البناء على قبور الصَّالحين والبيوت المرتبطة بالأنبياء والأولياء، والممارسات المرتبطة بالتَّبرك والبكاء على العظماء، تحمل دلالات تشريعيَّة ضمن الإطار الإسلامي. فالقرآن الكريم، بسكوته أو بإقراره الضِّمني، يبيِّن مشروعية هذه الممارسات ضمن حدود العبادة لله وحده، ويؤكِّد على استمرار الاحترام والتَّقدير للشَّخصيات العظيمة عبر الزَّمن. المحافظة على المراقد والبيوت المرتبطة...

 تمثِّل قضية تهديم قبور البقيع إحدى القضايا اللافتة التي تعكس مستوىً عميقًا من الجهل بمقاصد القرآن الكريم وابتعادًا عن سنَّة الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطَّيبينَ الطَّاهرينَ (عليهم السلام). وقد أثار هذا الفعل جدلًا واسعًا حول فهم النُّصوص الشَّريفة وتطبيقها؛ حيث يظهر التَّباين بين ما رسمه القرآن الكريم من احترام للبيوت والمقامات المرتبطة بالله (تعالى) وأنبيائه وأوليائه (عليهم السلام)، وما وقع فعليًّا من ممارسات أدَّت إلى انتهاك حرمة هذه الأماكن الشَّريفة.

 لذلك، سيكون التَّركيز على دراسة أركان هذه القضيَّة من منظور قرآني محض، مستندًا إلى النُّصوص القطعيَّة والدَّالة على أحكام الله (سبحانه) في التَّعامل مع أماكن العبادة والرُّموز الدِّينية، بما يكشف الفروق الدَّقيقة بين الفهم الصَّحيح للشَّريعة وما وقع من اجتهادات غير مستندة إلى النُّصوص، وقد أدَّت إلى ممارسات مخالفة لهدي الدِّين. كما سيُسلط الضَّوء على الكيفيَّة التي يمكن بواسطتها فهم النُّصوص القرآنيَّة في سياقها التَّاريخي والتَّشريعي، بما يوضح أنَّ مخالفة هذا الفهم ينتهي إلى اختلال في التَّقدير الشَّرعي، وإلى ما يمكن اعتباره إساءة لبيوت الله (سبحانه) وبيوت الأنبياء والصَّالحين (عليهم السلام).

المحور الأوَّل: السُّكوت القرآني والإقرار الضِّمني

 من القواعد الدَّقيقة التي يُبنى عليها الفهم القرآني، أنَّ القرآن الكريم لا يكتفي بطرح الأحكام بصيغة الأمر والنَّهي المباشر؛ وإنَّما يعتمد في موارد كثيرة على (الإقرار الضِّمني) استنادًا إلى عرض مواقف الأمم السَّابقة وأعمالهم من دون تعقيبٍ بالإنكار أو الرَّدع. وهذا النَّمط من البيان القرآني يُعدُّ في علم الأصول والتَّفسير قرينةً مهمَّة؛ لأنَّ سكوت القرآن الكريم في مقام البيان –مع توفر مقتضي البيان– هو سكوتٌ كاشف عن عدم الممانعة، وقد يرقى إلى مستوى الإمضاء.

 وبعبارة أخرى: عندما يكون القرآن الكريم في موقع يفترض فيه أن يوضِّح حكمًا أو يصحِّح مفهومًا أو يعالج سلوكًا، وتكون كلُّ الظُّروف مهيَّأة لأن يتدخل بالتَّصحيح أو المنع، ثمَّ نلاحظ أنَّه لم يعترض ولم ينهَ، فإنَّ هذا السُّكوت يُفهم على أنَّه سكوت مقصود يحمل دلالة.

 وهذا السُّكوت يكشف أوَّلًا عن عدم وجود مانع شرعي من ذلك الفعل أو الفكرة؛ لأنَّ القرآن لو كان يرى فيه خللًا أو انحرافًا، لكان منسجمًا مع هدفه في الهداية أن يبيِّن ذلك، خصوصًا مع توفر الدَّاعي للبيان.

 ثمَّ إنَّ هذا المعنى قد يتعمَّق أكثر، فيرتقي من مجرَّد (عدم المنع) إلى ما يسمِّيه العلماء بـ(الإمضاء)؛ أي: أنَّ القرآن الكريم لا يكتفي بعدم الاعتراض؛ ولكن يُفهم من سكوته أنَّه يقرُّ هذا الفعل ضمنيًّا، وكأنَّه يقول: هذا الأمر مقبول في ميزان الشَّريعة.

 ولتقريب الفكرة، تخيَّل أنَّ سلوكًا معيَّنًا كان موجودًا بين النَّاس، وجاء القرآن الكريم وتحدَّث عنهم في هذا السِّياق، وكان من المناسب جدًّا أن ينهى عن ذلك السُّلوك لو كان باطلًا؛ لكنَّه لم يفعل؛ فهنا يُفهم أنَّ هذا السُّكوت إشارة ضمنيَّة إلى الجواز أو القبول، وليس حيادًا.

 وهذا الأسلوب من البيان يُظهر دقَّة الخطاب القرآني؛ وليس كلُّ حكم يُصرَّح به بشكل مباشر، وأنَّ بعض الأحكام تُفهم من طريقة العرض، ومن مواضع السُّكوت نفسها.

 ومن هذا المنطلق تظهر أهميَّة تتبُّع الآيات الكريمة التي تنقل أفعالًا أو اقتراحات صادرة عن المؤمنينَ أو العقلاء في الأُمم السَّابقة؛ حيث إنَّ القرآن، بوصفه كتاب هداية، لا يمرُّ على الانحرافات العقديَّة أو السُّلوكيَّة مرورًا محايدًا؛ وإنَّما يتدخل عادةً بالتَّخطئة أو التَّصحيح. فإذا نقل فعلًا أو توجهًا ولم يعقِّب عليه بالردِّ، كان ذلك دليلًا على انسجامه –في الجملة– مع خطِّ الهداية.

 وعند تطبيق هذه القاعدة على قصَّة أصحاب الكهف، نصل إلى دلالة بالغة الأهميَّة؛ فإنَّ القرآن الكريم ينقل لنا موقف المجتمع بعد العثور عليهم، ويصوّر حالة التَّعظيم التي نشأت اتِّجاههم، حيث قال الله (تعالى): (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً)(1)، ثمَّ ينقل قول الغالبينَ المؤمنينَ على أمرهم: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا)(2).

 ولتوضيح هذه المفارقة المنهجيَّة، يمكن الاستشهاد بما ورد في نقد القرآن الصَّريح لبعض المقولات العقديَّة المنحرفة، كما في قوله (تعالى) بشأن ما نسبه بعض أهل الكتاب: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)(3). 

 حيث لم يكتفِ القرآن بنقل القول؛ وإنَّما أعقبه بإدانة شديدة تكشف بطلانه وتفضح خلفيَّاته. وهذا النَّمط من الخطاب يدلُّ بوضوح على أنَّ السُّكوت القرآني قد يحمل في ذاته دلالة ضمنيَّة، تُفهم ضمن سياق عامّ من المقارنة بين موارد التَّصريح بالإدانة وموارد تركها.

 وأمَّا مع أصحاب الكهف فإنَّ سياق الآيات يوحي بأنَّ هذا الموقف جاء في إطار تكريم هؤلاء الفتية الَّذينَ ثبتوا على التَّوحيد، حتَّى صار موضع إجلالٍ وتقديسٍ في وعي المجتمع.

