استطاع الإمام الحسين أن يحقق النصر الأسمى في معركة كربلاء. ورغم أنه لم ينتصر عسكرياً على أرض المعركة، إلا أن مبادئه وقيمه وأخلاقه كانت في موضع الانتصار الحقيقي. فقد تيقن الأعداء قبل الأصدقاء أن نهضته خالدة، وأن نور هذا التوجه الصادق لا يمكن محوه أو إخماده. وقد مثّلت أخلاق...
ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات موضوعاً تحت عنوان: «مكانة القيم الإنسانية ومنهج اللاعنف في عاشوراء الإمام الحسين (عليه السلام)»، بحضور عدد من الأساتذة ومديري المراكز البحثية والأكاديميين المختصين. وقد جاء في الورقة التي تلاها الباحث في المركز الأستاذ الدكتور علاء إبراهيم الحسيني:
اتسمت أخلاق الإمام الحسين (عليه السلام)، منذ صغره، بالحكمة والكمال؛ إذ تجلّت في شخصيته جميع القيم الإنسانية والمثل العليا، وارتبطت به مواريث النبوة والإمامة، ما جعله نموذجاً فذاً للتكامل الإنساني، ورمزاً للمبادئ الإسلامية الحقة. كان الإمام الحسين تجسيداً عملياً لأعلى قيم الإسلام، فكرّس حياته للقيام بوظيفته، باعتباره إماماً مسؤولاً عن تهذيب النفس والمجتمع، مستنداً في ذلك إلى رؤية شاملة لتحقيق الخير والعدل.
إن أي صفة من صفات أبي الشهداء كافية لأن ترفعه فوق جميع عظماء التاريخ؛ فهو شخصية استثنائية لا مثيل لها على مر العصور، باستثناء جده النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، ووالديه، وأخيه، وهم النور الواحد. والعلاقة المتبادلة بين الإمامة ومهمة رعاية الأمة يبرزها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. هذه الركائز الثلاث: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تمثل جوهر رسالة الإسلام العظيمة، وقد جسدها الإمام الحسين في كل تفاصيل حياته.
وفي رسالة كتبها الإمام إلى أخيه محمد بن الحنفية، أوضح بجلاء أهداف ثورته بقوله: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله». كانت حياته درساً في التواضع والكمال الأخلاقي، مما مكّنه من مواجهة واحدة من أعظم التحديات في تاريخ الأمة يوم عاشوراء. ففي هذه اللحظة الفاصلة، وهي قمة الصراع الإنساني مع الظلم والشهوات الدنيوية، قدّم الإمام الحسين، ببطولته وعزمه، أسمى صور الكرامة الإنسانية.
حرص الإمام طوال رحلته إلى كربلاء، وخلال المعركة، على الوعظ والإرشاد وطرح الدلائل العقلية والمنطقية، بشكل يؤكد أهمية تجنب سفك الدماء بلا مبرر، محاولاً إظهار الحق، وإعادة الأمة إلى مسارها الصحيح ومبادئ الدين الحقيقي. وقد واجه جيش أعدائه بأسلوب أخلاقي راقٍ ومبدئي لا مثيل له في التاريخ؛ إذ كانت المعركة بالنسبة إليه ليست قتالاً دموياً بقدر ما كانت وسيلة للدفاع عن القيم النبيلة وحقوق الإنسان.
في كربلاء، وقف الإمام الحسين رمزاً للعدل والإنسانية، وحوّل ساحة الحرب إلى مدرسة للأجيال، تعلمهم صون الكرامة، ورفض الاستسلام للظلم، والدفاع عن الحق حتى في أحلك الظروف. ومن خلال مواقفه وكلماته، زرع في القلوب مبادئ الإصلاح والسلام وقيم اللاعنف؛ ليحقق بذلك انتصاراً معنوياً خالداً في معركة الكرامة الإنسانية.
ومن دلائل اختيار الإمام الحسين (عليه السلام) طريق اللاعنف في سبيل الله يمكن أن نستعرض النقاط الآتية:
1. صيانة حرمة أماكن العبادة واحترام قداستها
أعطى الإمام الحسين (عليه السلام) أولوية كبيرة لحماية قدسية بيت الله الحرام، لما له من ارتباط عميق بالجانب الروحي والمعنوي للمسلمين. فعندما وصل إلى علمه أن الحاكم الأموي قد دبّر مؤامرة لاغتياله داخل الكعبة، اختار مغادرة مكة قبل إتمام فريضة الحج، تفادياً لانتهاك حرمة الكعبة. ولم تكن هذه الخطوة الحكيمة إلا تأكيداً على ضرورة صون العبادة في أقدس مكان، وإبعاده عن الدماء والعداوات.
وبهذا القرار النبيل، جسّد الحسين (عليه السلام) مثالاً سامياً للالتزام بالمبادئ والقيم، وأصبح رمزاً للأحرار ومصدر إلهام للجماهير المسلمة. فقد أحيا الحس الثوري وروح الرفض للظلم والاستبداد في قلوب المسلمين، بعدما كان الكثير منهم قد استكان للخضوع والتسليم. وبذلك وجّه ضمير الأمة نحو مواجهة الحاكم الظالم الذي استغل الدين ليشرعن سلطته الغاشمة عبر وسائل الحيلة والإعلام المضلل. لقد علّم الإمام الحسين منهجه الرافض للاستسلام والمساومة على القيم والمبادئ.
2. رفع الحرج عن أصحابه وأهل بيته
في ليلة العاشر من المحرم، وقف الإمام الحسين (عليه السلام) خطيباً أمام أصحابه وأهل بيته، ليخيّرهم بين الرحيل أو البقاء معه، قائلاً: «إنّي لا أظن يوماً لنا من هؤلاء الأعداء إلا غداً. ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ من بيعتي، ليس عليكم مني حرج ولا ذمام. فهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل يدَ رجلٍ من أهل بيتي وتفرقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يريدون غيري».
بهذا الإعلان، أراد الإمام أن يوضح للعامة والخاصة أن ثبات أصحابه ووقوفهم إلى جانبه لم يكن نابعاً من تقاليد قبلية أو عشائرية، ولا دفاعاً عن روابط القرابة أو التزاماً بوعد محرج، بل جاء هذا القتال مبنياً على إيمانهم العميق بعدالة قضيته وحقه كإمام مفترض الطاعة. لقد أدركوا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم في مواجهة الظلم والانحراف الذي أحدثه بنو أمية في الإسلام؛ لذا كان ولاؤهم لمبادئ الحق والقيم التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام). وكانت شهادتهم معه تعبيراً عن إيمانهم ووعيهم بدورهم التاريخي، ورغبتهم في الدفاع عن الدين بكل ما يملكون.
ولذلك وصفهم الإمام الحسين بأسمى الكلمات، قائلاً: «إنّي لا أعلم أصحاباً ولا أهل بيت أبرّ ولا أوفى من أصحابي وأهل بيتي». فقد كانت شهادتهم معه تجسيداً لذروة الإخلاص والبذل في سبيل الله، حتى إن من قاتلوا مع رسول الله قد لا يبلغون مكانتهم السامية من التضحية والشرف.
3. إغاثة المحتاجين حتى لو كانوا من الأعداء
يظهر هذا المبدأ جلياً في حادثة وصول طلائع جيش الأمويين بقيادة الحر، إذ كانوا في غاية التعب والعطش، وكان الوقت وقت الظهيرة. لم يتردد الإمام الحسين (عليه السلام) في أن يأمر أصحابه بسقيهم الماء، بل وحتى دوابهم، وقال: «اسقوا القوم ورووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً».
4. عدم البدء بالقتال
حتى في أشد الظروف التي كان يستطيع فيها الانقضاض على العدو، امتنع الإمام عن الشروع في القتال. ففي يوم عاشوراء، وأثناء حديث دار بينه وبين شمر بن ذي الجوشن، أراد مسلم بن عوسجة أن يرمي شمرًا بسهم، ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) منعه قائلاً: «إني لا أريد أن أبدأهم بقتال قط». وهو موقف يبرز قوة أخلاقه ومبادئه السامية.
