كيف سأجعل روح شهر رمضان تستمر في حياتي؟ لا أن يكتفي بسرد ما فعله في أيَّامه. فإذا التزم بهذا المنهج، يصبح شهر رمضان تجربة مستمرة، والعيد مناسبة لإعادة انطلاق هذه الرِّحلة، فتتحوَّل حياة الإنسان إلى امتداد لما تعلَّمه وأحبَّه في هذا الشَّهر الفضيل، ويستمر أثره في خُلقه وعلاقاته...

 قد يختلط على كثير من النَّاس مفهوم انتهاء شهر الله (تعالى) بانتهاء أيَّامه ولياليه، فيظنون أنَّ العيد مجرَّد ختام زمني لشهر الصِّيام والعبادة، بينما الحقيقة أعمق وأسمى؛ فشهر رمضان ليس فترة عابرة تنتهي بزوال ظاهرة الصَّوم، وإنَّما هو تجربة تربويَّة وروحيَّة متكاملة تهدف إلى إعادة بناء الإنسان على أُسُس التَّقوى، وضبط النَّفس، وتنمية الوعي الأخلاقي والاجتماعي. 

 إنَّ عبور المؤمنين والمؤمنات لهذا الشَّهر الفضيل بعباداته وآدابه يشكِّل مرحلةَ إعداد لمستقبل مستمر ممتدّ، بحيث يغدو العيدُ لحظةَ اختبارٍ صادقة، تُقاس فيها حقيقةُ ما ترسَّخ في النَّفس من طاعةٍ، وما تجذَّر في القلب من ممارسةٍ إيمانيَّةٍ نورانيَّة.

 وعليه، فإنَّ السُّؤال الأهم ليس: "هل انتهى شهر رمضان؟"، بل: "هل بدأت رسالته في حياتي اليوميَّة؟"؛ فالعيد هو النُّقطة التي يظهر فيها أثر شهر رمضان في القلب والسُّلوك، ويقاس فيها مدى قدرة الإنسان على استمرار المكاسب التي حقَّقها أثناء هذا الشَّهر الكريم.

المحور الأوَّل: التَّجربة الرمضانيَّة ومنهج الحياة

 يمثِّل شهرُ رمضان المبارك في الرُّؤية الإسلاميَّة مدرسةً تربويَّةً متكاملة ذات أبعادٍ عميقة وشاملة؛ فلا ينبغي اختزاله في كونه زمنًا عابرًا ينقضي بانتهاء أيَّامه ولياليه؛ وإنَّما هو مشروعٌ إصلاحيٌّ متدرِّج، يُعنى بإعادة تشكيل الإنسان وبناء ذاته من جديد، وتزكية نفسه بما يقرِّبه إلى الله (تعالى) ويُرقِّي مداركه وأساليبه، وإعادة تنظيم علاقته بالوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه. فالصَّوم في هذا الشَّهر ينفتح على منظومة واسعة من الممارسات التَّعبديَّة والأخلاقيَّة التي تستهدف تهذيب الإرادة، وتنقية الضَّمير، وتربية الحسِّ الرقابي عند الإنسان؛ ففيه يتعلَّم ضبط شهواته، ومراجعة اختياراته اليوميَّة، واستحضار حضور الله (تعالى) في تفاصيل حياته. وهذا التَّدرُّب المتواصل على المراقبة والمحاسبة وعلى مجاهدة النَّفس، مرحلة إعدادٍ وبناءٍ تقود إلى نمطٍ جديد من الحياة. ولذلك، فإنَّ القيمة الحقيقيَّة لهذه التَّجربة تُقاس بمدى قدرتها على إحداث تحوّلٍ مستمرٍ في وعي الإنسان وتصرفاته بعد انقضائه؛ بحيث يتحوَّل الالتزام الدِّيني من حالة ظرفيَّة إلى مَلَكَة راسخة في المنهج والوعي.

 ومن هنا يظهر سؤال بالغ الأهميَّة عند حلول عيد الفطر: هل يمثِّل العيد خاتمةً لشهر رمضان تنتهي معها آثاره التَّربويَّة، أم أنَّه يشكِّل بداية مرحلةٍ جديدة يُختبر فيها صدق ما اكتسبه الإنسان من معانٍ خلال هذا الشَّهر؟

 إنَّ هذا السُّؤال لا يتعلَّق بتحديد نهاية زمنيَّة لفريضة الصَّوم بقدر ما يتَّصل بتقويم نتائج التَّجربة الرَّمضانيَّة نفسها؛ فإمَّا أن يكون شهر رمضان محطَّة عابرة في تقويم العبادة السَّنوي، وإمَّا أن يكون نقطة تحوّل تُمهِّد لامتداد أثره في بقيَّة شهور العام.

 وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إنَّ شهر رمضان لا ينتهي من حيث المعنى بانقضاء أيَّامه؛ لأنَّ غايته الحقيقيَّة تتجلَّى في استمرار ما غرسه في النَّفس من يقظة، وما أوجده من استعدادٍ دائمٍ للسَّير في طريق التَّقوى. وبذلك يتحوَّل عيد الفطر من مجرَّد مناسبة احتفال إلى لحظة يتأمَّل فيها الإنسان مقدار ما بقي من نور شهر رمضان في قلبه، ومدى قدرته على تحويل دروس الشَّهر المبارك إلى منهج حياة يمتدّ أثره إلى ما بعده.

 إنَّ تناول هذا السُّؤال يقتضي قراءة شهر رمضان في ضوء المقاصد القرآنيَّة العامَّة، وكذلك في إطار التَّوجيهات الواردة في نصوص أهل البيت (عليهم السلام)، بوصفه منظومة تربويَّة متكاملة ذات غايات محدَّدة المعالم. فالشَّهر الكريم يُفهم في النُّصوص الشَّريفة على أنَّه تجربة ترمي إلى إعادة بناء الشَّخصيَّة على أساس التَّقوى، وإعادة تنظيم أسلوبه وفق ضوابط أخلاقيَّة راسخة، وتنمية وعيٍ ينعكس على مختلف مجالات الحياة الفرديَّة والاجتماعيَّة.

 ويكشف القرآن الكريم بوضوح عن الغاية المركزيَّة من تشريع الصِّيام، كما في قوله (تعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (1). فهذا النَّص القرآني يؤسِّس لفهمٍ يتجاوز القراءة السَّطحيَّة للصَّوم بوصفه امتناعًا مؤقتًا عن الطَّعام والشَّراب؛ ليضعه في سياق مشروع تربوي يسعى إلى إيصال الإنسان إلى مرتبة التَّقوى. والتَّقوى في هذا الإطار: حالة من اليقظة الدَّائمة التي تستقر في ضمير الإنسان، فتوجِّه علاقته بالله (سبحانه)، وتضبط حركاته ومساراته في مختلف ميادين الحياة.

 ومن هذا الأفق، يغدو الصِّيام وسيلةً لصناعة إنسانٍ أكثر يقظةً لذاته، وأقدر على محاسبتها، وأشدّ قدرةً على لجم اندفاعاته، حتَّى تتحوَّل العبادة إلى طاقةٍ تنفذ إلى تفاصيل الحياة، فتنظِّمها وتمنحها توازنها المطلوب. وحين يتجذَّر هذا الوعي المقرون بالشُّعور برقابة الله (عزَّ وجلَّ)، فإنَّ أثره لا يبقى محصورًا في أفق الشَّهر الفضيل، وإنَّما يمتدُّ إلى ما بعده، ليصوغ نظرة الإنسان إلى نفسه والعالم من حوله على أساسٍ ثابت من التَّقوى، تلك الغاية التي جعلها القرآن الكريم جوهر تشريع الصِّيام وروحه. وقد عبَّر الإمام عليُّ بن موسى الرِّضا (عليهما السَّلام) عن هذا البُعد بأبلغ بيانٍ حين قال: "وَاعْلَمْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَنَّ الصَّوْمَ حِجَابٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) عَلَى الْأَلْسُنِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ؛ لِمَا لَهُ فِي عَادَةٍ مِنْ سَتْرِهِ وَطَهَارَةِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، حَتَّى يُسْتَرَ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ جَارِحَةٍ حَقّاً لِلصِّيَامِ، فَمَنْ أَدَّى حَقَّهَا كَانَ صَائِماً، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنْهَا نَقَصَ مِنْ فَضْلِ صَوْمِهِ بِحَسَبِ مَا تَرَكَ مِنْهَا "(2).

 إنَّ هذا التَّوجيه يكشف عن مقصدٍ تربويٍّ، يتمثَّل في تحويل الصِّيام إلى حالة وعيٍ مستمرٍّ تُحيي معنى العبادة في مختلف تفاصيل اليوم، ولا سيَّما في لحظات التَّوتُّر والانفعال؛ حيث تتجلَّى حقيقة الصِّيام بوصفه ضبطًا للنَّفس، وصيانةً للجوارح، واستحضارًا دائمًا لرقابة الله (تعالى).