 وعليه، فإنَّ نقل فكرة البناء على قبورهم، واتِّخاذ مسجد عليها، من دون ردعٍ أو إنكار، يكشف عن أنَّ أصل هذا الفعل كان مشروعًا في الشَّرائع السَّابقة، أو على الأقل لم يكن ممَّا يُستنكر في ميزان الهداية الإلهيَّة. وهذا بحدِّ ذاته يفتح الباب أمام القول بأنَّ البناء على قبور الصَّالحين، بقصد التَّكريم والتَّبرك، ليس فعلًا منبوذًا في أصل التَّشريع.

 ويمكن أن نرتقي خطوةً أخرى في التَّحليل، فنقول: إنَّ الآية تنقل تحوّلًا اجتماعيًّا في الوعي الدِّيني؛ فقد تحوَّل أصحاب الكهف من أفرادٍ مستضعفينَ هاربينَ بدينهم إلى رموزٍ تُبنى على قبورهم المساجد، بما يعكس مشروعيَّة تعظيمهم وإحياء ذكراهم في المجتمع والبلاد.

 والسؤال المحوري: هل هذا الإمضاء القرآني يبقى في حدود الحكاية التَّاريخيَّة، أم يمكن اعتباره قاعدةً ممتدةً في الشَّريعة الإسلاميَّة، خصوصًا مع عدم ورود ناسخٍ صريحٍ ينهى عنه؟

 للإجابة عن هذا التَّساؤل، لا بدَّ أوَّلًا من تأصيل قاعدة منهجيَّة تُعدُّ من المرتكزات في فهم الخطاب القرآني، وهي: أنَّ القرآن الكريم إذا نقل تشريعًا أو ممارسةً سلوكيَّة لأممٍ سابقة بصيغة التَّقرير والإقرار، فإنَّ الأصل في ذلك البقاء والاستمرار، ما لم يَرِد دليلٌ ناسخٌ صريح، سواء من نصّ قرآني آخر أو من السُّنَّة الشَّريفة، يدلُّ على رفع هذا الحكم أو تقييده. فالقرآن الكريم هو كتاب هداية، وليس كتاب سردٍ تاريخي محايد. يتدخل لتصحيح الانحراف، ويُسجِّل موقفًا واضحًا من القضايا العقديَّة والسُّلوكيَّة. ونقله لسلوكٍ ما، أو اقتراحٍ صادر عن جماعةٍ مؤمنة أو عقلائيَّة، دون أن يُتبعه بنقدٍ أو ردع، هو إقرار على صحَّة ما قاموا به.

 وفي ضوء ذلك، يتأسَّس أصلٌ مهم: أنَّ هذا السُّلوك كان منسجمًا –في الجملة– مع ميزان التَّشريع، ما لم يثبت ناسخٌ يرفعه في الشَّريعة الخاتمة.

 وهذه القاعدة يكشف عنها الاستقراء الدَّقيق للموارد القرآنيَّة، ويتَّضح أنَّ كثيرًا من الأحكام والسُّنن التي حكاها القرآن الكريم عن الأُمم السَّابقة قد أقرَّها ضمنيًّا أو أبقاها ضمن البناء التَّشريعي العام، ما لم يُصرِّح بخلاف ذلك.

وانطلاقًا من هذا التَّأصيل، يمكن تناول بعض الموارد التَّطبيقيَّة:

المورد الأوَّل: التَّبرك بالآثار

 فقد ورد في النَّصِّ القرآني ما يدلّ على مشروعيَّة هذا النَّمط من السُّلوك في الشَّرائع السَّابقة، كما في قصَّة نبيّ الله يوسف (عليه السلام)، حين قال: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)(4)؛ فكان هذا القميص -مع كونه أثرًا مادِّيًّا- واسطةً لعودة البصر إلى نبيِّ الله يعقوب (عليه السلام). وتكشف هذه الحادثة عن إقرار مبدأ ترتّب الأثر الخاص على بعض المتعلِّقات المرتبطة بالأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، ضمن سياق الإرادة الإلهيِّة.

 وعند الانتقال إلى الشَّريعة الإسلاميَّة، لا يُعثر على نصٍّ يرفع أصل هذا المعنى أو يلغيه؛ وإنَّما تُظهر السِّيرة النَّبويَّة وما تلاها من سلوك الصحابة والتَّابعين نوعًا من الامتداد العملي لهذا الفهم، حيث نُقل عن المسلمين تبرّكهم بآثار النَّبي (صلَّى الله عليه وآله)، كالشَّعر والوضوء ونحوهما؛ الأمر الذي يكشف عن انسجام هذا السُّلوك مع المرتكزات الدِّينيَّة العامَّة، وعدم تعارضه مع الإطار التَّشريعي في الإسلام.

المورد الثَّاني: اتِّخاذ الأمكنة المرتبطة بالصَّالحين مواضع للعبادة

 الارتباط المكاني بالشَّخصيات الصَّالحة أحد الموارد التي يكشف فيها النَّصّ القرآني عن إمكان تحوّل المكان، بسبب نسبته إلى عبدٍ مقرَّب من الله (تعالى)، إلى موضعٍ يُقصد لأداء العبادة ضمن إطار مشروع. ومن أبرز الشَّواهد على ذلك ما ورد في شأن مقام الخليل إبراهيم (عليه السلام)، وهو الحجر الذي انطبعت فيه قدماه الشَّريفتانِ كما هو مشهور عند الفريقينِ، حيث ورد الأمر الإلهي بقوله (تعالى): (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (5).

 وتكشف هذه الآية عن دلالة عميقة، تتمثَّل في أنَّ خصوصيَّة هذا الموضع نشأت من انتسابه إلى نبيٍّ من أولي العزم؛ الأمر الذي أكسبه منزلةً خاصَّة ضمن المنظومة العباديَّة. وبذلك، يصبح المكان المرتبط بالصَّالحين قابلًا لأن يُدرج ضمن سياق الممارسة العباديَّة، من حيث كونه مشيرًا إلى مقام العبوديَّة الذي مثَّله ذلك العبد الصَّالح.

المورد الثَّالث: شرعيَّة القُرعة

 القُرعة من الآليات التي حظيت بحضورٍ في النُّصوص الشَّريفة بوصفها وسيلةً يُرجع إليها عند تعذُّر الوصول إلى تعيينٍ مرجِّحٍ واضح في موارد التَّزاحم أو الاشتباه. وقد وردت في الرِّوايات الشَّريفة إشاراتٌ تفصيليَّة إلى كيفيَّة تطبيقها، ومن ذلك ما نُقل عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام) قَالَ: سُئِلَ عَنْ مَوْلُودٍ لَيْسَ بِذَكَرٍ، ولَا أُنْثَى، لَيْسَ لَه إِلَّا دُبُرٌ كَيْفَ يُوَرَّثُ؟

 قَالَ: يَجْلِسُ الإِمَامُ، ويَجْلِسُ عِنْدَه نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَدْعُو اللَّه (عَزَّ وجَلَّ)، وتُجَالُ السِّهَامُ عَلَيْه عَلَى أَيِّ مِيرَاثٍ يُوَرِّثُه؛ أمِيرَاثِ الذَّكَرِ أَوْ مِيرَاثِ الأُنْثَى، فَأَيُّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَيْه وَرَّثَه، ثُمَّ قَالَ: وأَيُّ قَضِيَّةٍ أَعْدَلُ مِنْ قَضِيَّةٍ تُجَالُ عَلَيْهَا السِّهَامُ؟ يَقُولُ اللَّه (تَعَالَى): (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) (6) قَالَ: ومَا مِنْ أَمْرٍ يَخْتَلِفُ فِيه اثْنَانِ إِلَّا ولَه أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّه؛ ولَكِنْ لَا تَبْلُغُه عُقُولُ الرِّجَالِ" (7).

 وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "أوَّلُ مَن سُوهِمَ علَيهِ مَريمُ بِنتُ عِمرانَ، وهُو قولُ اللَّهِ (عَزَّ وجلَّ): (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (8)..." (9).

 وعند تحليل هذين النُّصوص، يُلاحظ أنَّها استندت في مشروعية القُرعة إلى نماذج قرآنيَّة تعود إلى الشَّرائع السَّابقة؛ الأمر الذي يكشف عن اعتماد المنهج ذاته المتقدِّم، القائم على إبقاء ما حكاه القرآن الكريم من تشريعاتٍ أو ممارساتٍ ما لم يَرِد ما يرفعها. 

 المورد الرَّابع: الاستدلال على بعض أحكام الإجارة

 مسألة الإجارة من الموارد التي يمكن تتبُّع جذورها التَّشريعيَّة عبر النَّصِّ القرآني، ضمن القاعدة المتقدِّمة القاضية باستمرار ما حكاه القرآن من تشريعات الأُمم السَّابقة ما لم يَرِد ما يرفعها. ومن أبرز الشَّواهد على ذلك ما ورد عن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) قَوْلُ شُعَيْبٍ (عليه السلام): (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) (10) أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى؟.

 قَالَ: الْوَفَاءُ مِنْهُمَا أَبْعَدُهُمَا عَشْرُ سِنِينَ.

 قُلْتُ: فَدَخَلَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الشَّرْطُ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِه؟

 قَالَ: قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ.

 قُلْتُ لَه: فَالرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ، ويَشْتَرِطُ لأَبِيهَا إِجَارَةَ شَهْرَيْنِ؛ يَجُوزُ ذَلِكَ؟

 فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى (عليه السلام) قَدْ عَلِمَ أَنَّه سَيُتِمُّ لَه شَرْطَه، فَكَيْفَ لِهَذَا بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّه سَيَبْقَى حَتَّى يَفِيَ لَه، وقَدْ كَانَ الرَّجُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، وعَلَى الدِّرْهَمِ، وعَلَى الْقَبْضَةِ مِنَ الْحِنْطَةِ" (11). فالنَّصُّ القرآني نموذج واضح لعقدٍ يجمع بين النكاح والإجارة، بما يكشف عن إمكان إدراج العمل ضمن العوض في مثل هذه المعاملات.

 ويُستفاد منه أصل مشروعيَّة إدخال العمل ضمن المعاوضات، مع مراعاة الضَّوابط التي تحكم القدرة على الوفاء والاطمئنان بتحقّق الشَّرط. كما تكشف تتمَّة الرِّواية عن سعة دائرة العوض في عقد الزَّواج في صدر الإسلام، فإنَّه لم ينحصر في الأعيان المالية الكبيرة؛ وشمل موارد يسيرة كتعليم سورة من القرآن أو مقدارٍ محدود من المال أو الطَّعام، وذلك يعكس مرونة البناء التَّشريعي في هذا الباب، مع الحفاظ على الإطار العام للمعاوضة المشروعة.

المورد الخامس: البكاء على الأموات والعظماء

 البكاء على الأموات، ولا سيَّما الشَّخصيات العظيمة والصَّالحة، ظاهرة ذات أبعاد نفسيَّة واجتماعيَّة، وقد تناولها النَّصُّ القرآني بوصفٍ يحمل دلالات إقرارٍ لا إنكار. ففي قوله (تعالى): (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ* قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (12). والآية كما هو واضح تعرض موقف نبيِّ الله يعقوب (عليه السلام) في سياقٍ يكشف عن عمق الحزن واستمراره، من دون أن يتضمَّن أيّ إشارة إلى ذمِّ هذا السُّلوك أو النَّهي عنه.

 وبصياغة أخرى: النَّبيُّ يعقوب (عليه السلام)، وهو في مقام النبوَّة، لم يُلام على شدَّة تأثُّره، وصرَّح بأنَّ شكواه متوجّهة إلى الله (سبحانه)، بما يعكس بُعدًا توحيديًا في إدارة الألم النَّفسي، حيث يتحوّل الحزن من حالة انكسارٍ إلى حالة مناجاةٍ وارتباطٍ بالله (سبحانه).

 ومن هذا العرض القرآني، يمكن استنتاج أنَّ البكاء على فقد الأحبَّة، ولا سيَّما من اتَّصفوا بالصَّلاح والعظمة، يمثِّل سلوكًا منسجمًا مع الفطرة الإنسانيَّة، كما أنَّه يحمل وظيفةً وجدانيةً تُسهم في ترسيخ معاني الوفاء والارتباط بتلك الشَّخصيات. وبالتَّالي، فإنَّ البكاء على مصائب الأولياء والعظماء هو ممارسةٌ ذات امتدادٍ معرفيّ ونفسي، تُبقي حضور تلك النَّماذج حيًّا في الوعي الفردي والجماعي.

 وبهذا البيان، يمكن إعادة قراءة آيات أصحاب الكهف ضمن الإطار المنهجي المتقدِّم، حيث تظهر دلالتها بوصفها امتدادًا منسجمًا مع تلك المنظومة القرآنيَّة. فإنَّ قوله (تعالى): (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا)(13) يندرج ضمن سياقٍ عام يعكس توجّهًا قائمًا على استحضار رمزية الصَّالحين وإدماجها في المنظومة العباديَّة والاجتماعيَّة للأُمَّة.

المحور الثَّاني: الإذن القرآني والتاريخي في تعظيم البيوت

 إنَّ الرِّوايات التي قد تُفهم منها معارضة بناء القبور أو اتِّخاذها مواضع عبادة، ليست وحدها في الميدان؛ وإنَّما تقابلها آياتٌ بيِّنات ورواياتٌ شريفة أخرى تحثُّ على البناء ورفعه، وتؤكِّد الارتباط بالقبور الشَّريفة والعناية بها بوصفها امتدادًا لذكر الصَّالحين في وجدان الأُمَّة؛ ولأنقل لكم في هذا المقام بعض الشَّواهد الكافية لإثبات المطلوب:

الشَّاهد الأوَّل: الإذن في ترفيع بيوتٍ 

 قال الله (عزَّ وجلَّ): (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ)(14). 

 تُبيِّن هذه الآية خصوصيَّة طائفةٍ من البيوت التي نالت إذنًا إلهيًّا بالتَّرفيع، مقرونًا بكونها أماكن لذكره وتسبيحه (جلَّ جلاله). ويُبنى الاستدلال بهذه الآية على تحليل مفهومينِ أساسيينِ وردا فيها، أوَّلهما: تحديد المراد من "البيوت"، وثانيهما: بيان حقيقة "التَّرفيع" المذكور فيها.

 أمَّا بالنسبة إلى المفهوم الأوَّل، فإنَّ دلالة لفظ "البيوت" لا تنحصر في المساجد بالمعنى الاصطلاحي؛ فـ" أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل؛ لأنَّه يقال: بَاتَ: أقام بالليل، كما يقال: ظلَّ بالنَّهار، ثمَّ قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أَبْيَات وبُيُوت، لكن البيوت بالمسكن أخصّ وقوله (تعالى): (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ)(15)، قيل: بيوت النَّبيِّ –صلَّى الله عليه وآله- نحو: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)(16)، وقيل: أشير بقوله: (فِي بُيُوتٍ) إلى أهل بيته وقومه. وقيل: أشير به إلى القلب"(17).