5. بيان هدف الحركة الحسينية
أكد الإمام الحسين (عليه السلام)، في جميع مواقفه، أن نهضته لم تكن بدافع الكبر أو الرغبة في السلطة، بل كانت تهدف إلى الإصلاح وإحياء الدين. وقد قال كلماته الخالدة: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً»، قاصداً بالأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وبنهضته المباركة، استطاع الحسين أن يعيد الأمل إلى الأمة، ويكشف الفساد، ويفضح المعتدين. وعندما يُطرح السؤال: هل انتصر الإمام الحسين؟ نجد الإجابة في قول الإمام زين العابدين (عليه السلام)، حين سأله إبراهيم بن طلحة عن الغالب: «إذا دخل وقت الصلاة فأذّن وأقم تعرف الغالب».
6. الاستمرار في مخاطبة الأعداء وتذكيرهم بحرمة العنف
على الرغم من المصائب التي حلّت به، لم يمنع ذلك الإمام الحسين (عليه السلام) من محاولة هداية أعدائه وتذكيرهم بجريمتهم. ورغم قتل أهل بيته وأصحابه، خاطبهم قائلاً: «أتطلبونني بقتيل قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟». وذكّرهم بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾.
كما أنه قبل بدء المعركة خطب في أصحابه وجيش الحر قائلاً: «أما سمعتم رسول الله يقول: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً عهده، مخالفاً لسنة الرسول، يعمل بالظلم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل أو قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله؟». وأضاف موضحاً انحراف القوم: «ألا إن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن... وقد وصلتني كتبكم تطلبون مني المجيء وتعاهدون على نصرتي، فإن كنتم على بيعتكم فأنتم على الرشد». بهذه الكلمات، وضع الإمام الحسين الحجة عليهم وأوضح الهدف الأسمى لنضاله.
7. قبول الإمام الحسين توبة الأعداء
بعد أن أوضح الإمام الحسين الحقائق لأعدائه، كان من بينهم الحر بن يزيد الرياحي، الذي راجع نفسه وانضم إلى معسكر الإمام الحسين، بعدما طلب التوبة عما اقترفه من أفعال. فقد كان الحر قائد الجيش الذي أفزع النساء، وضيّق الخناق على الإمام وأصحابه، ومنعهم من العودة في اليوم الثاني من شهر محرم، حين دخل الحسين إلى كربلاء وحُبس مع أصحابه في الصحراء.
وعندما جاء الحر إلى الإمام وقال: «إني تائب، فهل ترى لي من توبة؟»، أجاب الإمام قائلاً: «نعم، إن تبت تاب الله عليك». وهذه الاستجابة تمثل تجسيداً لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وهكذا كان الحال مع الحر (عليه السلام)، الذي اتخذ قراره النهائي يوم العاشر من المحرم بالانضمام إلى صفوف الحسين، في قصة معروفة تضمنت مشادة بينه وبين أحد القريبين منه. حينها أعلن قائلاً: «إني أخيّر نفسي بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنة شيئاً». وكانت كلماته تلك دليلاً واضحاً على أنه اختار طريق الحق والصواب.
8. شجاعة الإمام الحسين في الحرب ودفاعه عن المبادئ
حتى في أتون المعارك والنزال الشديد، عُرف عن الإمام الحسين (عليه السلام) ثباته ورباطة جأشه الواضحة، فضلاً عن قوته الأخلاقية التي ضربت أروع الأمثلة في الغيرة والحمية على أسرته وحرمة النساء وكرامتهن. ويُروى عنه (عليه السلام) أنه خاطب الأعداء قائلاً: «أنا الذي أقاتلكم وأنتم تقاتلونني، والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا طغاتكم وجهّالكم من التعرض لحُرَمي ما دمت حياً».
من خلال هذه الأخلاق الرفيعة، استطاع الإمام الحسين أن يحقق النصر الأسمى في معركة كربلاء. ورغم أنه لم ينتصر عسكرياً على أرض المعركة، إلا أن مبادئه وقيمه وأخلاقه كانت في موضع الانتصار الحقيقي. فقد تيقن الأعداء قبل الأصدقاء أن نهضته خالدة، وأن نور هذا التوجه الصادق لا يمكن محوه أو إخماده. وقد مثّلت أخلاق الحسين (عليه السلام) في ساحة المعركة مدرسة إلهية عظيمة، تعلم منها العالم كيف يكون القائد العسكري ناجحاً في ميادين الشرف والكرامة.
من النص المستخلص، يمكننا أن نتعلم العديد من القيم والمبادئ العظيمة التي جسّدها الإمام الحسين (عليه السلام) في معركة الطف.
أول درس هو الإيثار والتضحية؛ فقد ضحى الإمام بأغلى ما لديه من أهل بيته وأصحابه وأمواله، بل بذل نفسه بكرم وشجاعة لا متناهية. لقد كانت تضحيته تجسيداً لقمة الجود؛ فهو قدّم حياته في سبيل مواجهة الظلم، ونصرة المظلومين، ورفع راية الحق، ودحض الباطل. ولخص موقفه بهذه الكلمات: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً»، ليؤكد فكرة الحرية في مواجهة الطغاة والتضحية في سبيل المبادئ السامية.
والدرس الثاني يتمثل في التواضع والمساواة؛ فقد علّم الإمام الحسين العالم أن الكرامة الإنسانية لا تعرف فرقاً بين الأفراد. وقد تجلى ذلك في مواقفه مع أهله وأصحابه، حيث لم يميز بينهم، فكان يضع خده المبارك مرة على خد عبد أسود وأخرى على خد ابنه الأكبر، ليؤكد بذلك مبدأ المساواة الحقيقية.
أما الدرس الثالث فهو الوفاء بالعهد؛ فقد حافظ الإمام الحسين على عهد المبادئ التي أوصى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وآمن بها والده الإمام علي (عليه السلام). اختار الوقوف إلى جانب حرية الإنسان وكرامته دون أي مساومة، بل إنه وعظ جيش الكوفة، مذكراً إياهم بقيمة الحرية حين قال لهم: «ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى حسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون». بهذا القول، دعاهم إلى التعقل والالتزام بالمبادئ الإنسانية، حتى لو لم يؤمنوا بالدين نفسه.
في نهاية الأمر، يمكن القول إن هذه المبادئ التي استلهمناها هي لمحة بسيطة من سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وسرد موجز لما قدمه من قيم إنسانية خالدة ورسائل عميقة نستفيدها من موقفه الثابت في معركة الطف الخالدة.
ولمزيد من النقاش، نطرح السؤالين الآتيين:
السؤال الأول: ما الأسباب التي حدت بالبعض إلى التوحش وسلوك سبيل العنف والعدوان خلافاً لإرادة السماء؟
السؤال الثاني: كيف يمكن أن نستفيد من المنهج الإنساني للإمام الحسين (عليه السلام) الداعي إلى نبذ العنف في معركة الحق والباطل، وتغليب القيم الأخلاقية وجعلها المعيار المطلق؟
المداخلات
- الأستاذ حسيني الأطرقجي؛ باحث وكاتب:
منذ عام 1500 للميلاد، يبدو أن المدرسة الإسلامية انقسمت على مستوى العالم إلى تيارين رئيسين: مدرسة دينية سياسية عثمانية وأخرى صفوية. وقد أدى هذا الانقسام إلى "أدلجة" الدين وتوجيهه وفقاً لأهداف الحاكم ومصالح بلاطه. ونتيجة لذلك، تحول الدين من رسالة قائمة على القيم والحقوق والواجبات إلى أداة بيد السلطة، يتم تسخيرها لتحقيق مصالح سياسية. وعندما أصبح الدين أداة سياسية، تفاقم العنف المصاحب له، كما أن السلطات غالباً ما تعمل على تسييس الأديان لتحقيق أجنداتها الخاصة.
أرى أن هذا المسار العنيف بدأ منذ ذلك الحين، وما زلنا نعاني من تبعاته حتى اليوم. وهذا ما أسميه أزمة المعنى في تفسير القيم الدينية، إذ تم إلباس الدين ثوب السياسة، بدلاً من أن تتبنى السياسة القيم الدينية. ونتيجة لذلك، تحول الدين إلى جناح تابع للسياسة تُسيّر به الشعوب، مما ساهم في زيادة العنف وتشويه قداسة الأديان ومساراتها.
أما الحلول، فأرى أنها تبدأ من مفهوم الدولة الحقيقية والقوية، الدولة التي تستطيع فرض الهويات بشكل متساوٍ بين جميع مكوناتها. في هذه الحالة، ستجد الهويات المشوهة والمتطرفة نفسها مضطرة للاندماج مع باقي الهويات ضمن المجتمع، مما يعزز الهوية الوطنية لتصبح هي الجامع والمقياس الأساسي لطبيعة العلاقة بين الدين والمجتمع. وتحت سيادة الهوية الوطنية، يصبح بالإمكان تحقيق التوازن بين الالتزام الديني بعيداً عن التطرف من جهة، وبين السلاسة الروحية والإنسانية من جهة أخرى.