 وعند تَحقُّق هذه الحالة من اليقظة، يغدو شهر رمضان مرحلة إعدادٍ، تُهذِّب الإنسان وتؤهِّله لعيش حياةٍ أكثر انضباطًا ووعيًا بعد انقضاء أيَّامه. ومن هنا يتبيَّن أنَّ انتهاء شهر رمضان لا يعني انطفاء رسالته؛ لأنَّ الغاية الحقيقيَّة من هذه التَّجربة التَّعبديَّة أن تظلَّ آثارها نابضةً في السُّلوك والوجدان، ممتدَّةً في مسيرة الإنسان، تُوجِّه خطاه وتُعيد تشكيل حياته في سائر أيَّام العام.

 وعند الانتقال إلى يوم عيد الفطر، تنكشف هذه الحقيقة بجلاءٍ؛ إذ يُنظر إلى العيد في النُّصوص الشَّريفة بوصفه محطَّةً للتَّأمّل والمراجعة، تُقاس فيها ثمار تلك التَّجربة. وفي هذه اللحظة الزَّمنيَّة المميَّزة، يُستدعى الإنسان إلى محاسبة ما حصَّله من مكاسب، وأن يتأمَّل في مدى حضورها في تعامله وفهمه بعد انقضاء الشَّهر الكريم.

وقد عبَّر عن هذا المعنى بوضوح الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليهما السلام) في خطبته يوم الفطر، كما رواها الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق عن آبائه (عليهم السلام)، حين قال: "خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليهما السلام) لِلنَّاسِ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمٌ‏ يُثَابُ‏ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ وَيَخْسرُ فِيهِ الْمُسِيئُونَ، وَهُوَ أَشْبَهُ يَوْمٍ بِيَوْمِ قِيَامَتِكُمْ، فَاذْكُرُوا بِخُرُوجِكُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى مُصَلَّاكُمْ خُرُوجَكُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّكُمْ، وَاذْكُرُوا بِوُقُوفِكُمْ فِي مُصَلَّاكُمْ وُقُوفَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ، وَاذْكُرُوا بِرُجُوعِكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ رُجُوعَكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ. واعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ أَدْنَى مَا لِلصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ أَنْ يُنَادِيَهُمْ مَلَكٌ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ: أَبْشِرُوا عِبَادَ اللهِ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُون؟"(3).

 وتبيِّن هذه الخطبة رؤية إرشاديَّة لعيد الفطر؛ ويربط الإمام (عليه السلام) بين مشاهد العيد وبين مشاهد الآخرة، ليحوّل لحظة الفرح إلى مساحة تأملٍ يستحضر فيها الإنسان مآله النِّهائي. فخروج النَّاس إلى صلاة العيد يُستحضر فيه خروجهم من القبور يوم القيامة. ووقوفهم في المصلَّى يذكِّرهم بوقوفهم بين يدي الله (تعالى) للحساب. وأمَّا رجوعهم إلى بيوتهم فيعيد إلى الذَّاكرة صورة الرُّجوع الأبدي إلى المصير الأخروي في الجنَّة أو النَّار.

 وبهذا المنظور يتحوَّل العيد من مناسبة احتفاليَّة إلى لحظة وإدراك، يُدعى فيها الإنسان إلى النَّظر في مستقبله بعد أن نال فرصة المغفرة في ختام شهر رمضان. فإنَّ ذلك النِّداء الذي يزفُّ إلى الصَّائمين بشارةَ المغفرةِ هو افتتاحٌ لصفحةٍ جديدةٍ من العمل والسَّير إلى الله (تبارك وتعالى). ومن هنا تختتم الخطبة بنداءٍ عظيم الدلالة، يهزُّ الضَّمير ويستنهض العزم: " فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُون". 

 إنَّ هذه العبارة تختصر رسالة شهر رمضان كلَّها؛ فهي تدعو الإنسان إلى أن يجعل ما بعد هذا الشهر امتدادًا لما تعلَّمه فيه، وأن يحافظ على اليقظة التي تكوَّنت خلال الشَّهر الكريم لتصبح منهجًا دائمًا في حياته. 