 وتشمل -بحسب سياق الآية- كلّ موضعٍ يُذكر فيه اسم الله (تعالى) وتُقام فيه مظاهر العبادة، سواء أكان مسجدًا أم غيره. ومن هذا المنطلق، يمكن إدراج بيوت الأنبياء والأئمَّة والصالحين (عليهم السلام) ضمن أبرز مصاديق هذه الآية، بوصفها أماكن اقترنت بذكر الله (تعالى).

 ويمكن الذَّهاب إلى احتمالٍ آخر، وهو أنّ المقصود من "البيوت" يختلف عن المساجد، وذلك "لأن البيت عبارة عن قاعة وجدار وسقف وباب"(18)، كما يُستفاد ذلك من موارد الاستعمال القرآني، كقوله (تعالى): (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ)(19)، حيث يُفهم منه اقتران مفهوم البيت بالسَّقف بوصفه جزءًا من هيكله. وفي المقابل، تُظهر بعض الموارد الفقهيَّة استحباب عدم تسقيف المساجد (20)، كما هو مشاهد في بعض النَّماذج التَّاريخية كالمسجد الحرام، وهذا يفتح المجال للتَّمييز بين المفهومينِ.

 وعلى هذا الأساس، فإنَّ لفظ "البيوت" في الآية الكريمة إمَّا أن يكون شاملًا للمساجد وغيرها من الأمكنة التي يُذكر فيها اسم الله (تعالى)، أو مختَّصًا بغير المساجد مع بقاء شمول الحكم لها بدليلٍ آخر. وفي كلا التقديرينِ، تتَّضح خصوصيَّة هذه الأمكنة التي أُذِن لها بالتَّرفيع، تمهيدًا للبحث في طبيعة هذا التَّرفيع وحدوده، وما يرتبط به من دلالاتٍ تشريعيَّة.

هذا بالنسبة إلى المفهوم الأوّل. وأمَّا المفهوم الثَّاني، وهو المراد من "التَّرفيع" الوارد في الآية الكريمة، فيدور بين احتمالينِ رئيسينِ:

الأوَّل: أن يُراد به الرَّفع الحسِّي الظَّاهر؛ أي: ما يتحقَّق من خلال إقامة البناء وتشييده وترسيخ قواعده، كما في قوله (سبحانه): (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(21).

 حيث استُخدم الرَّفع للدلالة على إنشاء البناء وإتمامه. وعلى هذا التَّفسير، تكون الآية دالّة على مشروعيَّة تعمير هذه البيوت المرتبطة بذكر الله (تعالى)، وصيانتها من الاندثار، سواء في حياة أصحابها أو بعد رحيلهم. ولا يخفى أنّ كثيرًا من مدافن الأنبياء والأولياء تقع ضمن بيوتهم أو في أمكنة ارتبطت بحياتهم، فيكون تشييدها والعناية بها داخلًا في دائرة ما أُذِن به شرعًا.

الثَّاني: أن يُحمل الرَّفع على البعد المعنوي: أي: منح المكان منزلةً رفيعة ومكانةً عالية(22)، كما في قوله تعالى: (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا)(23)، فيكون المقصود الإذن بتعظيم هذه البيوت وتكريمها وصونها عمَّا لا ينسجم مع قدسيتها، بوصفها محالّ ارتبطت بذكر الله (تعالى) وبحضور أوليائه (عليهم السلام).

 وعلى ضوء هذينِ الاحتمالينِ، يتَّضح أنَّ الآية -بغضِّ النَّظر عن تعيينِ أحد المعنيينِ- تشير إلى نوعٍ من العناية الخاصَّة بهذه البيوت، إمَّا على مستوى البناء المادِّي أو على مستوى المكانة المعنويَّة، أو كليهما معًا.

الشَّاهد الثَّاني: الأُمَّة الإسلاميَّة والبناء على القبور

 عند انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربيَّة وامتداده إلى مناطق واسعة من الشَّرق الأوسط، واجه المسلمون واقعًا قائمًا يتمثَّل بوجود قبورٍ للأنبياء والأولياء (عليهم السلام) معروفة المعالم، وقد أُقيمت عليها أبنية، واتُّخذت لها مظاهر عمرانيَّة كالسقوف والقباب، واشتمل بعضها على أضرحةٍ منظّمة، وقد بقيت آثار عددٍ منها إلى الأزمنة المتأخِّرة.

 ففي مكَّة المكرَّمة، يُنسب قبر النَّبي إسماعيل وأمّه هاجر (عليهما السلام) إلى الموضع المعروف بحِجر إسماعيل، كما تُنسب قبور عددٍ من الأنبياء إلى مناطق مختلفة، كقبر النَّبي دانيال (عليه السلام) في مدينة شوش في إيران، وقبور الأنبياء هود وصالح ويونس وذي الكفل (عليهم السلام) في العراق. كما تُذكر قبور أخرى في الأردن، وقد أُقيمت عليها أبنية واضحة المعالم. ويُضاف إلى ذلك ما اشتهر من نسبة قبر السيدة حوّاء (عليها السلام) إلى مدينة جدّة، حيث كانت له معالم معروفة قبل أن تتعرَّض للإزالة في مراحل لاحقة.

 إنَّ هذه المعالم كانت قائمةً ومرئيةً للمسلمينَ عند دخولهم تلك البلاد، ومع ذلك لم يُنقل عنهم موقفٌ عام يقضي بإزالتها أو الاعتراض على أصل وجودها، كما لم تُسجَّل دعواتٌ منهجيَّة إلى هدمها أو منع إعادة بنائها، على الرَّغم من تعاقب الأجيال وتطاول الأزمنة. ويُلاحظ أنَّ التَّعامل معها جرى في إطار الإبقاء والصيانة في كثيرٍ من الحالات، وهو ما يكشف عن فهمٍ ضمنيٍّ يميّز بين التَّكريم المرتبط بآثار الأنبياء (عليهم السلام)، وبين الممارسات المنافية للتَّوحيد.

 والنتيجة من هذا السُّلوك التاريخي أنَّ المسلمين -بمختلف طبقاتهم-قد تعاملوا مع هذه الأبنية بوصفها مظهرًا من مظاهر الاحترام للأولياء، لا باعتبارها موضوعًا للعبادة، وهو ما ينسجم مع الرُّؤية التي تقرِّر أنَّ تعظيم المرتبطين بالله (تعالى) يُفهم في سياق التَّقرب إليه، لا في إطار الاستقلال عنه. ولذلك، فإنَّ صيانة هذه الآثار تُعدُّ امتدادًا طبيعيًا لهذا الفهم.

 وخلاصة ذلك، أنَّ استمرار وجود هذه الأبنية والقباب على مرِّ قرون طويلة، وفي محضر العلماء والفقهاء، مع عدم صدور موقفٍ عام بإزالتها، يمثِّل قرينةً تاريخيَّة ذات دلالة على جواز هذا النَّمط من البناء ضمن الإطار العام للشَّريعة، مع بقاء الضَّوابط المرتبطة بأصل التَّوحيد ومنع الانحراف في الممارسة.

 وبعد هذا العرض للنُّصوص القرآنيَّة والتَّاريخيَّة وما يندرج في إطارها من دلالاتٍ تشريعيَّة، يبرز تساؤلٌ جوهريٌّ يتعلَّق بالموقف من تلك البيوت التي اكتسبت خصوصيتها من ارتباطها المباشر بالوحي وذكر الله (تعالى). فكيف يمكن تفسير الإقدام على هدم بيوت آل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهي التي شكَّلت عبر التَّاريخ مواضع لنزول الرَّحمة، ومراكز لإحياء معالم الدِّين وتعاليمه؟

 إنّ هذه البيوت كانت حواضن للرسالة، وفضاءات ارتبطت بالذِّكر والعبادة، وتوجَّهت إليها قلوب المؤمنين على امتداد الأزمنة، يقصدونها للزِّيارة والدُّعاء والتَّسبيح، في مشهدٍ يعكس حضورها الكبير في الوعي الدِّيني للأمَّة. 