بناء الدولة المقتدرة والقوية هو الخطوة الأساسية نحو هذا الهدف؛ فالدولة القادرة على تجديد هويات شعوبها وإبراز القيم النبيلة ستكون أيضاً قادرة على محاربة الأيديولوجيات المتطرفة والهويات المنحرفة التي تشوه استقرار المجتمعات وسلمها الاجتماعي.
- أحمد جويد؛ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
قضية الأخلاق ودور الإمام الحسين (عليه السلام) تمثل أساساً جوهرياً في الفهم الإسلامي؛ إذ ارتبط هذا المنهج بشكل وثيق بجده النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، الذي جاءت الرسالة السماوية على يديه لتتمم مكارم الأخلاق. وقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليه في أكثر من موضع بذكر عظيم أخلاقه، واصفاً إياه بأنه على خُلُق عظيم، حيث تجسدت أسمى معاني الإنسانية في شخصه.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما حدث أثناء العقبة، عندما عرف النبي أشخاصاً من جيشه أرادوا اغتياله، ورغم معرفته بهم، منع أصحابه من الإقدام على قتلهم قائلاً: «لا، حتى لا يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه».
وقد تجسدت القيم الأخلاقية ذاتها في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليه)، الذي كان استمراراً حقيقياً لمنهج النبي. ولم يكن ذلك مجرد شعارات، بل أفعالاً حقيقية؛ إذ نرى أنه حتى في أوقات القتال، كمعركة صفين، امتنع عن منع الماء عن أعدائه، رغم أنهم كانوا قد مارسوا العكس معه، بل إنه لم يبدأ قتالاً دون ضرورة، ولم يقتل جريحاً قط، مما يعكس قمة النبل الإنساني في تعامله حتى في أحلك الظروف.
وعندما ننتقل إلى مسيرة الإمام الحسين (سلام الله عليه) وصولاً إلى كربلاء، تصبح حادثته نموذجاً خالداً لمعاني الأخلاق والإنسانية. يمكن للمرء، في مطالعة التاريخ، أن يجد العديد من المعارك الكبرى التي خاضها ملوك وأمراء لم يبقَ لها أثر سوى أرقامها وإحصاءاتها. ولكن واقعة كربلاء تمثل ظاهرة استثنائية؛ فهذه الحادثة الخالدة، التي وقعت قبل أكثر من 1400 عام، بقيت حيّة في الذاكرة الإنسانية حتى اليوم. فقد واجهت مجموعة صغيرة من الرجال مصيرها الشجاع وسط صحراء، حيث انعدمت أي وسيلة للإعلام أو التوثيق بالصورة أو الصوت، ومع ذلك ظلت تضحياتهم رمزاً خالداً يتجدد عبر الأجيال.
ما حدث في كربلاء كان علامة بارزة على التمسك بالأخلاق والقيم النبيلة حتى في أشد اللحظات قسوة. فمنذ خروج الإمام الحسين من المدينة باتجاه مكة ثم كربلاء، كانت مواقفه نابعة من الإنسانية والنبل. لم يتوقف عن تقديم النصيحة لطرف العدو، محاولاً هدايتهم وإرشادهم إلى الحق وإبعادهم عن الظلمات.
لكن، للأسف، نجد أن الأمة التي تصفي قادتها الذين جاءوا لإنقاذها من الظلم والضياع قد أثبتت بذلك عدم استحقاقها لمثل هؤلاء القادة. وفي استرجاع تاريخي لما بعد كربلاء، نجد التوحش الذي بدأ مع بداية الدولة الأموية واستمر بعدها لدى العباسيين. ومن المظاهر المروعة للتوحش العباسي امتلاك أحد ملوكهم خزينة مليئة بجماجم العلويين. وفي كربلاء، قُطعت الرؤوس ورفعت على الرماح، ونُقل الأسرى إلى الكوفة ومنها إلى الشام، كوسيلة لبث الرعب في نفوس من يفكر بمعارضة السلطة.
لم تكن هذه الأفعال الوحشية مجرد محاولات للقضاء على آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) فحسب، بل كانت تعبيراً واضحاً عن رغبة هذه السلطات في الانتقام لأجدادها الماضين الذين وقفوا ضد دعوة الإسلام. وكان الهدف الأكبر أيضاً فرض حالة من الإرهاب والبطش لمنع أي حركة مقاومة تطالب بالحق أو تصدح بالعدل.
- حسين شاكر العطار؛ باحث وأكاديمي:
هذا الموضوع بالغ الأهمية؛ إذ على مدى 1400 عام لم تتمكن الأمة أو الطائفة من استيعاب العبر المستخلصة من ثورة الإمام الحسين. أركز على أن ثورة عاشوراء، ليست حدثاً مقتصراً على سنتي 60 و61 هجرية فحسب، بل تلتها العديد من الأحداث، وكانت نتيجتها بطولية للإمام الحسين (عليه السلام).
وبالنظر إلى سيرة الإمام الحسين قبل واقعة الطف، خاصة بعد استشهاد والده، نجد دوره المحوري في إصلاح الأمة وتوجيهها نحو القيم الإنسانية، في ظل حكم بني أمية واستيلاء معاوية على الحكم بالخداع والقوة. وبعد وعيه بتحلل الأمة واحتمال انهيار الإسلام بوجود يزيد خليفةً للمسلمين، جاءت نهضة عاشوراء في العام التالي لوفاة معاوية. كان هناك سبب حقيقي وتاريخي مرتبط بصلح الإمام الحسن، وسبب واقعي متعلق بتدهور وضع الأمة، مما استدعى تصحيح مسارها.
أما حول أسباب العنف والتوحش، فقد كانت الفئة المستفيدة من الحكم فاقدة للحجة، مما دفعها إلى السلوكيات الوحشية. فعدم وجود سبب مشروع للكسب والتمسك بقوة الأحكام السلطانية دفعهم إلى الفساد العلني، عندما أبعد يزيد حتى المقربين منه، ووصفه الإمام الحسين بالفجور. وعندما انتفضت القيم الإنسانية ضد هذه الفئات الفاسدة، ظهرت نواياهم العدوانية بوضوح من خلال قتل الحسين (عليه السلام)، وسبي نسائه، والتفاخر بهذا العمل لنشر الرعب.
وفيما يخص القيم الأخلاقية فهي السلاح الأقوى في مواجهة الظلم والباطل. فالحق لا يخشى المواجهة وله الغلبة، والتضحية تعلي صوت الحق. أما المنافقون وغيرهم، فلا يستطيعون الاستمرار في التحايل طويلاً لأنهم يفتقرون إلى الصدق.
إن التمسك بعدم الخوف والتراجع، رغم التضحيات، يبرز قوة الإرادة التي تجسدها التضحية بالنفس كأسمى درجات الكرم. وكان سبي النساء كشفاً لهؤلاء القوم، وإظهاراً للظلم الذي لا يميز بين طفل أو كبير. ورغم مرور آلاف السنين، فإن القضية الحسينية باقية كرمز خالد للمقاومة والإصلاح.
- الشيخ مرتضى معاش:
العنف في جوهره، أمر يخلو تماماً من القيم والأخلاقيات. لا يمكننا ببساطة ربطه بالقيم الإنسانية أو العقلانية؛ فهو يعبّر عن فلسفة أو أيديولوجية هشّة تسعى إلى تبرير وجوده فقط من أجل تحقيق أهداف شخصية أو جماعية. العنف لا يعترف بمفاهيم مثل العدالة أو الصدق أو الأمانة، بل يعكس كافة أشكال الشرور التي تكمن داخله. ورغم محاولات البعض تبني أيديولوجيات تعطي العنف معنى أو شرعية، يبقى في جوهره وسيلة للسيطرة على الآخرين، بلا جذور أخلاقية يستند إليها.
عبر التاريخ، كان هناك صراع دائم بين تيارين: تيار الغرائزية وتيار العقلانية. ويعكس هذا الصراع جوهر بناء الإنسان ومسيرته نحو التطور والرقي. فعندما ينتصر الإنسان في تفضيل العقلانية على الغرائزية، يقترب أكثر من طبيعته الإنسانية الراقية. أما إذا ساد الجانب الغرائزي، فإنه يصبح متوحشاً وغارقاً في رغباته، مما يؤدي إلى تأجيج الأزمات والحروب والنزاعات التي ميزت مسار البشرية على مر العصور.