المحور الثَّاني: قراءة تحليليَّة لبعض النُّصوص الخاصَّة بالعيد

 وانطلاقًا من ذلك، تتجلَّى أهميَّة إمعان النَّظر في النُّصوص الواردة عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السَّلام)؛ تلك التي تُؤكِّد أنَّ ليلة العيد ويومه امتدادٌ لشهر رمضان لا انفصال عنه. لذلك، سنقف عند بعض البصائر المتعلِّقة بيوم العيد، لندرك بعض أسراره:

البصيرة الأولى: حقيقة العيد

 عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: "إِذَا كَانَ صَبِيحَةُ يَوْمِ‏ الْفِطْرِ نَادَى مُنَادٍ: اغْدُوا إِلَى جَوَائِزِكُمْ" (4).

 يمثِّل هذا النَّص الإلهام الأوَّل لفهم معنى العيد في المنظومة الإسلاميَّة؛ فـ"العيد عبارة عن وقت اختاره اللَّه (جلَّ جلاله) من بين الأيَّام، لإطلاق الجوائز والإنعام على العباد، ليجتمعوا على أخذ الخلع والعطايا، وأذن بالإذن للحضور بين يديه، والاستكانة لديه، بالاعتراف للعبوديَّة، والاستغفار عن ذنوبهم وعرض حوائجهم، وبسط آمالهم، ووعدهم في ذلك كلَّه الإجابة لهم، وإعطائهم فوق آمالهم؛ بل فوق ما خطر على قلوبهم، وأحبَّ لهم في هذا اليوم أن يحسنوا ظنَّهم إلى ربِّهم، وأن يرجِّحوا رجاءهم لقبوله، ومغفرته وعطائه، على الخوف من ردِّه وعذابه.

والخائب الخاسر في مثل هذا اليوم من غفل عن معنى العيد، واشتغل فيه بالتَّزيّن للنَّاس، وتصفيق اليد، وترجيل الشَّعر عن مهامِّ أمر الاستعطاف، والاسترحام من حضرة القدس، ورضي للاستئناس بأمثاله من العوامّ كالأنعام، عن الأنس بمجالس الأطهار، من خواص ربِّ العالمين، من الأنبياء والمرسلين، والشُّهداء والصِّدِّيقين؛ بل استبدل دركات السجِّين، عن درجات العلَّيّين؛ بل اشترى الخلود على الأرض ومهوى عالم الطَّبيعة، عن جوار اللَّه (جلَّ جلاله) جبَّار السَّماوات والأرضينَ، فيا له من خسران ما أعظمه وأقبحه وأفضحه..." (5). 

 ويأتي الدُّعاء الشَّريف ليترجم هذه الحقيقة في وجدان المؤمن وفعله وعمله؛ فهو يعلِّم الإنسان كيف يقف في هذا اليوم موقف المستحقِّ للعطاء، المستشعر لعظمة الموقف. فابتداء الدُّعاء: "اللهُمَّ أَهْلَ الكَبْرِياءِ وَالعَظَمَةِ، وَأَهْلَ الجُودِ وَالجَبَرُوتِ، وَأَهْلَ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَهْلَ التَّقوى وَالمَغْفِرَةِ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هذا اليَوْمِ الَّذِي جَعَلْتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ عِيْداً، وَلِمُحَمَّدٍ (صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) ذُخْراً وَمَزِيداً، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمّدٍ، وَأَنْ تُدْخِلَنِي فِي كُلِّ خَيْرٍ أَدْخَلْتَ فِيْهِ مُحَمَّداً وَآلَ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تُخْرِجَنِي مِنْ كُلِّ سُوءٍ أَخْرَجْتَ مِنْهُ مُحَمَّداً وَآلَ مُحَمَّدٍ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ ما سَأَلَكَ عِبادُكَ الصَّالِحُونَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِمَّا اسْتَعاذَ مِنْهُ عِبادُكَ الصَّالِحُون" (6). فيرتفع سقف الأمل من طلب العفو إلى طلب مرافقة الطَّيبينَ الطَّاهرينَ (عليهم السلام) في مدارج القرب.