 كما يزداد هذا الإشكال وضوحًا في ضوء ما نُقل عن أبي برزة وأنس وبريدة: "أنَّ رسول اللَّه صلَّى الله عليه-وآله- وسلَّم قرأ هذه الآية: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ)، فقام رجل، فقال: أيّ بيوتٍ هذه يا رسول اللَّه؟

 قال: "بُيوتُ الأنبيَاء". قال: فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول اللَّه هذا البيت - لبيت علي وفاطمة - منها؟ قال: "نعم، من أفاضلها"(24). ويفتح هذا البيان مجالاً لفهمٍ أوسع لمصداق هذه البيوت، بوصفها امتدادًا لخطّ النبوّة ومحلًّا لتمثّل القيم الإلهيَّة في الواقع الإنساني.

المحور الثَّالث: التَّمييز بين العبادة والتَّعظيم

 إنَّ الإشكال الأبرز الذي يُثار في هذا الباب، لا ينشأ من النُّصوص بقدر ما ينشأ من الخلط بين مفهومي "التَّعظيم" و"العبادة". وهذا الخلط إذا لم يُفكَّك، سيبقى كلُّ استدلال عرضةً للنَّقض.

 فالعبادة –في حقيقتها– إنَّما هي خضوعٌ وتذلل يُقصد به التَّأليه والرُّبوبيَّة، ويُمارس على نحو الاستقلال. أمَّا التَّعظيم، فهو إظهار الاحترام والتَّكريم، من دون أن ينطوي على نسبة الألوهيَّة أو الاستقلال في التَّأثير.

 وهذا الفارق تؤكِّده الشَّواهد القرآنيَّة نفسها؛ فقد أُمر الملائكة بالسُّجود لآدم (عليه السلام)، ولم يكن ذلك عبادةً له؛ بل تكريمًا بأمر الله (سبحانه). كما أنَّ تعظيم الكعبة، وتقبيل الحجر الأسود، هو تعظيم لما يرتبط بالله (تعالى).

 وهكذا، فإنَّ تعظيم قبور الصَّالحين، أو اتِّخاذها مواضع للعبادة، لا يكون شركًا إلَّا إذا تحوَّل إلى عبادةٍ استقلاليَّة تُصرف لغير الله (تعالى). أمَّا إذا بقي ضمن إطار التَّذكير بالله (عزَّ وجلَّ)، والارتباط بأوليائه (عليهم السلام)، فإنَّه يندرج ضمن التَّعظيم المشروع.

 ولِما لهذا المحور من أهميَّةٍ بالغة، سنسعى إلى بسطه بشيءٍ من التَّفصيل، على هيئة نقاط متدرجة تتكامل فيما بينها، لنصل في ختامها إلى نتيجةٍ واضحةٍ:

 النُّقطة الأولى: التَّوحيد الأساس الجامع

عبادة الله (سبحانه) على نحو الانفراد، ونفي كلِّ أشكال الشِّرك في مقام العبادة، المحور الأساس الذي قامت عليه دعوات الأنبياء والرُّسل والأوصياء (عليهم السلام)، والمرتكز الجوهري في منظومة التَّشريع الإلهي عبر مختلف الرِّسالات. فالتَّوحيد —بوصفه مبدأً عقديًّا وعمليًّا— شكَّل الغاية المركزيَّة التي تدور حولها سائر الأحكام والتَّوجيهات، بحيث يمكن القول: إنَّ الرِّسالات السَّماوية، في جوهرها، جاءت لترسيخ عبودية الإنسان لله (سبحانه) وحده، وتحريره من كلِّ أشكال الخضوع لغيره، سواء في الاعتقاد أو في الممارسة.

 وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بوضوحٍ لافت، عبر تأكيده على وحدة الهدف في بعثات الأنبياء (عليهم السلام)، كما في قوله (سبحانه): (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(25)؛ إذ جمع بين الأمر بإفراد الله (تعالى) بالعبادة والنَّهي عن كلّ ما يُمثِّل انحرافًا عن هذا الأصل. كما أكَّد هذا المعنى في سياقٍ آخر بقوله (جلَّ جلاله): (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)(26)، وهو نصٌّ يُظهر أنَّ مضمون الوحي في مختلف العصور قد انصبَّ على هذا الأساس الجامع.

ولم يقتصر الخطاب القرآني على بيان هذه الحقيقة ضمن الإطار الإسلامي؛ وإنَّما قدَّمها بوصفها قاسمًا مشتركًا بين جميع الشَّرائع، كما في قوله (تعالى): (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلّا نَعْبُدَ إِلّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا)(27)، حيث دعا إلى الالتقاء على هذا الأصل بوصفه قاعدةً للحوار الدِّيني والتَّقارب العقدي. فالتَّوحيد في العبادة يُمثِّل أصلًا ثابتًا لا خلاف فيه بين المسلمين على اختلاف مدارسهم، وإن وُجد اختلافٌ في هذا الباب، فإنَّما يدور في دائرة المصاديق لا في أصل المبدأ؛ فبعض الاتِّجاهات توسِّع مفهوم العبادة ليشمل أفعالًا كالتَّبرّك، في حين يرى جمهور المسلمين أنَّ هذه الأفعال لا تخرج عن إطار التَّكريم والتَّعظيم، ولا ترقى إلى مرتبة العبادة بحال.

 وبالتَّعبير المنطقي: إنَّ محلَّ النِّزاع إنَّما هو في "الصُّغرى"؛ أي: في تشخيص كون هذا الفعل عبادةً أو غير عبادة، أمَّا "الكبرى" ـ وهي حرمة عبادة غير الله (تعالى)ـ فهي موضع اتِّفاقٍ لا خلاف فيه بين المسلمين جميعًا.

ولهذا السَّبب، تبرز الحاجة إلى ضبط مفهوم "العبادة" ضبطًا دقيقًا على ضوء القرآن الكريم؛ ومتى ما اتَّضح هذا المفهوم في حدوده الحقيقيَّة، انكشفت المصاديق المختلف فيها تلقائيًا، وتبيَّن -على نحوٍ علميٍّ محقّق- ما يدخل في دائرة العبادة، وما يخرج عنها.

النُّقطة الثَّانية: تعاريف غير محكمة للعبادة 

"أصل العبوديَّة الخضوع والتَّذلل"(28). 

و"العُبُودِيَّةُ: إظهار التّذلَّل، والعِبَادَةُ أبلغُ منها؛ لأنَّها غاية التَّذلَّل، ولا يستحقُّها إلَّا من له غاية الإفضال، وهو اللَّه (تعالى)؛ ولهذا قال: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه)(29)"(30).

و"العين والباء والدَّال أصلان صحيحان كأنَّهما متضادان، والأوَّل من ذينك الأصلينِ يدل على لين وذل، والآخر على شدَّة وغلظ؛ فالأوَّل العبد، وهو المملوك، والجماعة العبيد، وثلاثة أعبد وهم العباد"(31).

