شفاهيّة القرآن الكريم كانت حاضرةً في تلقي الرّسول (ص) له نجومًا عبر جبرائيل، وشاعت تبليغًا من قبله (ص)، وتناقلًا بين للنّاس؛ تبعًا لطبيعة العصر. وأنّ كتابيّته كانت سابقة على نزوله الأرضيّ في اللّوح المحفوظ، وفي تنزّله على قلبه (ص) جملة واحدة. ثمّ إنّها كانت مشهودة أيضًا واقعًا في حياته...

مثّلت السّرديّة الشّائعة لنزول نزول القرآن، وظروف تدوينه، وملابسات جمعه في مصحف بعد وفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله). مثّلت أحد المداخل الّتي أطلّ منها أصحاب الطّروحات النّقديّة للقرآن من مُستشرقِين وآخرين مُستغرِبين للإطباق عليه تشكيكًا وطعنًا؛ وذلك مرّةً بتلفيق التّهم وكيل السّباب، ومرّةً أخرى بالاتّكاء على نظريات تاريخيّة أو علميّة أو لغويّة، بما يفضي إلى تعطيله، أو على الأقل إلى رفع القداسة عنه في عقيدة المسلمين. 

ومن بين النّظريّات اللّغوية الّتي وظّفها أًصحاب تلك الطّروحات في ذلك، ما عُرف بالنّظريّة الشّفاهيّة الحديثة1، الّتي تذهب إلى أنّ لدينا نمطين متفاوتين من التّفكير، هما: النّمط الشّفاهيّ والنّمط الكتابيّ، بما ينطويان عليه من سمات عقليّة وخصائص تعبيريّة مميّزة. حيث كان لهذه النّظريّة توظيفاتها عند هؤلاء؛ فقد ادّعوا تأثّر القرآن بخصائص وسلبيات وإيجابيات ذينك النّمطين السّابقين، وكان إحدى نتائج ذلك التّاثّر أنْ افترى أحدهم بأنّ للقرآن ثلاثة وجودات تاريخيّة، هي: القرآن الإلهيّ النّازل من السّماء، والقرآن النّبويّ الّذي بلّغه النّبيّ (صلّى الله عليه وآله)، والقرآن العثمانيّ الّذي كتبه المسلمون بعد وفاته. 

لهذا، فإنّ عرض السّرديّة الواقعيّة لشفهيّة القرآن وكتابيّته وتعميمها من أهمّ الآليّات الفاعلة في الرّدّ على تلك الطّروحات النّقديّة؛ إذْ إنّها الأصل الّذي صدورا عنه، وبتصحيح ذلك الأصل تنحلّ أغلب تلك التّشكيكات والطّعون. فالقول بأنّ القرآن الكريم بعد تنزّله إلى هذا العالم، بقي يُتناقل شفاهيًّا بين المسلمين وجاء جمعه لاحقًا، بعد شهادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مصحف، من صدور الرّجال وممّا هو مكتوب مُفرّقًا في العُسب واللّخف والرّقاق وغيرها -كما تدّعي السّرديّة الشّائعة-. فهذا يعني فتح باب التّشكيك واسعًا في مدى المطابقة بين ما نطق به (صلّى الله عليه وآله) منه، وما كتب منه في زمن متأخر؛ إذْ بدون العصمة لا تزكية لأحد عن الخطأ أو الاشتباه في النّقل والرّواية. ومن ثمّ، فإنّ غلق هذا الباب يتطلّب إثبات كتابيّته.

 ابتداءً، نثبّت هنا أمرين، الأوّل: لا يصحّ أنْ يكون القرآن الكريم نتاج تفكير شفاهيّ أو كتابيّ؛ لأنّه ببساطة مفارق لهما من حيث كونه وحيًا إلهيًّا. والثّاني: أنّنا نقصد بمصطلح (الشّفاهيّة) التّناقل الشّفاهيّ للقرآن، ونقصد بمصطلح (الكتابيّة) تقييد لفظ القرآن في شكل كتابيّ2. ولقد نقف، في الإجابة الموجزة عرضًا واستدلالًا الّتي قدّمها المرجع الدّينيّ السّيّد محمّد الحسينيّ الشّيرازيّ(1347-1422هـ) من خلال كتيّبه3 القيّم (متى جُمع القرآن؟)، على سرديّة واقعيّة لشفاهيّة القرآن وكتابيّته؛ ذلك لأنّنا إذا أنعمنا النظر في البحث عن شفاهيّة القرآن الكريم وكتابيّته، فسنجد أنّهما مستبطنان في إجابة سؤال تاريخيّ عقديّ قديم/جديد، هو: متى جُمع القرآن؟ حيث جاءت إجابته -بشيء من التّصرّف في الصّياغة والتّرتيب- على النّحو الآتي:

