والثوابت مثل الامور المعنوية، إذ الامور المادية في الحياة لا غرو أنها تتطور مع الزمن لتقدم خدمات أفضل للانسان، فتأتي التقييمات العصرية الجديدة إزائها متطابقة، بينما أمور مثل الصلاة والصيام والحج فانها يفترض أن تمارس كما كانت على عهد رسول الله، بلا زيادة ولا نقصان، بقطع النظر عما يحيطها من إضافات ديكورية او تطورات تحيط بالفرائض دون أن تدخل في صميمها.

وقد أوردنا الفرائض الدينية على سبيل المثال للحديث عن زيارة المراقد المقدسة في البلاد الاسلامية، وتحديداً مرقد الامام الحسين، عليه السلام، في مدينة كربلاء المقدسة، لما لها من الخصوصية في التفضيل لشخص الامام الحسين عل لسان جدّه المصطفى، وفي القضية الدامية التي تضمها هذه المدينة على لسان الأئمة المعصوميمن، و ربما تنفرد هذه المدينة بين مدن العالم قاطبة في استقطابها للملايين من الزائرين في مناسبات عديدة على مدار السنة.

دوافع الزيارة

عمّا يبحث الزائرون عند مرقد الامام الحسين، عليه السلام؟

ثمة تفسيرات عدّة تحاول الاجابة عن هذا السؤال الكبير منها: 

1- إنها تمثل عادة اجتماعية يرثها الابناء من الآباء والأجداد على مر السنين، عندما يأتون بالأطفال الى مدينة كربلاء ويصطحبونهم لزيارة مرقد الامام الحسين، فتكتحل أعينهم بمنظر القبة الذهبية والمأذنتين الذهبيتين، وتفاصيل العمارة الرائعة المزينة بالمصابيح والثريات المضيئة، والسور القرآنية المخطوطة على الكاشي الكربلائي المعروف بجودته وجمال ألوانه ونقوشه، الى جانب أعمال التزجيج، والرخام الباهر، ثم الاسواق المتنوعة بأشكال السلع والمواد الغذائية، وخشوع الناس الطائفين حول الضريح المقدس بكل تفاعل واندماج روحي ونفسي.

هذه المشاعر الايجابية تبقى عالقة في ذاكرة الطفل طيلة سنوات حياته، وحتى الشيخوخة، ولن يغيرها تغير عقيدته وفكره، ربما يتبنى في كبره العلمانية، او الماركسية، او الفتاة تكون امرأة كبيرة بالسن لا تؤمن بالحجاب، ولكن وهي تعيش حياتها بنمط "السفور" يبقى قلبها ومشاعرها متعلقٌ بهذه المدينة وبهذا المرقد، فتسعى لأن تنظم رحلة لها مع صديقاتها، ولا تمانع من الالتزام بلبس العباءة لدى دخولها المدينة المقدسة والمرقد الشريف. 

2- تمثل لشريحة من الناسباب فرج لمختلف المعضلات والازمات الصحيّة والاجتماعية والاقتصادية استناداً الى قيمة الشفاعة والتوسل بالإمام المعصوم الى الله –تعالى- لقضاء الحوائج المستعصية، مثل؛ الامراض الخطيرة، او حتى حالات العوق، والانجاب، والرزق وما شاكل من حاجات لا تُعد.

3- تمثل هذه الزيارة عند شريحة أخرى من الناس لغرض تغيير الجوّ ونمط الحياة الرتيب والمُمل بما يُطلق عليه اليوم السياحة الدينية"! وقد ظهرت هذه التقليعة في السنوات الاخيرة، وتحديداً بعد سنوات قليلة من سقوط الديكتاتورية الصدامية، وتمتع الناس بحرية الزيارة بعد سنوات طوال من التضييق والحظر.

ثم تطور الأمر الى بسط موائد الطعام بالقرب من المرقدين الشريفين؛ الامام الحسين، وأخيه أبي الفضل العباس، عليهما السلام، والى فسحة جميلة لحديثي الزواج، يتجولون في منطقة مابين الحرمين الشريفين! والتطور الأكثر إثارة؛ جعل البقاع القريبة من المرقدين الشريفين أماكن مفضلة للإقامة في أرقى الفنادق والشقق السكنية من الدرجة الاولى، كلها مطلة على المرقدين الشريفين! كما تروج لهذا الاعلانات التجارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف.