 وهذه هي أقوالُ أصحاب المعاجم، ولم تخرج عنها كلماتُ بعض المفسِّرين؛ وساروا في تفسيرهم على النَّهج اللغوي نفسه، ففسَّروها بما فسَّرها به أهل اللغة، من غير التفاتٍ إلى أنَّ هذا التَّفسير إنَّما يجري على المعنى الأعم، لا على المعنى الدَّقيق المحدَّد.

1. قال الطَّبري في تفسير قوله: (إيَّاكَ نعبُدُ) (32): "اللهم لك نخشع ونذل ونستكين إقرارًا لك يا ربنا بالربوبيَّة لا لغيرك. إنَّ العبودية عند جميع العرب أصلها الذِّلة، وأنَّها تسمى الطَّريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السَّابلة معبدًا، ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب للحوائج: معبد، ومنه سمي العبد عبدًا، لذلته لمولاه"(33). 

2. قال الزمخشري: "العبادة؛ أقصى غاية الخضوع والتَّذلل، ومنه ثوب ذو عبدة؛ أي: في غاية الصفافة، وقوَّة النّسج، ولذلك لم تستعمل إلَّا في الخضوع لله (تعالى)؛ لأنَّه مولى أعظم النِّعم فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع" (34). 

3. قال القرطبي: "نعبد؛ معناه نطيع، والعبادة: الطَّاعة والتَّذلل، وطريق معبد إذا كان مذللًا للسَّالكين"(35).

4. قال الرازي: "العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير، وهو مأخوذ من قولهم: طريق معبد"(36). 

 ولو حصرنا النَّظر في تفسير "العبادة" ضمن هذه التَّعاريف، وتعاملنا معها على أنَّها حدودٌ تامَّةٌ جامعةٌ مانعة، للزم من ذلك لوازم خطيرة؛ إذ ينتهي هذا الفهم إلى رمي الأنبياء والمرسلين والشُّهداء والصديقين (عليهم السلام) بالشِّرك -والعياذ بالله- وكأنَّهم لم ينجوا من مزالقه، كما يستلزم أن لا يُسجَّل أحدٌ من البشر في عداد الموحّدين(37)؛ لأنَّه لا يوجد على وجه الأرض من لا يُظهر نوعًا من التَّذلُّل أو الخضوع لغير الله (سبحانه) في موارد متعدِّدة من حياته. وهذه بعض الأمثلة:

المثال الأوَّل: إنَّ القرآن الكريم نفسه يدعو الإنسان إلى التَّذلّل لوالديه، فيقول (تعالى):

(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (38).

 فلو كان مجرَّد الخضوع والتَّذلّل يُساوي العبادة، للزم من ذلك القول بكفر من يبرّ والديه ويُظهر لهما هذا التَّواضع، كما يلزم -على العكس- الحكم بتوحيد من يعقّ والديه ولا يخضع لهما!

 وهذا ممَّا لا يقول به عاقل، ولا ينسجم مع روح الشَّريعة، ممَّا يكشف بوضوح أنَّ العبادة لها حقيقة أعمق وأدقّ، ينبغي الوقوف عليها لفهم حدودها وتمييزها عن سائر مظاهر الاحترام والتَّعظيم.

المثال الثَّاني: إذا فُسِّرت "العبادة" بأنَّها نهاية الخضوع، للزم من ذلك لوازم باطلة لا يمكن الالتزام بها؛ إذ يترتّب عليه –مثلًا- الحكم بكفر الملائكة الذين امتثلوا أمر الله (تعالى) بالسُّجود، والحكم بإيمان الشَّيطان الذي تمرَّد على هذا الأمر!

 ذلك أنَّ الله (تعالى) يقول: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (39). فإن كان السجود -بما هو أقصى مراتب الخضوع- عبادةً لغير الله (سبحانه)، لزم أن يكون امتثال الملائكة لهذا الأمر شركًا، في حين يصبح امتناع إبليس توحيدًا! وهذا قلبٌ للحقائق، ومخالفةٌ صريحةٌ لروح القرآن الكريم ومنطقه.

المثال الثَّالث: كما أنَّ القرآن الكريم ينقل لنا مشهدًا آخر لا يقلّ وضوحًا، وهو سجود إخوة النَّبي يوسف (عليه السلام) ووالديه له؛ إذ يقول (تعالى): (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(40).

 فلو كان السُّجود -بما هو مظهرٌ لأقصى درجات الخضوع- يُساوي العبادة بالضَّرورة، للزم الحكم بشرك هؤلاء جميعًا، مع أنَّ القرآن يذكر هذا الفعل في سياق التَّحقيق الإلهي للرُّؤيا، ومن دون أيِّ إنكار أو توبيخ.

 ومن هنا يتَّضح أنَّ هذه التَّعاريف -مع ما لها من قيمةٍ لغويَّة وتفسيريَّة- لا تصلح أن تكون مقياسًا دقيقًا يحدِّد حقيقة العبادة بالمعنى الشَّرعي؛ لأنَّها توسِّع الدَّائرة إلى حدٍّ يُفضي إلى نتائج لا يمكن الالتزام بها عقلًا ولا شرعًا.

النُّقطة الثَّالثة: أركان العبادة

لا بدَّ –إذن- من القول بأنَّ "العبادة" هي خضوعٌ وتذلل؛ ولكنَّها مقرونةٌ بـ"اعتقادٍ خاص" يمنحها حقيقتها ويميِّزها عن سائر الأفعال. فحقيقة العبادة تتكوَّن من عنصرينِ متلازمينِ: خضوعٌ وتذلُّل، واعتقادٌ باطنيّ مخصوص.

 وهذا "الاعتقاد الخاص" هو الفيصل الحاسم في المقام؛ وقد يكون الخضوع يسيرًا في ظاهره؛ لكنّه إذا اقترن بهذا الاعتقاد تحوّل إلى عبادةٍ حقيقيَّة. وفي المقابل، قد يبلغ الخضوع غايته في الصُّورة، ومع ذلك لا يُعدُّ عبادةً إذا خلا من ذلك البعد الاعتقادي. فـ"الاعتقاد الخاص" هو الذي يكسو العمل صبغة العبادة، ويمنحه هويَّته الشَّرعيَّة؛ وبدونه يبقى الفعل -مهما عظم مظهره- خارجًا عن دائرة العبادة.

 وهنا يبرز السُّؤال الجوهري: ما هو هذا "الاعتقاد الخاص" الذي يفصل العبادة عن غيرها، ويحدِّد بدقَّة ما يدخل في التَّوحيد وما يخرج عنه؟

والجواب على ذلك: إنَّ المائز الجوهري الذي يُضفي على الفعل صفة "العبادة" لا ينحصر في صورة الخضوع الظَّاهرة، وإنَّما في الخلفيّة الاعتقاديّة التي يتأسَّس عليها هذا الخضوع. فالنَّصُّ القرآني، عند استقرائه، يُحيل هذا "الاعتقاد الخاص" إلى ثلاثة محاور كبرى: الاعتقاد بالربوبيّة، أو الإقرار بالألوهيّة، أو التَّسليم بتفويض الأمر والقدرة إلى المخضوع له.

وعلى هذا الأساس، يمكن صياغة تعريفٍ أكثر ضبطًا للعبادة، بوصفها: حالة من الخضوع – تتجلَّى في السُّلوك أو في التَّعبير اللفظي – تنشأ عن اعتقادٍ راسخ بكون المخضوع له ربًّا مدبّرًا، أو إلهًا مستحقًّا للعبادة، أو جهةً مفوَّضًا إليها تدبير الشَّأن والقدرة على التَّصرُّف في المصير. وبهذا التَّحديد، يتَّضح أنَّ الخضوع بما هو خضوع لا يرقى تلقائيًا إلى مرتبة العبادة؛ ولكنَّه يكتسب هذه الصِّفة عندما يستند إلى ذلك البناء الاعتقادي الخاص؛ إذ يغدو حينئذٍ مظهرًا للإيمان بمرجعيَّة تكوينيَّة أو تشريعيَّة مطلقة، لا تعبيرًا عن احترامٍ أو توقيرٍ أو امتثالٍ يقع ضمن الأطر المشروعة للعلاقات الإنسانيَّة.