والغرائزية يمكن وصفها بالعمياء الجامحة؛ فهي تمثل انقياد الإنسان لأهوائه وشهواته دون رؤية واضحة. في المقابل، تعتمد العقلانية على قيم ثابتة توجه البشر نحو طرق أكثر إنسانية وتحضراً. وقد أشار الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء إلى هذه الثنائية بشكل بليغ عندما قال: «فقد ملئت بطونكم حراماً ألا ترون ألا تسمعون». وهذا يدل على أن الغرائزية قد سيطرت على عقول الناس، ففقدوا القدرة على السمع والتبصر، وأصبحوا عبيداً لرغباتهم.
ثم قال الإمام الحسين: «كونوا أحراراً في دنياكم». فالإنسان الحر الحقيقي هو من يستطيع تحمل مسؤولية نفسه والسيطرة على نزواته، وليس ذلك الذي يغرق في دوامة الانتقام والعنف. الحرية الحقيقية تعني الترفع عن أفعال العنف والجريمة، وتعزيز القيم العليا كالرحمة وضبط النفس.
والسياق التاريخي مليء بأمثلة عن دوام العنف وما يولده من انتقام مستمر وعواقب وخيمة؛ فكل عنف يولد عنفاً مضاداً، وكل انتقام يؤدي إلى انتقام آخر، وهكذا تستمر الحلقات المفرغة التي تؤدي إلى تضاعف مظاهر الوحشية.
والعراق اليوم هو تجسيد حي لهذه الحقائق؛ إذ تعاني الدولة من الفساد والانحراف والجريمة نتيجة غياب العقلانية في إدارة شؤون الحكم والمؤسسات. فبدلاً من تقديم حلول عقلانية تسهم في رفاه المجتمع وإنهاء هذه الأزمات، نجد أن ثقافة التوحش قد استبدلت بقيم التسامح والتعايش.
والقرآن الكريم يقدم لنا رؤية محورية في هذا السياق بقوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)؛ أي إن ممارسة العنف والقسوة لا تؤدي سوى إلى مزيد من الفوضى والدمار، بينما يؤدي العمل القائم على الرحمة واللاعنف إلى خلق مجتمع أكثر ازدهاراً وتسامحاً.
لقد كانت رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء دعوة إلى التخلي عن الغرائز الوحشية، وتبني قيم الإنسان الحر المستنير الذي يتخطى رغباته وشهواته. من هنا جاءت رسالته نموذجاً ملهماً يدعونا جميعاً إلى التأمل في عواقب العنف والعمل على تفكيك آلياته لتحقيق حياة أكثر سلماً وعدالة.
في واقع الأمر، أنا أعارض دائماً فكرة تبرير العنف بأي حجة كانت، سواء كانت دينية أم أيديولوجية. العنف ليس مشروعاً، ولا يجب أن يكون وسيلة لتحقيق الأهداف. ومهما تعددت الروايات والتفسيرات، فإن الحقيقة تظهر دائماً عندما نتذكر موقف رسول الله حين قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ويتأثر منهج الإمام الحسين في حياتنا بطرق عميقة تتجاوز المظاهر السطحية، وتتصل جوهرياً ببناء الإنسان وتطوير شخصيته على مختلف المستويات. ورد في الحديث المعروف المنسوب إلى الأئمة (عليهم السلام): «من أتى الحسين عارفاً بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». وهذا النص يدعو إلى تأمل أعمق من مجرد فكرة الزيارة الجسدية لضريح الإمام، فهو يشمل الالتزام بالمبادئ الحسينية، والخدمة المخلصة، والاقتداء بمنهجه بشكل كامل.
حين نقف عند كلمة «أتى» بدلاً من «جاء»، نجد أن لها دلالة خاصة. فالقدوم أو «الإتيان» هنا لا يقتصر على حركة مادية، بل يحمل مضموناً منهجياً واستعدادياً. فكلمة «جاء» تحمل معنى مجرد الوصول، بينما تشير كلمة «أتى» إلى عملية متكاملة تمتد من اتخاذ القرار إلى الالتزام بمنظومة فكرية وسلوكية. وهذا يعني أن من «أتى الحسين» هو من اتبع منهجه وسار على خطاه بإدراك كامل لقيمه وتعاليمه.
إن منهج الإمام الحسين مرتبط بتزكية النفس وتنقيتها من الشهوات والذنوب، والتحلي بالتقوى بوصفها حالة راسخة في النفس تقود الإنسان إلى تحصين ذاته أمام الإغراءات والمغريات. وهذه العملية ليست مجرد اتباع شكلي، بل هي نتيجة اجتهاد مستمر لبناء ملكة أخلاقية راسخة توجه الإنسان نحو التعقل والتوازن، وإلى الابتعاد عن الغرائز والأهواء المدمرة.
بالتالي، يمكن فهم الحديث على أنه دعوة إلى برنامج شامل يعمل على إصلاح الذات وبناء الشخصية الإنسانية على أسس من العقلانية والوعي. فالطريق الذي رسمه الإمام الحسين هو طريق التكامل النفسي والأخلاقي، وغاية هذا الطريق هي تحرير الإنسان من أسره الداخلي وتحقيق الانتصار الحقيقي على نفسه. وقوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً) يمكن أن يُفهم في هذا السياق باعتباره إشارة إلى النصر الأسمى الذي يتحقق عندما يسمو الإنسان فوق ضعفه وشهواته، ويصبح أهلاً للتقوى التي تحصنه وترتقي بروحه.
هذا المعنى العميق لمفهوم «الإتيان إلى الحسين» يتطلب منا اجتهاداً وعقلانية لإعادة قراءة نهج الإمام وربطه برؤيتنا لحياتنا وذواتنا. فلا يكفي أداء الشعائر بصورة تقليدية، بل علينا كذلك أن نعيش قيم الحسين عليه السلام قولاً وفعلاً، حتى نحقق جوهر رسالته السامية.
- علي حسين عبيد؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
السؤال الأول يتناول قضية تاريخية تعود إلى أكثر من 1400 عام، بينما نحن نعيش في زمن مختلف تماماً من حيث الزمان والمكان والثقافات. هناك فجوة كبيرة، سواء مادية أم فكرية، بين تلك الحقبة الزمنية وما نعيشه اليوم. ومن البديهي أننا كبشر نلاحظ تغيرات متواصلة بين جيل وآخر، حيث يؤمن كل جيل بمجموعة من الأفكار والمبادئ التي تختلف عن الجيل الذي سبقه. على سبيل المثال، تمسك الجيل السابق بقضايا وسلوكيات معينة كانت لها قيمة خاصة في زمانها، أما نحن، فلنا قناعات مختلفة، ولا شك أن الأجيال القادمة ستؤمن بأفكار ومبادئ قد تكون بعيدة تماماً عما نؤمن به اليوم.
في ظل التطورات الجارفة التي شهدها العالم، خاصة في مجال التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الثقافي الكبير، باتت هناك فجوات أوسع بين الماضي والحاضر. وقد خلق هذا الوضع تحدياً في إيصال رسالة الإمام الحسين والقيم التي مثّلها إلى الناس اليوم، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين. ذلك أن الأشخاص الذين يعيشون في وقتنا الحاضر ليست لديهم صلة مباشرة أو فهم عميق لزمان الإمام الحسين أو السياقات التي أحاطت بواقعة كربلاء، وما زاد الأمر تعقيداً هو عدم وجود تواصل ملموس مع تلك الفترات الزمنية.
من هنا، تبرز مشكلة الخطاب الحسيني في أنه كثيراً ما يُقدَّم بشكل تقليدي وبأسلوب لا يواكب تطلعات وعقلية الشباب اليوم، الذين يعيشون في عالم مختلف تماماً، تتغير فيه القناعات بشكل سريع. ولعل النهج التقليدي المتكرر لا يجذب هؤلاء الشباب، ولا حتى باقي الفئات من مسلمين وغير مسلمين. وبالتالي، يصبح تحديث الخطاب الحسيني وإعادة النظر في بنيته وأساليبه ضرورة قصوى. يجب أن نتوجه إلى تطوير هذا الخطاب ليحاكي واقع الإنسان الحديث وطريقة تفكيره المختلفة عن تلك التي كانت سائدة قبل قرون.