4- أما الدافع الآخر ذو البعد المعنوي فانه يتجاوز المظاهر الموجودة ليغوص في عمق المعنى والعبرة، والبحث عن بصمات واقعة الطف خلال تجوال الزائر بين أروقة المرقدين الشريفين، او بين منطقة ما بين الحرمين، كما لو أنه يتعثر بين الرماح والسهام والخيام المحترقة، ويشاهد الأشلاء المقطعة، فتثور في ذهنه الاسئلة عن اسباب ما حصل، وبمقدار ما يحصل على الاجوبة والتفسيرات لكل ما جرى في ظهيرة عاشوراء، يجد لها مصاديق في الواقع الذي يعيشه، لعدم وجود أي فارق بين تعريض النساء والاطفال للعطش بقرار من النظام الأموي، وتعريض النساء والاطفال للجوع والحرمان بقرار من النظام الصدامي –مثلاً- لتشابه النظامين في المنهج والاسلوب، وايضاً؛ في دوافع الجور والظلم، ففي كربلاء سنة 61للهجرة، عارض الامام الحسين نظام حكم يزيد، وفي سنة 1411للهجرة عارض الشعب العراقي نظام حكم صدام. 

إن قضية الظلم و المظلومية تُعد محورية في الحراك البشري نحو الخلاص والحرية والكرامة عبر التاريخ، فالقضية من حيث المبدأ باقية لا تتغير مطلقاً، فالظالم لن يكون يوماً على حق، وهذه سنّة إلهية ثابتة في الحياة، إنما المتغيرات في الوسائل والاشكال الظاهرية، فحتى اليوم نرى الظلم في اشكال متعددة في حياتنا الاجتماعية والسياسية، ونفس الأمر ينطبق على الأخلاق الحسنة التي جسدها الامام الحسين في كرمه مع ألف فارس بقيادة الحر بسقيهم الماء رغم قيمته الباهضة، وفي عفوه عن الحر الرياحي قبل اندلاع المعركة، وفي مبدأ السلم بعدم البدء بالقتال، وفي الصبر والوفاء والاستقامة التي تجسدت في أبي الفضل العباس والاصحاب الشهداء. 

الزيارة مدرسة التغيير

رغم هذه الانماط من التفكير والتقييم تبقى زيارة الامام الحسين، عليه السلام، أشبه ما تكون مثل أشعة الشمس المشرقة على أرجاء الأرض يستفيد منها من يتعرض لها بشكل صحيح، إنما السؤال عمن يتمكن من تحقيق هذا ليكون نموذجاً يحتذى به للآخرين؟ 

القضية الحسينية بشكل عام خارجة عن نطاق الإحصاء والكشف عن تعداد المتأثرين والزائرين العارفين بحق الامام الحسين من بين ملايين الزائرين، كون القضية بالاساس وجدانية تعني بكل فرد من افراد الجماعة الكبيرة، فربما تكون النية والقصد في شيء، ثم تتغير عند الوصول الى ضريح الامام الحسين، بل ربما يكون التغيير من السلب الى الايجاب والعكس ايضاً، فهذا واردٌ في ميدان الاختبار العاشورائي، فالتغيير الايجابي الذي نأمله جميعاً من هذه الزيارة لن يظهر فوراً على صعيد الواقع، كما من الصعب على أحد الكشف عنه، إنها تتجلى في التربية الأخلاقية والدينية، وفي السلوك الفردي، وفي إعادة النظر في المنظومة الفكرية والثقافية التي تظهر مع مرور الزمن.

إن الذين تركوا لنا تراث الشعائر الحسينية وثقافة الزيارة وقيم الشفاعة والايمان والحرية، هم كانوا قبل اربعين او خمسين سنة بين آلاف الزائرين ممن محدودي الرؤية والاستيعاب، ولكن {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

وعليه؛ بمقدار المعرفة والاستيعاب نكون قد اخذنا جواب سلامنا وزيارتنا للإمام الحسين بدروس وعِبر تدخل في صميم حياتنا وتترك أثرها الطيب في علاقاتنا الاجتماعية.

اضف تعليق