 وقد دلَّت جملة من الآيات القرآنيَّة على ترسيخ هذا التَّصوّر؛ إذ اقترنت الدَّعوة إلى العبادة ببيان الأساس الاعتقادي الذي تقوم عليه. فمن ذلك قوله (تعالى) على لسان المسيح (عليه السلام): (وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)(41). وقوله (سبحانه): (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ)(42)؛ حيث ارتبط الأمر بالعبادة بإثبات الرُّبوبيَّة الجامعة، بما تحمله من معنى الخلق والتَّدبير والرِّعاية.

 و"الرَّبُّ: هو اللَّه تبارك وتَعالى، هو رَبُّ كُلّ شيء، أي مالكه، وله الرّبُوبيّة على جَميع الخَلْق لا شَريك له.

ولا يُقال الرّب بالألف واللام، لغير اللَّه.

وهو رَبّ الأَرْباب، ومالك المُلوك والأمْلاك.

وكُل مَن مَلك شيئاً فهو رَبُّه..."(43). أمَّا "ربوبية الله (تعالى) تشمل تربيته التَّكوينيَّة والتَّشريعيَّة لعباده وكافَّة مخلوقاته. ولعلَّ التَّأكيد عليها؛ لأنَّها لصيقة بالإنسان، فهو أحرى بأن يفهمها"(44).

 إنَّ إطلاق هذا الوصف على الله (تعالى) لا يُراد به معنىً محدود؛ وإنَّما يُقصد به الكمال المطلق في دلالته؛ بحيث يشمل الإقرار بأنَّ جميع شؤون الإنسان ومآلاته -من الحياة والموت، والرِّزق والعافية، والتَّشريع والغفران، وسائر ما يتَّصل بوجوده وتدبيره- إنَّما ترجع في حقيقتها إلى سلطةٍ إلهيَّةٍ مطلقة، لا يشاركها فيها أحد، ولا يستقلّ بها سواها.

 كما يؤكِّد قوله (تعالى): (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) (45). أنَّ الألوهيَّة والانفراد بالخلق يلازم الانفراد باستحقاق العبادة. ويتعزَّز هذا المعنى من خلال الآيات المباركة التي تقصر بعض الشُّؤون على الله (تعالى)، كقوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) (46). وقوله (عزَّ وجلَّ): (قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) (47). وتُظهر هذه النُّصوص حصر مفاتيح الغفران والشَّفاعة بيده (سبحانه)، بما يرسِّخ في الوعي العقدي أنَّ المرجع النِّهائي في تدبير المصير لا يمكن أن يُنسب إلَّا إليه. ومن ثمّ، فإنَّ توجيه الخضوع على أساس الاعتقاد باستقلال غيره بهذه الشُّؤون يُدرج ضمن مفهوم العبادة لغير الله (تبارك وتعالى).

 وبصياغةٍ أشدّ إحكامًا: إنَّ العبادة تنبع من شعورٍ لدى الإنسان بأنَّه عبدٌ مملوك، وأنَّ هناك من يملك أمر وجوده ومصيره؛ من حياةٍ وموتٍ، ورزقٍ وتقدير، أو -على الأقل- يملك استقلالًا صلاحية المغفرة والشَّفاعة. فإذا تَشكّل هذا الاعتقاد في النَّفس، ثمَّ تُرجم إلى خضوعٍ قوليٍّ أو عمليٍّ، فإنَّه يتحوَّل إلى عبادةٍ لذلك الذي اعتُبر ربًّا. ولذلك، ورد عن المعصومين (عليهم السلام) التَّحذير من ذلك:

عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام) أنَّه قال: "لَا تَتَجاوَزوا بنا العُبوديَّةَ، ثُمّ قُولوا ماشِئتُم ولن تَبلُغُوا، وإيّاكُم والغُلُوَّ كَغُلُوِّ النَّصارى؛ فإنّي بَريءٌ مِن الغالِينَ"(48).

وعنه (عليه السلام): "إيَّاكُم والغُلُوَّ فِينا، قُولُوا إنَّا عَبِيدٌ مَربُوبُونَ، وقُولوا في فَضلِنا ما شِئتُم" (49).

 أمَّا إذا كان الخضوع مجرّدًا عن هذا الاعتقاد، فإنَّه لا يتجاوز كونه تعظيمًا أو تكريمًا، ولا يدخل في دائرة العبادة، ولا يُوصَف صاحبه بالشِّرك. ولو أنَّ إنسانًا خضع وتواضع لغيره، من دون أن يعتقد فيه ألوهيّةً أو ربوبيةً أو كونه مصدرًا مستقلًا لأفعال الله (تعالى)؛ وإنّما يُجِلّه ويوقّره؛ لأنَّه من مصاديق قوله (تعالى): (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(50)، فإنَّ هذا السُّلوك لا يتجاوز كونه تعظيمًا وتكريمًا، ولا يمتّ إلى العبادة بصلة. ثمَّ إنَّ القرآن الكريم نفسه قد رسم لنا ملامح هذه الشَّخصيّات العظيمة بأسلوبٍ يبعث في النَّفس الميل الفطري إلى توقيرها وتعظيمها؛ إذ يقول (سبحانه): (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (51)، ويقول في شأن إبراهيم (عليه السلام): (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)(52).

 كما حفلت آيات القرآن الكريم بذكر أهل البيت (عليهم السلام) بأحسن الذِّكر، ووصفتهم بأسمى الصِّفات، بحيث إنّ كلّ صفةٍ من صفاتهم كفيلةٌ بأن تجذب القلوب وتغرس في النُّفوس محبَّتهم وتعظيمهم، فيقول (تعالى): (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(53)، ويقول أيضًا: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(54)، ويصفهم في موضعٍ آخر بأسمى معاني الإخلاص والتضحية في سورة الإنسان. فإذا أقبل النَّاس على هؤلاء الأولياء المقرَّبين بما يليق بهم من التَّعظيم والتَّوقير -في حياتهم أو بعد وفاتهم- من دون أن يعتقدوا فيهم ألوهيّةً أو ربوبيةً أو استقلالًا في التَّأثير، فإنَّ هذا لا يُعدّ عبادةً، ولا يُوصَف فاعله بالشِّرك.

المحور الرَّابع: نصرة المعالم المقدسة

 إنَّ نصرة المراقد المقدَّسة تكشف عن حقيقةٍ تتَّصل بنصرة الدِّين في جوهره، وصيانة حضوره في وعي الأمَّة وسلوكها؛ فهذه المراقد المقدَّسة في البقيع الغرقد وغيرها تجسِّد الامتداد الحيّ للرِّسالة، وتختزن في فضائها معانيها وقيمها، ومن ثمَّ فإنَّ العناية بها ورعايتها تعبِّر عن التزامٍ عمليّ بإقامة الدِّين وترسيخ معالمه في الواقع. ومن هذا المنطلق، تتأكَّد الحاجة إلى جملةٍ من الوظائف الأساسيَّة التي يُبنى عليها هذا المسار:

الوظيفة الأولى: تحرير مفهوم العبادة لرفع الخلاف

إنَّ جانبًا واسعًا من الاختلافات القائمة بين المسلمين يرجع في جذوره إلى عدم ضبط مفهوم "العبادة" وتحديد حدوده بدقَّة علميَّة. ومع غياب تعريفٍ منضبط يقوم على أسسٍ علميَّة منهجيَّة واضحة، وافتقار الحوار إلى روح التَّفاهم والإنصاف، يتحوَّل النّقاش إلى مساجلاتٍ لا تنتج معرفة، ومطارحاتٍ لا تفضي إلى نتائج راسخة.