 كما ورد في دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام): "اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْبُرْ مُصِيبَتَنَا بِشَهْرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي يَوْمِ عِيدِنَا وَفِطْرِنَا، وَاجْعَلْهُ مِنْ خَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْنَا أَجْلَبِهِ لِعَفْوٍ، وَأَمْحَاهُ لِذَنْبٍ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا خَفِيَ مِنْ ذُنُوبِنَا وَمَا عَلَنَ. اللهُمَّ اسْلَخْنَا بِانْسِلَاخِ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ خَطَايَانَا، وَأَخْرِجْنَا بِخُرُوجِهِ مِنْ سَيِّئَاتِنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَسْعَدِ أَهْلِهِ بِهِ، وَأَجْزَلِهِمْ قِسْماً فِيهِ، وَأَوْفَرِهِمْ حَظّاً مِنْهُ. اللهُمَّ وَمَنْ رَعَى هَذَا الشَّهْرَ حَقَّ رِعَايَتِهِ، وَحَفِظَ حُرْمَتَهُ حَقَّ حِفْظِهَا، وَقَامَ بِحُدُودِهِ حَقَّ قِيَامِهَا، وَاتَّقَى ذُنُوبَهُ حَقَّ تُقَاتِهَا، أَوْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ بِقُرْبَةٍ أَوْجَبَتْ رِضَاكَ لَهُ، وَعَطَفَتْ رَحْمَتَكَ عَلَيْهِ، فَهَبْ لَنَا مِثْلَهُ مِنْ وُجْدِكَ، وَأَعْطِنَا أَضْعَافَهُ مِنْ فَضْلِكَ، فَإِنَّ فَضْلَكَ لَا يَغِيضُ، وَإِنَّ خَزَائِنَكَ لَا تَنْقُصُ؛ بَلْ تَفِيضُ، وَإِنَّ مَعَادِنَ إِحْسَانِكَ لَا تَفْنَى، وَإِنَّ عَطَاءَكَ لَلْعَطَاءُ الْمُهَنَّا. اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاكْتُبْ لَنَا مِثْلَ أُجُورِ مَنْ صَامَهُ، أَوْ تَعَبَّدَ لَكَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. اللهُمَّ إِنَّا نَتُوبُ إِلَيْكَ فِي يَوْمِ فِطْرِنَا الَّذِي جَعَلْتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عِيداً وَسُرُوراً، وَلِأَهْلِ مِلَّتِكَ مَجْمَعاً وَمُحْتَشَداً مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ أَذْنَبْنَاهُ، أَوْ سُوءٍ أَسْلَفْنَاهُ، أَوْ خَاطِرِ شَرٍّ أَضْمَرْنَاهُ، تَوْبَةَ مَنْ‏ لَا يَنْطَوِي عَلَى رُجُوعٍ إِلَى ذَنْبٍ، وَلَا يَعُودُ بَعْدَهَا فِي خَطِيئَةٍ، تَوْبَةً نَصُوحاً خَلَصَتْ مِنَ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ، فَتَقَبَّلْهَا مِنَّا، وَارْضَ عَنَّا، وَثَبِّتْنَا عَلَيْهَا"(7).

 إنَّ من يدقِّق النَّظر في هذا الدُّعاء سيجد أنَّ ألفاظه هي بكاءٌ خفيٌّ يختبئ خلف ابتسامة العيد… فهذه الكلمات تعلِّمنا أنَّ العيد الحقيقي أن نخرج منه بقلوبٍ جديدة، وليس أن نخرج من شهر رمضان بثيابٍ جديدة.

 تأمَّل كيف يطلب الإمام (عليه السلام): "اللهُمَّ اسْلَخْنَا بِانْسِلَاخِ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ خَطَايَانَا"…وكأنَّ الذُّنوب كانت جلدًا التصق بأرواحنا، وأنَّ شهر رمضان جاء لينزعه عنَّا، فهل حقًّا خرجنا خفافًا؟

 أم ما زلنا نحمل أوزارنا ونزيِّنها باسم الفرح؟

لكن أشدَّ ما يُزلزل الرُّوح هو خاتمة الدُّعاء… حين يُعلِّمنا كيف نتوب: توبةً لا رجوع بعدها، ولا التفات فيها، ولا مساومة مع الذَّنب بعدها… توبة من أدرك أنَّ العودة إلى المعصية بعد هذا الفيض خيانةٌ لا تُحتمل.

إنَّه دعاء يضعك أمام نفسك بصدقٍ قاسٍ: 

هل كان شهر رمضان موسم عبور… أم بداية تحوّل؟

هل كان العيد فرحة عابرة… أم شهادة قبول؟

فإمَّا أن يكون هذا اليوم بداية حياةٍ جديدة، وإمَّا أن يكون -والعياذ بالله- أوضح دليلٍ على أنَّنا لم نفهم شهر رمضان بعد...