هذه القضية تتطلب جهداً مشتركاً من الحوزات العلمية وخطباء المنابر الحسينية والمؤسسات الدينية؛ فالتغيير ليس أمراً بسيطاً أو آنياً، بل هو عملية تحتاج إلى تخطيط دقيق ومستمر وحملات قوية ومنهجية، تهدف إلى ردم هذه الفجوة الزمنية والثقافية الكبيرة، وتطوير آليات الحوار والنقاش بما يجعل الرسالة الحسينية أقرب إلى عقول وقلوب الناس في عصرنا الحالي. المهمة ليست سهلة، لكنها ضرورية لاستمرار تأثير هذا الخطاب وقيمه العميقة في النفوس.
- حسين علي حسين عبيد؛ باحث في مركز الفرات:
بالنسبة إلى السؤال الأول، فإن الواقع يشير إلى أن السلوك المتوحش والعنف أصبح ظاهرة منتشرة لدى الأغلبية، وليس فقط لدى البعض. والسبب الرئيس وراء ذلك يعود إلى غياب القدوة الحسنة التي تمثل النهج الصحيح في التصرف. عندما نجد أمامنا شخصيات تحتكم إلى القوة والعنف كوسيلة لحل الأمور أو لتحقيق الأهداف، يصبح من السهل على الآخرين تقليد هذه التصرفات.
وفي السياق العراقي تحديداً، نجد أن الجهات الحاكمة، رغم المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقها، تفتقر إلى النزاهة والمثال الأخلاقي المطلوب. فالقيادات التي يسيطر عليها الفساد وتتحكم بمصائر الناس دون مراعاة مصلحة الشعب تؤدي إلى تكريس هذا النهج. كيف يمكن أن يتغير الحال إذا كان المسؤول عن إدارة المجتمع نفسه رمزاً للسوء والفساد؟
أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، فلنا في واقعة الطف أمثلة عظيمة تبرز قدرة الإنسان على التغيير واختيار الحق والمبدأ السليم، حتى في أصعب الظروف. لدينا، على سبيل المثال، قصة عبيد الله الجعفي الذي رفض نصرة الإمام الحسين، لكنه قدّم ما يمكن أن يقدمه من وسائل دون المشاركة بنفسه بسبب خوفه. وعلى الجانب الآخر، نرى الحر الرياحي الذي كان في البداية قائداً في صفوف جيش يزيد، لكنه اختار، في لحظة حاسمة، أن ينضم إلى صف الإمام الحسين دفاعاً عن الحق.
من هذه القصص نجد دروساً قيّمة عن الإرادة والقناعة، وعن قدرة الإنسان على اتخاذ الخيارات الصائبة بعيداً عن ضعف النفس والخوف أو تغليب المصالح الشخصية. والمقولة الشهيرة «كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء» تلخّص المعنى الأعمق لهذه الأحداث؛ فهي تعلمنا أن كل لحظة يمكن أن تكون لحظة تغيير إذا أردنا تطبيق ذلك المنهج في حياتنا اليومية. لكن إذا ما استمررنا في الاستسلام للأهواء والعنف، فلن يتحقق أي تغيير إيجابي في واقعنا.
- الدكتور خالد الأسدي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي:
الإمام الحسين (عليه السلام) سعى إلى إحياء منهج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي كان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة. فقد تغيرت معالم الحياة والتوازنات الأخلاقية والقيمية بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله)، وبدأ ذلك بشكل ملحوظ منذ حروب الردة التي استُخدمت فيها أساليب القمع والرعب. على سبيل المثال، قُتل مالك بن نويرة بطريقة بشعة، عندما وضع رأسه بين حجرين وتم إشعال النار فيه أمام الناس، في تجسيد واضح للإرهاب.
وحين جاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أراد أن يزيل تلك السياسات ويعيد الأمور إلى مسارها الصحيح. وكان هذا جزءاً من الصراع الذي أدى لاحقاً إلى مآسٍ عدة، بما في ذلك استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام). وكان المغيرة بن شعبة أحد المبادرين في ترسيخ حكم يزيد، حيث أشار على معاوية بتعيين ابنه يزيد ولياً للعهد بغية تعزيز سلطته.
وبعد أن نقض معاوية عهوده وعهد بولاية العهد ليزيد قبل وفاته، حاول الأخير إجبار الإمام الحسين (عليه السلام) على مبايعته، إلا أن الإمام رفض ذلك رفضاً قاطعاً. وهنا لجأ الإمام إلى أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة لدعوة الأمة. فعندما دخل على والي المدينة الوليد بن عتبة، دار بينهما حوار أظهر فيه الإمام رزانته وتمسكه بمبادئه. إلا أن مروان بن الحكم حاول تأليب الموقف بإلحاحه على الوليد لأخذ البيعة بالقوة أو قتل الإمام إذا رفض.
قرر الإمام الحسين مغادرة المدينة برفقة أهل بيته، وأعلن على الملأ: «إنني خارج مع نسائي، فمن لحق بنا استشهد، ومن لم يلحقنا لم يدرك الفتح». كان هدفه واضحاً؛ فقد استخدم منهج الترغيب والترهيب ليحث الناس على الوقوف معه في مواجهة الظلم والطغيان. كما أرسل الرسائل إلى مختلف الشخصيات، مثل محمد بن الحنفية وعبد الله بن جعفر الطيار، داعياً الناس إلى استعادة القيم النبيلة التي اندثرت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله).
وخلال ملحمة كربلاء، قدّم الإمام الحسين (عليه السلام) الحجة عليهم بأرقى أساليب الإقناع. وقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) ساعياً إلى إصلاح ما أفسدته السياسات بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومع ذلك، أصر أعداؤه على قتله، رافضين دعوته إلى الحق والعدل والرجوع إلى المسار القويم.
- باسم الزيدي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
المعركة بين الغرائز والعقل هي صراع أبدي يعكس مواجهة بين الباطل، الذي يمثل الشر المطلق، والعقل، الذي يجسد الخير والصلاح. هذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى بداية الخلق. في القرآن الكريم، أشار الله تعالى إلى صراع قائم بين هابيل وقابيل عندما قال: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. ويكمل السياق في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، وهو الشعار الذي يعبّر عن النهج المطلق للصلاح والإصلاح.
دور الإمام الحسين في التاريخ يمثل لحظة فاصلة ومميزة رتّبها الله بحيث منع تداخل الخطوط بين الحق والباطل. قبل هذه اللحظة قد يكون الالتباس قائماً حول ما إذا كان الحق متشابكاً مع الباطل أو العكس. لكن الإمام الحسين كان بمثابة انفجار عظيم، مثل النظريات الفلكية التي تقول إنها شكّلت الكون وحددت مساراته. الإمام الحسين بيّن بوضوح معسكر الحق وجنوده، ومعسكر الباطل وأتباعه، دون الالتفات إلى حجم أو مكانة الأفراد في هذا الصراع.
وقد أشار القرآن إلى هذا التداخل مرات عديدة، مثل ذكر فرعون وهامان وجنودهما بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، ليعلمنا أن في معسكر الشر لا يوجد فرق بين القائد ومنفذ الأوامر. وهذا الأمر لم يقتصر على زمن معين، بل يمتد إلى كل من يعمل لصالح معسكر الباطل والشر المطلق.
إذا أردنا تلخيص أسباب هذا الصراع، يمكننا حصرها في ثلاث نقاط رئيسة:
1. المال السياسي: فقد استخدمت السلطة الأموية آنذاك المال لشراء الذمم ولإفساد الناس، وهذا كان سبباً رئيساً لترسيخ الباطل.
2. استلاب العقل: أي تحويل الإنسان إلى فرد نفعي يجعل الغاية تبرر الوسيلة، كما في الفكر الميكافيلي، حيث تُعدّ المصالح الشخصية هي الغاية الأسمى.
3. تزييف الحقائق: فقد لعب الإعلام الأموي دوراً كبيراً في نشر الأكاذيب وتضليل الناس منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحتى زمن الإمام الحسين. وكان هذا التضليل يسعى إلى منح الشرعية لسلطة افتقدتها منذ البداية، وشكل الأساس لانتشار الوحشية والعنف الممنهج.
مثل هذا النهج قاد أتباع الباطل إلى حالة أشبه بالضياع الفكري والأخلاقي، بحيث باتوا كـ«الأنعام بل هم أضل سبيلاً».