 1. دلّت الآيات والرّوايات أنّ القرآن نزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرّتين، مرّةً بمجموعه على قلبه، ومرّة نزل مُفرّقًا في ثلاث وعشرين سنة. وقد وعى قلبه (صلّى الله عليه وآله) القرآن الّذي نزل عليه أوّلًا مجموعًا مرتّبًا، فجمع القرآن الّذي نزل عليه ثانيًا نجومًا ومتفرّقًا حسب النّزول الأوّل. فهذا القرآن الّذي بين أيدينا هو ترتيبه (صلّى الله عليه وآله) وجمعه -آياتٍ وسورًا- في حياته، لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل، أو زيادة أو نقصان. 

ويُؤيّد ذلك: 

- حين لم يبقَ على ارتحال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سوى سبعة أيام نزل جبرائيل (عليه السّلام) بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة:281) -على بعض الرّوايات هي آخر ما نزل من الآيات-، وقال له: "ضعها على رأس المائتين والثّمانين من سورة البقرة". وقول جبرائيل هذا تصريح بأنّ الله تعالى أمر نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بجمع آيات القرآن إلى بعضها وترتيبها ترتيبًا دقيقًا. 

- ما رُوي في تفسير عليّ بن إبراهيم عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّ الرّسول أمر أمير المؤمنين عليًّا بجمع القرآن، فقال: "يا عليّ، هذا القرآن خلف فراشي في الصّحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التّوراة. فانطلق عليّ (عليه السّلام) يجمعه، فجمعه في ثوب أصفر ثمّ ختم عليه". 

وعلى هذا اتّفقت كلمة جمهور فقهاء الشّيعة، من أمثال الصّدوق والمفيد والسّيّد المرتضى علم الهدى والطّوسيّ. قال السّيّد المرتضى: "إنّ القرآن كان على عهد رسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجموعًا مؤلّفًا على ما هو عليه الآن". و"استدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يُدرّس ويُحفظ جميعه في ذلك الزّمان، حتى عيّن على جماعة من الصّحابة في حفظهم له، وأنّه كان يُعرض على النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويُتلى عليه، وأنّ جماعة من الصّحابة مثل عبدالله بن مسعود واُبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عدّة ختمات. 

كلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعًا مرتّبًا غير مبتورٍ ولا مبثوث، "وذكر أنّ من خالف في ذلك من الإماميّة والحشويّة لا يُعتدّ بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث، نقلوا أخبارًا ضعيفة ظنّوا بصحّتها، لا يُرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته". 

- إخبار الرسول (صلّى الله عليه وآله) في حياته -وكما أمره الله تعالى- بالجمع الّذي يجب أن يكون عليه القرآن، وكذلك فعل؛ إذْ لا يُعقل أنْ يترك الرّسول آيات القرآن وسوره مبعثرةً في أيدي المسلمين ثمّ يُوكل جمعها إليهم، مع إخبار الوحي له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾(الزّمر:30)؟ أم كيف يكون حريصًا على القرآن من جهة وألّا يجمعه من جهة أخرى؟ أم كيف لا يأذن الله تعالى لنبيّه أنْ يقوم بجمعه مع أنّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾(القيامة:17-18). فعليه إبلاغه مجموعًا مرتّبًا كما رتّبه الله تعالى. 2. 

بالإضافة إلى ماسبق، هنالك مؤيّدات أخرى تدلّ على أنّ القرآن الّذي بين أيدينا هو نفسه الّذي جُمع ورُتّب في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله). 