 البصيرة الثَّانية: الامتداد لمكاسب شهر رمضان

 لقد بيَّنت النُّصوص القرآنيَّة والرِّوائيَّة أنَّ الله (سبحانه وتعالى) بارك بعض الأيَّام على وجه الخصوص، وأنَّ هذا منهج وسنَّة مستمرَّة منذ الأمم السَّابقة. فقد جاء في القرآن الكريم ذكر تحاور السَّحرة مع فرعون: (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى* قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (8)، ويُفهم من هذا النَّص أنَّ يوم الزِّينة المشار إليه هو يوم العيد (9)، وهو اليوم الذي يجتمع فيه النَّاس اجتماعًا عامًّا شاملًا، ما يعكس خصوصيَّة بعض الأيَّام وارتباطها بالأنشطة الجماعيَّة التي تحمل طابعًا روحيًّا مفعمًا بالمعنى.

 وأمَّا في الإسلام، يُنظر إلى يوم العيد على أنَّه فرصة للاجتماع، وذكر الله (سبحانه)، والتَّوجه بالدُّعاء والعبادة، كما جاء في قول الإمام علي بن موسى الرِّضا (عليهما السلام) عند تفسيره ليوم عيد الفطر: "إِنَّمَا جُعِلَ يَوْمُ الْفِطْرِ الْعِيدَ؛ لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ مُجْتَمَعاً يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وَيَبْرُزُونَ للهِ (عَزَّ وَجَلَّ) فَيُمَجِّدُونَهُ عَلَى مَا مَنَّ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ يَوْمَ عِيدٍ وَيَوْمَ اجْتِمَاعٍ وَيَوْمَ فِطْرٍ وَيَوْمَ زَكَاةٍ وَيَوْمَ رَغْبَةٍ وَيَوْمَ تَضَرُّعٍ، وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ يَحِلُّ فِيهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ شَهْرُ رَمَضَانَ فَأَحَبَّ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَجْمَعٌ يَحْمَدُونَهُ فِيهِ وَيُقَدِّسُونَهُ"(10). 

 غير أنَّ الواقع المعاصر في بعض الأحيان لا يحافظ على هذه البُعد، وتحوَّلت الأعياد الإسلاميَّة في كثير من المجتمعات إلى مناسبات تطغى عليها مظاهر الزِّينة والتَّفاخر، والأكل والشُّرب المبالغ فيه، وأحيانًا تتخللها الممارسات غير المقبولة، بما يتناقض مع الهدف الأصلي للعيد.

 وقد عبَّر الإمام الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) عن هذا التَّفاوت في فهم النَّاس للعيد عندما رأى بعض النَّاس يلهون ويضحكون يوم الفطر؛ فقال: "إِنَّ اللهَ (عَزَّ وَجَلَّ) جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَاراً لِخَلْقِهِ يَسْتَبِقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى رِضْوَانِهِ، فَسَبَقَ فِيهِ قَوْمٌ فَفَازُوا، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ فَخَابُوا، فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ الضَّاحِكِ اللَّاعِبِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُثَابُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ وَيَخِيبُ فِيهِ الْمُقَصِّرُونَ، وَايْمُ اللهِ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لَشُغِلَ‏ مُحْسِنٌ‏ بِإِحْسَانِهِ وَمُسِي‏ءٌ بِإِسَاءَتِهِ"(11).

 وهذا القول يعكس بجلاء أنَّ العيد يجب أن يكون امتدادًا لمكاسب شهر رمضان، وليس فصلًا عن أجواء العبادة، وأنَّ من يغفل عن هذا البُعد يكون قد أضاع فرصة ثمينة، فقد جاء شهر رمضان ليكون مضمارًا للسباق إلى رضوان الله (جلَّ جلاله)، والاحتفال بالعيد يجب أن يُبقي الإنسان في وعي دائم بما اكتسبه، وتحويل تلك المكاسب إلى تطبيقات عمليَّة في حياته اليوميَّة.

البصيرة الثَّالثة: ثمار الطَّاعة

 إنَّ الفرح الحقيقي في يوم العيد لا يتحقَّق إلَّا لمن غُفر له؛ فهو يعيش حلاوة المغفرة الإلهيَّة ويستلم جوائز الرَّحمن الرَّحيم، فيصبح العيد مناسبة للارتقاء والتَّلذذ بثمار الطَّاعة التي اجتمعت من شهر رمضان. وقد أولى أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) هذا اليوم عناية خاصَّة، معبرين بسيرتهم وكلماتهم عن القيم الجوهريَّة للعيد؛ عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق عن أبيه (عليهم السلام) قَالَ: "كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) يُحْيِي لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطَرِ بِصَلَاةٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَبِيتُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ مَا هِيَ بِدُونِ لَيْلَةٍ؛ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْر"(12). في إشارة إلى أنَّ ليلة العيد في قدر أهميتها وخصوصيتها لا تقلّ شأنًا عن ليالي العبادة العظيمة مثل ليلة القدر، بما يربط بين الطَّاعة والمغفرة والاحتفال بالعيد.