في المقابل، عند مقارنة الحق بالباطل، نجد أن أحد العلماء قد استنتج ضعف الباطل بجانب الحق حتى ولو بدا ضخماً. فالباطل قد يظهر بأبهة وسلطان، لكنه في جوهره فارغ ومجرد من القوة الحقيقية. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الفكرة عندما قال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. وأوضح العالم أن الحق، حتى إن بدا صغيراً كالإبرة أمام بالونات ضخمة من الباطل، يكفيه وخزة صغيرة ليبدد ادعاءات الباطل المفخخة بالمظاهر الزائفة، بينما يتميز الحق بجوهره المعنوي الخالص الذي لا يحتاج إلى تضخيم أو خداع ليثبت مكانته.
- حيدر الأجودي؛ باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:
الحديث عن عاشوراء يتجاوز كونه استعراضاً لأحداث تاريخية؛ فهو تعبير عن صراع أزلي بين مشروعين متناقضين: أحدهما يسعى إلى الحفاظ على كرامة الإنسان وصون حقوقه، بينما يقف الآخر على النقيض، ويسعى إلى سحق إنسانية الإنسان وانتهاك كرامته. ما حدث في كربلاء لم يكن نتاج لحظة عابرة، بل هو نتيجة لتراكمات سياسية واجتماعية تضخمت على مر الزمن.
ويتجلى أحد أسباب ذلك الواقع في الانسياق وراء المصالح الشخصية والسعي إلى الحفاظ على النفوذ والسلطة. فقد أصبح كثيرون أدوات بيد السلطة لتحقيق مكاسبهم، متناسين المبادئ والقيم، بل بائعين لها حفاظاً على مصالحهم الضيقة. وإلى جانب ذلك، كان الخوف من قول الحق عاملاً حاسماً في ترسيخ هذا الانحراف. فأغلب الناس كانوا يدركون من هو الإمام الحسين (عليه السلام)، ويعلمون مكانته ونسبه الشريف، إلا أن الرهبة من مواجهة السلطة ظلت تقيد ألسنتهم وشجاعتهم.
ومن هنا، نجد أن الوقوف على الحياد في مثل تلك الظروف لم يكن يعني البراءة من الجريمة، بل كان مشاركة غير مباشرة في تعزيز الظلم والانحراف. كذلك مات الضمير لدى الكثيرين بفعل انتشار الفساد وظاهرة أكل الحرام وما رافق ذلك من انحدار أخلاقي مريع، الأمر الذي أدى إلى طمس معايير التمييز بين الحق والباطل.
أما السؤال الذي يبقى حاضراً في كل العصور، فهو كيفية الاستفادة من منهج الإمام الحسين (عليه السلام) بعد استشهاده، ومن نهج جميع الأئمة عبر التاريخ. إنه سؤال متجدد يمتد تأثيره حتى العصر الحاضر، إذ يشمل كيف يمكننا استخلاص العبر من هذا النهج وتطبيقها في حياتنا اليومية. وما يميز الإمام الحسين ومنهجه أنه قدم الأخلاق والرحمة والإحسان كأساليب مواجهة في كل خطوة من خطواته، حتى مع أعدائه.
والأمر الآخر الذي يبرز في نهج الإمام هو كيفية مواجهة الظلم. فبدلاً من الرد بالعنف أو الانتقام، قدّم الإمام الحسين نموذجاً فريداً في مقاومة الظلم بلا عنف. وهذه الطريقة تؤكد أن مقابلة الظلم بالظلم لا تصنع فارقاً أخلاقياً ولا تؤسس لعدالة حقيقية. فلا يمكن تجزئة القيم؛ فالدعوة إلى العدالة والكرامة تتطلب قبول التعايش وقبول الآخر.
أخيراً، يمكن القول إن الإمام الحسين قد استشهد بجسده، لكنه انتصر بقيمه الإنسانية ومبادئه الإسلامية التي جعلت من ذكرى عاشوراء رمزاً خالداً للحرية والعدالة والكرامة. وبهذه القيم السامية ترسخت ذكرى الإمام في وجدان الأمة، وظلت حيّة تضيء دروب الثائرين والمصلحين عبر العصور.
- محمد علاء الصافي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
المنهج القائم على العنف غالباً ما يكون نقيضاً تاماً لمنهج اللاعنف، وهو يستند إلى مفهوم مادي يتحكم بالمجتمعات ويدفعها إلى إخراج أسوأ ما في داخلها. ويُعد الجشع والحقد من المحركات الأساسية لهذه المشاعر السلبية، سواء كان ذلك نابعاً من الطبيعة البشرية أم نتاجاً للتربية ومنهج أخلاقي يُغرس في النفوس. وغالباً ما يستخدم الحكام هذه الميول لتأجيج الصراعات والسيطرة على الشعوب، بهدف الحفاظ على سلطتهم ومصالحهم.
عندما ننظر إلى واقعنا اليوم، نجده لا يختلف كثيراً عما كان عليه قبل مئات أو حتى آلاف السنين. فالوقود الأساسي لمنهج العنف، وهو السعي وراء المال والسلطة، لم يتغير. وقد أشار الإمام الحسين (عليه السلام) إلى جوهر هذه الأزمة عندما وصف أعداءه بأنهم فقدوا البصيرة بقوله: «امتلاء بطونهم بالحرام»، وهي إشارة إلى نمط حياة مبني على كسب غير مشروع، كالربا والعادات السلبية التي ورثتها المجتمعات عبر العصور.
حتى اليوم، يستمر استغلال هذا المحرك، أي المادة، لتغذية العنف، سواء عبر سيطرة الحكام على شعوبهم أو من خلال التضليل الديني، حيث تُستخدم العقيدة لتبرير الظلم والقمع باسم الدين. وهذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل هي متكررة في تاريخ البشرية. على سبيل المثال، كانت الحروب الصليبية تقنع الجيوش بأن هدفها حماية الأرض المقدسة، في حين كانت دوافعها الحقيقية مادية وسياسية. والأمر ذاته يتكرر اليوم مع التنظيمات المتطرفة مثل "القاعدة" و"داعش"، التي تستغل الدين والتضليل لتجنيد الشباب ودفعهم إلى ارتكاب الفظائع.
إن مواجهة هذا المنهج الخطير تتطلب تغييراً عميقاً في طريقة التفكير، وتطوير المناهج التربوية والفكرية التي تُعطى للأجيال الصاعدة. ما نحتاجه ليس فقط توضيح الأحداث التاريخية كالتي واجهها الإمام الحسين، بل فهم السياق الثقافي والاجتماعي الذي أدى إلى تلك الجرائم وتجذر فيها. فالمسألة لا تقتصر على صراعات سياسية أو خلافات على السلطة، بل هي جزء من مشهد أوسع يشمل فساداً أخلاقياً واستغلالاً ممنهجاً للقيم والشعارات.
وللتعلم من التجارب العالمية، يمكننا أن نتأمل التجديد الذي شهدته بعض المجتمعات، مثل اليابان والصين، حيث تحولت شعوب عاشت الحروب والمآسي إلى مجتمعات مسالمة ومنتجة بعد قرن واحد فقط من الزمن. اليابان، مثلاً، كانت تشتهر بممارسات عنيفة خلال القرن الماضي، لكنها بفضل التعليم والإصلاح الفكري أصبحت رمزاً للتقدم والسلام.
- محمد علي جواد تقي؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
أرى أن للقيم الإنسانية مكانة جوهرية في حياتنا، وينبغي تسليط الضوء على إحدى القيم الأساسية التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، والتي أعطاها بعداً متكاملاً ومميزاً، وهي قيمة الحرية. فالحرية مطلب نسعى جميعاً إلى تحقيقه وندعو إليه، سواء كان ذلك في الحق في التعبير عن الرأي أو غيره من أشكال الحريات. ومع ذلك، نجد أن الحاكم أو السلطة يميلان أحياناً إلى السماح بالتعبير عن الرأي والإفصاح عن الأفكار، دون أن يؤدي ذلك إلى أي تغيير فعلي في الواقع. والسؤال هنا هو: هل الحرية التي نمارسها بالفعل تؤدي إلى تغيير الوضع القائم؟
في معظم الأحيان، نجد أن ممارستنا للحرية تشعرنا بشيء من التحرر على المستوى الشخصي فقط، حيث نعبّر عن أفكارنا وآرائنا، لكن المجتمع في مجمله يبقى مكبلاً بأغلال الفساد والانحراف وغيرها من الظواهر السلبية. أحياناً، قد يستمع الناس لما نقوله، لكنهم يبقون على حالهم دون أن يُحدث ذلك تغييراً جوهرياً.