ومن هذه المؤيّدات: 

- روى الفريقان أنّ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: "إنّي مخلّف فيكم الثّقْليْن كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدًا". فالكتاب الّذي يُخلّفه رسول الله في أمّته هو الكتاب المجموع والمرتّب، لا الآيات المتفرّقة، إذْ لايُطلق عليها كتاب. وقد سبق الله تعالى رسوله (صلّى الله عليه وآله) في هذا التّعبير حيث أطلق في آيات متعدّدة كلمة (الكتاب) على القرآن، إشارة إلى أنّه مجموع مرتّب عنده تعالى في اللّوح المحفوظ -كما قال به بعض المفسّرين-، وأنّه تعالى أطلع رسوله على جمعه وترتيبه لديه، وأمره بأنْ يجمع القرآن على ما هو مجموع في اللّوح المحفوظ. قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾(الأنعام:92). 

- تسمية سورة الحمد بسورة الفاتحة في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعني أنّها فاتحة القرآن، مع أنّها لم تكن لا السّورة ولا الآيات الأولى الّتي نزل بها الوحي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فتسميتها بفاتحة الكتاب يشير إلى أنّ الكتاب كان مجموعًا بهذا الشّكل الّذي بين أيدينا اليوم. 

- ما ورد من أمْر النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) بختم القرآن في شهر رمضان وفي غيره من سائر الأيام، وبيان ما لختمه من الفضيلة والثّواب. ولولا أنّ القرآن مجموع مرتّب، لم يكن لختم القرآن معنًى؛ لأنّ الختم يُقال لما يُبدأ من أوّله ويُنتهى بآخره. قال (صلّى الله عليه وآله): "مَن ختم القرآن فكأنّما أدرجت النّبوّة بين جنبيه ولكنّه لايُوحى إليه". كما إنّ عبدالله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عدّة مرّات. وإذا لم يكن القرآن مجموعًا في عهده كيف ختموه عنده. 

- ما ورد من أنّ جبريل (عليه السّلام) كان يعرض القرآن على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلّ عام مرّة، وعرضه عليه في عامه الأخير من حياته مرّتين. قال (صلّى الله عليه وآله): "إنّ جبرائيل كان يعرض عليّ القرآن كلّ سنة مرّة، وقد عرضه العام مرّتين ولا أراه إلّا لحضور أجلي". 

- ما رُوي من أنّ جماعة من الصّحابة قد حفظوا القرآن الكريم وجمعوه كلّه في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإلّا كيف يُحفظ كلّه دون أنْ يُجمع؟ فعن عليّ بن رباح قال: "إنّ عليّ بن أبي طالب جمع القرآن هو وأبيّ بن كعب في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)". 

وممّا أجاب به السّيّد الشّيرازيّ عن ذلك السّؤال، يمكن أنْ نخلص إلى: أنّ شفاهيّة القرآن الكريم كانت حاضرةً في تلقي الرّسول (صلّى الله عليه وآله) له نجومًا عبر جبرائيل (عليه السّلام)، وشاعت تبليغًا من قبله (صلّى الله عليه وآله)، وتناقلًا بين للنّاس؛ تبعًا لطبيعة العصر. وأنّ كتابيّته كانت سابقة على نزوله الأرضيّ في اللّوح المحفوظ، وفي تنزّله على قلبه (صلّى الله عليه وآله) جملة واحدة. ثمّ إنّها كانت مشهودة -أيضًا- واقعًا في حياته وقبل شهادته (صلّى الله عليه وآله).

............................................

الهوامش: 1. انظر: الشّفاهيّة والكتابيّة: والتر ج. أونج.

 2. انظر: د. محمّد عبدالرّحمان سلامة، الشّفاهيّة والكتابيّة والوحي القرآنيّ: 57 و62. على الرّابط: https://www.researchgate.net/publication/348573681_alshfahyt_walktabyt_walwhy_alqrany 

3. أحد أنماط التّأليف لدى السّيّد الشّيرازيّ، هو تأليف الكتب صغيرة الحجم والكتيّبات الجيبيّة الموجّهة إلى عامّة المسلمين؛ بغية تعميم الثّقافة الدّينيّة الصّحيحة وبأسلوب مبسّط وشيّق.

اضف تعليق