واستنادًا إلى ذلك، تبرز الحاجة إلى قراءة بحثيَّة رصينة، ينتهج فيها الباحث مسارًا استكشافيًّا يتجاوز التَّعريفات اللغويَّة المقتضبة التي لا تستوعب دقَّة المفهوم، ولا تقف عند ظواهر الألفاظ. 

وفي هذا المجال، يتقدَّم القرآن الكريم والسُّنَّة الشَّريفة بوصفهما المرجع الأكثر وثوقًا في بناء هذا التَّصوّر؛ لما يمثِّلانه من معيارٍ معرفيٍّ دقيق، وميزانٍ هادٍ يُحتكم إليه في تقويم المفاهيم وضبطها في سائر مجالات الفهم والهداية.

الوظيفة الثَّانية: تفعيل الوعي الجماعي اتِّجاه قضية البقيع الغرقد

تقتضي هذه الوظيفة استنهاض حراكٍ منظَّم يتَّسم بالفاعليَّة والامتداد، بحيث تُستعاد هذه القضية في وعي الأمَّة بوصفها شأنًا لا يغيب عن وجدانها. ويتجلَّى ذلك عبر تنويع مسارات الطَّرح والتَّأثير؛ عن طريق إصدار البيانات عن مختلف الجهات، وطرح المعالجات الفكريَّة في المؤتمرات العلميَّة الإنسانيَّة العالميَّة والمقالات الصحفيَّة بأقلامٍ واعية، وإفراد مساحاتٍ في البرامج التلفزيونيَّة والإذاعيَّة لمعالجة أبعاد القضية واستحضار دلالاتها، إلى جانب توجيه رسائلٍ احتجاجيةٍ سلميَّة مشروعة واسعة إلى المنظمات الدوليَّة، مع السَّعي إلى استقطاب دعم المنظمات الدوليَّة والإنسانيَّة، بوصفها جهاتٍ قادرة على الإسهام في إعادة الاعتبار لمعالمه المقدَّسة.

الوظيفة الثالثة: الإخلاص والإكثار من الدُّعاء

ينبغي أن يرتكز كلُّ حراكٍ صادق على قاعدةٍ متينة؛ تتمثَّل في إخلاص النيَّة لله (تعالى)، بحيث يكون العمل متحرّرًا من كلِّ شائبةٍ غير إلهيَّة، ومتَّصلًا اتصالًا دائمًا بحضور القلب بين يديه (سبحانه). ويتكامل هذا البعد مع الإكثار من الدُّعاء، بوصفه تعبيرًا عن الافتقار إلى الله (عزَّ وجلَّ)، واستمدادًا للعون منه في تحقيق الغايات العليا، وفي مقدِّمتها الدُّعاء بتعجيل فرج إمام العصر الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشَّريف)، والتَّوفيق للانخراط في مسار التَّمهيد لظهوره، والانتساب الصَّادق إلى مدرسته قولًا وعملًا، وأن يكون للمؤمنين دورٌ في إعادة إعمار مراقد آبائه الطَّاهرين (عليهم السلام).

ويمكن القول بعد دراسة النُّصوص القرآنيَّة والسِّياقات التَّاريخيَّة: إنَّ البناء على قبور الصَّالحين والبيوت المرتبطة بالأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، والممارسات المرتبطة بالتَّبرك والبكاء على العظماء، تحمل دلالات تشريعيَّة ضمن الإطار الإسلامي. فالقرآن الكريم، بسكوته أو بإقراره الضِّمني، يبيِّن مشروعية هذه الممارسات ضمن حدود العبادة لله وحده، ويؤكِّد على استمرار الاحترام والتَّقدير للشَّخصيات العظيمة عبر الزَّمن. ومن هذا المنطلق، يظهر أنَّ المحافظة على المراقد والبيوت المرتبطة بالله (تبارك وتعالى) تمثِّل واجبًا دينيًّا وأداة لإحياء ذكر الله (سبحانه) وتعزيز حضور قيم الدِّين في الوعي والسُّلوك، بما يعكس انسجام التَّشريع مع الفطرة الإنسانيَّة والمصلحة العامَّة للأمَّة.

.............................................

الهوامش:

1. سورة الكهف/ الآية: 21.

2. سورة الكهف/ الآية: 21.

3. سورة التوبة/ الآية: 30.

4. سورة يوسف/ الآية: 93.

5. سورة البقرة/ الآية: 125.

6. سورة الصافات/ الآية: 141.

7. الكافي (دار الحديث): ج13، ص728.

8. الخصال: ص156.

9. سورة آل عمران/ الآية: 44.

10. سورة القصص/ الآية: 27.

11. الكافي (دار الحديث): ج10، ص807.

12. سورة يوسف/ الآيتان: 85-86.

13. سورة الكهف/ الآية: 21.

14. سورة النور/ الآيتان: 36 ـ 37.

15. سورة النور/ الآية: 36.

16. سورة الأحزاب/ الآية: 53.

17. مفردات ألفاظ القرآن: ص151.

18. أحكام القرآن: ج4، ص108.

19. سورة الزخرف/ الآية: 33.

20. ينظر: جواهر الكلام: ج14، ص75. مصباح الفقيه: ج2، ص702. فقه الصادق (عليه السلام): ج6، ص328.

21. سورة البقرة/ الآية: 127.

22. ينظر: المحكم والمحيط الأعظم: ج2، ص121.

23. سورة مريم/ الآية: 57.

24. فضائل أهل البيت (عليهم السلام) من كتاب فضائل الصحابة: ص7.

25. سورة النحل/ الآية: 36.

26. سورة الأنبياء/ الآية: 25.

27. سورة آل عمران/ الآية: 64.

28. لسان العرب: ج10، ص9.

29. سورة الإسراء/ الآية: 23.

30. مفردات ألفاظ القرآن: ص542.

31. معجم مقاييس اللغة: ج4، ص205.

32. سورة الفاتحة/ الآية: 5.

33. تفسير الطبري: ج1، ص53.

34. الكشاف: ج1، ص10.

35. جامع أحكام القرآن: ج1، ص145.

36. مفاتيح الغيب: ج1، ص242.

37. للمزيد ينظر: الوهابيَّة في الميزان: ص178-186.

38. سورة الإسراء/ الآية: 24.

39. سورة البقرة/ الآية: 34.

40. سورة يوسف/ الآية: 100.

41. سورة المائدة/ الآية: 72.

42. سورة آل عمران/ الآية: 51.

43. تهذيب اللغة: ج15، ص128.

44. مفردات الراغب الأصفهاني مع ملاحظات العاملي: ص362.

45. سورة الأنعام/ الآية: 102.

46. سورة آل عمران/ الآية: 135.

47. سورة الزمر/ الآية: 44.

48. بحار الأنوار: ج25، ص274.

49. الخصال: ص614.

50. سورة الأنبياء/ الآيتان: 26 ـ 27.

51. سورة آل عمران/ الآية: 33.

52. سورة البقرة/ الآية: 124.

53. سورة الأحزاب/ الآية: 33.

54. سورة الشورى/ الآية: 23.

اضف تعليق