الإمام الحسين (عليه السلام) رسم خارطة طريق لما يمكن وصفه بالحرية الحقيقية، وهي حرية تبدأ من ثلاث مراحل أساسية، من وجهة نظري. أولاً: تبدأ الحرية من داخل الإنسان نفسه، حيث يتحرر من شهواته وأهوائه وانفعالاته الداخلية. ثانياً: التحرر من قيود المجتمع الذي قد تكون فيه عوامل القبيلة والعادات والتقاليد وغيرها من العوامل مقيدة للفرد، كما حدث في الكوفة وكان سبباً في وقوع الأحداث التي أدت إلى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام). ثالثاً: التحرر من النظام السياسي القائم أو السلطة الظالمة التي تسلب الإنسان إرادته.
ما كان الإمام الحسين (عليه السلام) يطمح إليه فعلياً هو استعادة الحق في اتخاذ القرارات بحرية ذاتية وبقناعة كاملة. وما قام به يوم عاشوراء يعكس هذه الحرية بأسمى معانيها؛ إذ إنها كانت رسالة ملهمة لأجيال عديدة من "الأحرار" عبر التاريخ. وهؤلاء الأحرار هم الأبطال الذين استطاعوا إحداث التغيير الحقيقي خلال مختلف الأزمنة.
لو لم تكن هذه البلورة لرؤية الحرية متجذرة ومدروسة منذ عهد الإمام الحسين (عليه السلام)، لما تمكّنا من السير على نهجها والاسترشاد بها لرفض الطغاة الذين يسعون دائماً للهيمنة على الشعوب وتسيير المجتمعات وفق مصالحهم وأهوائهم. وللأسف، لا يزال قسم كبير من الأمة مقيداً بأساليب قمعية تشمل التحكم بالحكام والإعلام والمال والتقاليد والأعراف. ونتيجة لذلك، يفتقد الكثيرون القدرة على تحقيق الحرية الحقيقية واتخاذ قرارات مستقلة تسهم في تغيير مسار المجتمعات نحو الأفضل.
- الدكتور حسين سرحان؛ باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
أركز اهتمامي على قضيتين أساسيتين، الأولى قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، وما تمثله من نهج سلمي وإنساني وقيم عظيمة. وعند الحديث عنها، من المهم أن نحافظ على التوازن؛ فلا ننتقص من أهمية الحدث، ولا ننفي عنه الجانب العاطفي الذي يحفز التعاطف مع هذه الجريمة الكبرى التي حدثت، وفي الوقت ذاته يجب أن نتجنب حصر هذا النهج ضمن الشعارات والكلمات فقط. فالقضية ليست مجرد ذكرى، بل سؤال جوهري يطرح نفسه: كيف يمكن لأمة تستحضر الإمام الحسين وقيمه أن تعيش في مستوى أخلاقي وقيمي متدنٍّ إلى هذه الدرجة؟
الدين، في جوهره وفلسفته البسيطة، يسعى إلى توجيه الإنسان نحو منظومة قيمية وأخلاقية تحفزه ليحيا حياة ذات رسالة ومعنى. ولهذا جاءت الأديان السماوية والوضعية لتقديم منظومات ثقافية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، تهدف إلى تعزيز رفاه الإنسان وتحقيق العدالة المجتمعية. وقضية كربلاء وتجديد الإمام الحسين للقيم التي أرسى دعائمها جده النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، ووالده الإمام علي (عليه السلام)، جاءت كرد فعل على انهيار تلك القيم بسبب استبداد معاوية وابنه يزيد وغيرهما من الحكام الجائرين. لقد سعى الإمام الحسين إلى إعادة الحياة إلى تلك القيم الإنسانية التي من شأنها أن ترقي بالمجتمع والإنسان.
هذه القيم لا تزال ضرورية في كل زمان ومكان، ولكن ما نعيشه اليوم هو صراع كبير بين منظومتين: منظومة غرائزية تعزز اللاعدالة، ومنظومة قيمية إنسانية ترفع الإنسان. وللأسف، أصبحنا أسرى هذه المنظومة الغرائزية غير الإنسانية.
ما أسعى إليه ليس مجرد استحضار قضية كربلاء بشكل عاطفي أو لمجرد رفع الشعارات، بل التركيز على الجانب الموضوعي والبنيوي لهذه المنظومة القيمية. يجب أن ننظر إلى قضية الإمام الحسين كدعوة متجددة لاستعادة إنسانيتنا ورفض الانغماس في الغرائزية السائدة، والعمل من أجل العدالة والقيم التي لا تزال حاجة ملحة في المجتمعات الحالية.
- حسن كاظم السباعي؛ باحث وكاتب:
يمكن القول إن هناك سببين في سلوك سبيل العنف والعدوان:
السبب الأول: حينما يتكاسل الفرد أو يعجز، أو يحصل مانع في طريقه يحول دون حصوله على المال، فإن له سبيلين: إما أن يرفع تلك الموانع بجهد ومثابرة، وإما أن يسلك طريقاً غير شرعي من سرقة واحتيال ونصب وسحت واختلاس وما شابه. ولا شك أن الشخص السليم يسلك الطريق الأول وإن طال به الزمن، بينما الذي لا يمتلك سلامة وورعاً يسلك السبل غير الشرعية، زاعماً أنها الأسرع والأسهل.
وبناءً على هذا المثال، فإن الذي يسلك سبيل العنف والتوحش والعدوان، إنما يسلكه لأنه لم يحصل على مبتغاه من خلال الطريق الشرعي، وبدلاً من أن يرفع الموانع، يسلك ما يخالف الفطرة السليمة. ويتضح هذا المعنى من خلال قوله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾؛ إذ بدلاً من أن يسلك طريق العقلانية ليرفع المانع الذي أدى إلى رفض قربانه، قتل الذي تُقبل قربانه، ظاناً أنه بذلك يصل إلى مبتغاه، ولكنه خسر خسارة مضاعفة أخرى. ومثله كمثل السارق الذي سيقع في النهاية في قبضة القانون، ولم يصل إلى ما أراده من السرقة.
والسبب الثاني: قد يكون الفرد سليم الفطرة، وذا نية طيبة، وهدفه نبيل ونزيه عن أي عنف وتوحش، إلا أنه يجيز، في سبيل الوصول إلى الهدف، أن يتجاوز بعض حدود اللاعنف فيقع في العنف، حتى وإن كانت درجة العنف ضئيلة، كالعنف اللساني، أو ممارسة بعض الضغط من تهديد أو إيهام أو خداع أو إخفاء بعض الحقائق، أو عدم الالتزام ببعض أسس الأخلاق. ولكنه أيضاً يُعد عنفاً وإن كان بدرجات خفيفة؛ وذلك إذا عرفنا أن العنف هو انتهاج أي وسيلة غير سليمة أو لا أخلاقية للوصول إلى الهدف، وإن كان بسيطاً. فـ «مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ الْإِثْمُ بِهِ، وَالْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ»، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام).
وبناءً على هذين السببين، فإن نظرة إلى معركة الكرامة في أرض الطف، منذ انطلاقتها الأولى وحتى نهايتها، ترينا بوضوح وتجَلٍّ تام خلوها من أبسط درجات العنف وأعظمها. فمنذ انطلاقتها، حين خرج أبو الشهداء (عليه السلام) من المدينة، لم يستخدم أي درجة من الإيهام أو الدعاية أو الخداع الإعلامي في سبيل كسب المزيد من الأفراد، وإنما كان صادقاً معهم إلى أبعد الحدود حينما صرّح لهم بأنه لا يلوح في الأفق نصر عسكري أو مكسب سياسي. وفي ليلة العاشر أيضاً أحلّهم من بيعته، حتى من كان واقفاً على حقيقة الأمر باختياره دون أي التباس أو حرج، فتحولت البيعة، وهي نزيهة في ذاتها، وسليمة في أسسها، واختيارية من بدايتها، إلى نزاهة وسلمية واختيارية مضاعفة وإلى أبعد الحدود.