 كما أكَّد الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) على قيمة إحياء هذه الليلة؛ فقال: "مَن أحیَا لَیلةَ العِیدِ ولَیلةَ النِّصفِ مِن‏ شَعبانَ، لَم یَمُتْ قَلبُهُ یَومَ تَموتُ القُلوبُ"(13). مشيرًا إلى أنَّ الاهتمام بإحياء هذه الليالي بالعبادة يضمن استمراريَّة الحياة القلبيَّة للمؤمن، ويبعده عن القسوة والجمود الذي يصيب النُّفوس في غياب الذِّكر والتَّقوى.

البصيرة الرَّابعة: التَّعاطف مع الفئات الفقيرة

شرَّع الله (تعالى) زكاة الفطرة قبل العيد، فهي حقٌّ للفقراء في أموال الأغنياء، تُؤدَّى إليهم قبل يوم العيد أو في صباحه قبل صلاة العيد، لتكون سندًا للفقراء، تمكِّنهم من المشاركة مع باقي أفراد المجتمع في استشعار فرحة العيد؛ فلا يشعر بحرمان الحاجة، وقلَّة ذات اليد في ذلك اليوم الذي تغمر البهجة والسُّرور فيه قلوب الأغنياء، ولا شكَّ أنَّ هذه إحدى اللمسات الإنسانيَّة في التَّشريع الإسلامي التي تحقِّق للمجتمع استقراره وأمنه وأمانه، ويربطه برباط المودَّة والتَّعاطف بين الأغنياء والفقراء حتَّى يتحقَّق لهم الإحساس بالانتماء لأسرة واحدة، والشُّعور المشترك بين الجميع في السَّرَّاء والضَّرَّاء.

قال الإمامُ الصَّادقُ (عليه السلام): "إنَّ مِن تَمامِ الصَّومِ إعطاءَ الزَّكاةِ -يعني الفِطرَةَ- كما أنَّ الصَّلاةَ على النَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله) مِن تَمامِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه مَن صامَ، ولَم يُؤَدِّ الزَّكاةَ، فلا صَومَ لَهُ إذا تَرَكَها مُتَعَمِّدًاً" (14).

وتوضِّح الرِّواية الشَّريفة أنَّ الزَّكاة هي جزء لا يتجزأ من روح الصِّيام، ومن تمام العبادة. فهي تربط العبد بربِّه (سبحانه) وبأفراد مجتمعه، فتجعل الصِّيام تجربة كاملة، لا تتحقَّق إلَّا بالاهتمام بالفقراء، وإشراكهم في فرحة العيد. 

 البصيرة الخامسة: يوم العبادة

ورد عن الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: "زَيِّنُوا الْعِيدَيْنِ، بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّكْبِيرِ" (15). وهو دعوة لاستثمار كلِّ لحظةٍ في هذا اليوم من أجل تقوية الصِّلة بالله (عزَّ وجلَّ). فالمسلم مدعو لأن يملأ يومه بالتَّهليل والتَّكبير والتَّحميد، وأن يجعل الأذكار والأدعية رفيقة فرحه، لتتحوَّل مظاهر الاحتفال إلى تجربة تغذِّي القلب بالسَّكينة وتطهِّر النَّفس من الغفلة، فتصبح بهجة العيد امتدادًا لربيع شهر رمضان، وانعكاسًا لمعاني الطَّاعة والخضوع لله (سبحانه) في كلِّ تفاصيل حياتنا.

البصيرة السَّادسة: يوم التَّزاور والتَّواصل 

يمثِّل العيد فرصة ثمينة لتقوية الرَّوابط بين النَّاس، وتجديد العلاقات التي قد شابتْها خلافات أو سوء تفاهم أو خصومات متراكمة. ففي هذا اليوم، تصبح زيارة واحدة كفيلة بتذويب جليد القلوب وفتح باب الحوار والمحبَّة، فتتحوَّل المسافات بين النَّاس إلى قرب، والخلاف إلى تفاهم. فالعيد يذكِّرنا بأنَّ اللحظات الصَّغيرة من التَّواصل والاعتراف بالآخر يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا، وأنَّ قلب الإنسان قادر على الصَّفح والمصالحة حين يجد من يمد له اليد بمحبَّة وإخلاص. عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام): "اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً، مُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ، مُتَوَاصِلِينَ، مُتَرَاحِمِينَ، تَزَاوَرُوا، وَتَلَاقَوْا، وَتَذَاكَرُوا أَمْرَنَا، وَأَحْيُوهُ" (16). 