ولم يكتفِ الإمام (عليه السلام) بانتهاج هذا النهج مع أصحابه والحاملين لمبادئه، وإنما انتهج النهج نفسه مع الطرف الآخر؛ فقد أدرك (عليه السلام)، منذ أول رسالة من أهل الكوفة، أنها خدعة أو أنهم قد يتقلبون بتقلب المعادلات، إلا أنه جعل الأصل في براءة الأفراد، وافترض الصدق في النيات، فقبل منهم ظاهرهم، مع أنه كان باستطاعته أن يواجههم بالأساليب نفسها، أو يمارس ما يألفه الساسة من أساليب في المكر والغدر. هذا ناهيك عن سائر تعامله، من سقي القوم وترشيف خيلهم ترشيفاً، وهم على نقيض تام من ذلك التعامل.
وفي نهاية مطاف الطف، حمل الطفل الرضيع، والطفل رمز للسلم والبراءة، على أن يسقوه، لا لأن الماء سينقذه، فقد كان في حالة التلظي ولا جدوى من الإرواء، وإنما لأن القوم كانوا أحوج إلى سقي الطفل الرضيع بالماء من حاجة الرضيع نفسه إلى الماء، حيث تحوّل إلى آخر فرصة لإنقاذ من كان يسقيه. فكان إتيانه، وهو بهذا العمر وتلك الحالة، رسالة سلام لا حرب؛ فهو ليس جندياً يحمل السلاح للقتال، وإنما وليد حديث يحمل الابتسامة لانشراح الصدر ورد الروح: فولدا في ساعة هو والردى.
من هنا، فإن اللاعنف أحمد عاقبة، وإن كان صعباً على النفس، في سبيل الوصول إلى الهدف، وصاحبه سيخلد إلى الأبد، على عكس العنف الذي يزول بزوال صاحبه.
- صادق الطائي؛ باحث وكاتب:
من عادة الحروب في الأزمنة الماضية وفي هذا الوقت أن تكون بعيدة عن شيء اسمه قيم ورأفة وحقوق إنسانية، بل يعتبرها الكثير مجرد شعار دعائي ولغة يجيدها الصحفيون فقط، إنما الحرب ببساطة عنف وقساوة وتجاوزات إرهابية.
أما معركة الإمام الحسين في كربلاء، فقد كانت بعيدة كل البعد عن النوازع الدنيوية والحس العشائري المرفوض دينياً، بل كانت صراعاً إنسانياً صاحب مبادئ عالية. فمثلاً، كان يطرح الحجة والدليل، ويتجنب طريق العنف والدماء وعدم البدء بعملية القتال، مع أنها كانت ممكنة. وقد نهى ابن عوسجة عن قتل شمر بالسهم عن بُعد، حيث قال: «إني أكره أن أبدأهم بقتال قط». بل إنه كان يدعو إلى الإصلاح والعمل المقبول دينياً وأخلاقياً: «إني لم أخرج بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله».
ولكن الطرف الآخر، من الذين باعوا الحس الإنساني والمنهج القويم ببضع دراهم معدودة من بني أمية، تقدموا لمحاربة الإمام الحسين وأصحابه الفدائيين الذين ضحوا بأنفسهم من أجل المبادئ السامية والعالية التي يحملها قائدهم الإمام الحسين. لقد كان أعداء الحق متعطشين للقتل والإرهاب، حتى إن الطفل الرضيع لم يسلم من جرائمهم، وكذلك الطفلة اليتيمة بنت عقيل. وقد ترك لنا المعسكر الأموي السلب والنهب والقتل والتقتيل وإيذاء الأطفال والنساء وحرق الخيام وعدم إبقاء أي شيء. هذه هي أخلاقيات جيش بني أمية؛ فأين القيم الأخلاقية والمنهج الإنساني والحس النبيل الذي يدعو إلى نبذ العنف والعدوان؟
استنتاجات وتوصيات
1. الاستنتاج: تؤكد واقعة عاشوراء أن القيم الإنسانية لم تكن شعاراً نظرياً في حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل كانت منهجاً عملياً تجسّد في الرحمة، والعدل، والحرية، وصون الكرامة، حتى في مواجهة الخصوم.
التوصية: ضرورة تقديم عاشوراء في الخطاب الديني والثقافي بوصفها مدرسة إنسانية متكاملة، لا مجرد واقعة تاريخية، مع إبراز قيمها العملية القابلة للتطبيق في الحياة العامة.
2. الاستنتاج: اختار الإمام الحسين (عليه السلام) منهج اللاعنف ما أمكنه ذلك، فلم يبدأ القتال، ولم يستغل حرمة الأماكن المقدسة، وحرص على الوعظ والإرشاد وإقامة الحجة قبل المواجهة.
التوصية: ينبغي ترسيخ ثقافة اللاعنف في المناهج التربوية والخطاب الديني والإعلامي، بوصفها قيمة حسينية أصيلة في إدارة الخلاف ومواجهة الانحراف.
3. الاستنتاج: أثبتت كربلاء أن القوة الأخلاقية قد تتفوق على القوة العسكرية، فقد خسر الإمام الحسين (عليه السلام) المعركة عسكرياً، لكنه انتصر قيمياً وتاريخياً وإنسانياً.
التوصية: ضرورة إعادة تعريف مفهوم النصر في الوعي المجتمعي، بحيث لا يُقاس بالغلبة المادية فقط، بل بقدرة المبادئ على البقاء والتأثير وصناعة الوعي.
4. الاستنتاج: العنف في جوهره نقيض للقيم؛ لأنه يقوم على الغريزة والسيطرة والإكراه، بينما يقوم المنهج الحسيني على العقلانية والرحمة وضبط النفس والمسؤولية.
التوصية: إطلاق برامج فكرية وثقافية لمواجهة تبرير العنف باسم الدين أو السياسة أو المصلحة، وتأكيد أن الوسائل غير الأخلاقية لا تصنع إصلاحاً حقيقياً.
5. الاستنتاج: أحد أسباب التوحش والعدوان هو غياب القدوة الصالحة، ولا سيما عندما تتحول السلطة أو القيادات إلى نماذج للفساد والقسوة والاستبداد.
التوصية: تعزيز مفهوم القدوة الأخلاقية في القيادة، وربط الشرعية السياسية والاجتماعية بمدى الالتزام بالنزاهة، وخدمة الناس، واحترام كرامتهم وحقوقهم.
6. الاستنتاج: أظهرت المداخلات أن تسييس الدين وتحويله إلى أداة في يد السلطة يؤدي إلى تشويه القيم الدينية وزيادة العنف والانقسام داخل المجتمع.
التوصية: ضرورة حماية الدين من التوظيف السلطوي والحزبي، وبناء خطاب ديني مستقل يقدّم القيم بوصفها معياراً لإصلاح السياسة لا أداة لتبريرها.
7. الاستنتاج: تؤكد عاشوراء أن الحرية ليست مجرد تعبير عن الرأي، بل تبدأ من تحرر الإنسان من شهواته وخوفه ومصالحه، ثم تمتد إلى مواجهة المجتمع المنحرف والسلطة الظالمة.
التوصية: ينبغي تعميق مفهوم الحرية في الثقافة العامة، وربطه بالمسؤولية الأخلاقية، والشجاعة المدنية، والقدرة على اتخاذ الموقف العادل عند الأزمات.
8. الاستنتاج: ما يزال الخطاب الحسيني بحاجة إلى تحديث في الأسلوب واللغة وآليات العرض، لكي يصل إلى الأجيال الجديدة التي تعيش في بيئة رقمية وثقافية مختلفة.
التوصية: تطوير الخطاب الحسيني عبر أدوات معاصرة، ولغة قريبة من الشباب، ومنصات رقمية جذابة، مع الحفاظ على أصالة المضمون وعمق الرسالة.
9. الاستنتاج: إن الشعائر الحسينية لا تكتمل وظيفتها إذا بقيت محصورة في العاطفة، بل تبلغ غايتها حين تتحول إلى وعي وسلوك وموقف عملي ضد الظلم والفساد والعنف.
التوصية: تحويل المواكب والمجالس والفعاليات الحسينية إلى منصات مستمرة للتكافل، والتوعية، وخدمة المجتمع، وترسيخ القيم الأخلاقية طوال العام.
10. الاستنتاج: تقدم كربلاء نموذجاً خالداً في الجمع بين العاطفة والوعي، وبين التضحية والإصلاح، وبين الولاء للإمام الحسين (عليه السلام) والالتزام العملي بقيمه في الحياة.
التوصية: بناء مشروع ثقافي وتربوي متكامل يستثمر عاشوراء في صناعة الإنسان الواعي، المؤمن بالكرامة، الرافض للعنف، والعامل من أجل العدالة والسلام والإصلاح.





اضف تعليق