 البصيرة السَّابعة: العودة إلى الفطرة

 يرتبط عيد الفطر بفكرة العودة إلى الفطرة السَّليمة؛ فقد أشار القرآن الكريم إلى الفطرة باعتبارها الأساس الذي خلق الله (تعالى) عليه الإنسان، وهي تحمل في جوهرها القابليَّة الطبيعيَّة لتقبل الخير والابتعاد عن الشَّر. وهي القوَّة الكامنة في النَّفس البشريَّة التي تجعل الإنسان قادرًا على التَّمييز بين ما ينفعه وما يضره، وما يقرِّبه من الله (عزَّ وجلَّ)، قال (سبحانه): (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (17).

 إنَّ الفطرة التي فطر الله (تعالى) النَّاس عليها تتجسَّد في الدِّين القيم؛ وهو الإسلام، الذي يقوم على التَّوحيد والخلق السُّليم، من دون أيِّ تغيير أو تبديل. وفي ضوء هذه الحقيقة، فإنَّ تسمية عيد الفطر وزكاة الفطرة تحملان في طيَّاتهما معنًى رمزيًّا عميقًا: فهي تذكير بأنَّ الإنسان، بعد أن قضى شهر رمضان في صيام وعبادة وذكر وتلاوة للقرآن، وممارسة ضبط النَّفس عن الحرام والمباح، يخرج من هذه الدَّورة متطهرًا من شوائب الشَّهوات والمعاصي، وعائدًا إلى فطرته السَّليمة كما لو وُلد من جديد. فالعيد الحقيقي، في جوهره وفلسفته، هو هذه العودة إلى الذَّات السَّليمة، إلى نقاء الطَّبع، وإلى التَّوازن بين الرُّوح والجسد، بعد رحلة شهر كامل من العبادة.

 إنَّ شهر رمضان لا ينتهي بانقضاء أيَّامه، وتبدأ بعده رسالته الحقيقيَّة في حياة الإنسان. والعيد هو محطَّة محوريَّة لتقييم أثر هذا الشَّهر المبارك على النَّفس والسُّلوك، والعودة إلى الفطرة السَّليمة، والحرص على استمرار الطَّاعة بكلِّ صورها بعد الشَّهر الكريم.

 ومن هنا، يتوجَّب على المؤمن أن يسأل نفسه بعد شهر رمضان:

 "كيف سأجعل روح شهر رمضان تستمر في حياتي؟"، لا أن يكتفي بسرد ما فعله في أيَّامه. فإذا التزم بهذا المنهج، يصبح شهر رمضان تجربة مستمرة، والعيد مناسبة لإعادة انطلاق هذه الرِّحلة، فتتحوَّل حياة الإنسان إلى امتداد لما تعلَّمه وأحبَّه في هذا الشَّهر الفضيل، ويستمر أثره في خُلقه وعلاقاته. 

 وخلاصة القول: السُّؤال الأهم بعد شهر رمضان، ليس: "ماذا فعلتُ في شهر الصِّيام؟"؛ وإنَّما: "ماذا سأفعل بعد انتهائه؟"؛ لأنَّ استمرار أثر هذا الشَّهر في نفوسنا هو ما يثبت أنَّ شهر رمضان لم ينتهِ بانقضائه.

..............................................

الهوامش:

1. سورة البقرة/ الآية: 183.

2. وسائل الشيعة: ج10، ص404.

3. الأمالي، (الصدوق): ص54. 

4. الكافي: ج4، ص168.

5. المراقبات: ص269.

6. مصباح المتهجد وسلاح المتعبد: ج2، ص654. 

7. الصَّحيفة السَّجادية: 233. 

8. سورة طه/ الآيتان: 58-59. 

9. ينظر: روضة الواعظين وبصيرة المتعظين: ج2، ص206.

10. من لا يحضره الفقيه: ج1، ص522. 

11. الكافي: ج4، ص181.

12. إقبال الأعمال: ج1، ص274.

13. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ص77. 

14. من لا يحضره الفقيه: ج2، ص183.

15. كنز العمال: ج8، ص546.

16. الكافي (دار الحديث): ج3، ص448. 

17. سورة الروم/ الآية: 30. 

اضف تعليق