تقدير المخاطر ليس ترفًا نظريًا، بل شرطًا للكرامة الحقيقية. الندية لا تعني إنكار نقاط الضعف، والشجاعة لا تعني تجاهل الاحتمالات السيئة، والكرامة لا تُصان بالشعارات بل ببناء مؤسساتٍ تستشرف وتخطط وتستعد. من ردّ الفعل الى الفعل الوقائي: ما يحتاجه العراق اليوم ليس خطابًا إضافيًا عن المخاطر، بل ثقافة إدارة مخاطر...

كيف يقدر العراقيون المخاطر؟ ولماذا يبدو أن هناك، في كل منعطف حاسم، فجوة واسعة بين حجم الخطر الحقيقي وبين الطريقة التي نستقبله بها أو نستعد له؟ هذه الاسئلة تعيد فحص عقلنا السياسي وتطرح المشاكل البنيوية التي يعاني منها، ما يستدعي مراجعة ونقدا منهاجيا ومعرفيا. بل ان من يعاين ساحتنا السياسية وخطاباتنا الاعلامية وجدالاتنا اليومية يكتشف بلا مراء مساحة العطب الكبير ويستنتج بسهولة لماذا نفشل في ادارة ازمات حياتنا المتكثرة .

ليست المشكلة في غياب المخاطر فالعراق منذ 2003 يعيش في بيئةٍ مشبعةٍ بالتهديدات الاقتصادية والأمنية والسياسية. المشكلة في سوء تقديرها: إمّا تهويلٌ يشيع الهلع ويشلّ الفعل، أو تسطيحٌ يبعث على الطمأنينة الزائفة ويؤجل الاستعداد. بين الخوف المبالغ فيه والأمل غير الواقعي، يتسع البون حتى يصبح الخطر نفسه حدثًا مفاجئًا، مع أنه كان متوقعًا. سأشير الى زوايا المشكلة وفقا للتسلسل التالي :

أولاً: فكريًا… غلبة الانفعال على الحساب: في المجال الفكري، لا يزال تقدير المخاطر عندنا أقرب الى الانطباع منه الى التحليل. نفتقر الى تقاليد راسخة في التفكير الاحتمالي، وفي قراءة السيناريوهات، وفي التفريق بين الممكن والمرجّح. تتقدّم الرغبة على المعطى، والتمنّي على المؤشر. وحين تُطرح التحذيرات، يُنظر إليها أحيانًا بوصفها تشاؤمًا أو تثبيطًا، لا بوصفها جزءًا من إدارة المخاطر.

هذا الخلل يجعلنا نتعامل مع الأزمات بعد وقوعها، لا قبلها. نُحسن وصف الكارثة، لكننا لا نستثمر في منعها.

ثانيًا: أيديولوجيًا.. يقينيات مغلقة في عالمٍ مفتوح: أيديولوجيًا، تتقدّم السرديات الكبرى على الوقائع اليومية. كل تيارٍ يقرأ الخطر من زاويته الخاصة، ويعيد تأويله بما يخدم ثوابته. الخطر يصبح أحيانًا مادةً للتعبئة، لا موضوعًا للتقييم الموضوعي. وحين تُختزل السياسة في صراع هويات، يُعاد تعريف المخاطر وفق ميزان الولاء لا ميزان المصلحة العامة.

في هذا السياق، تتضخم المخاوف من “الآخر” الداخلي، بينما تُهمل المخاطر البنيوية: هشاشة الاقتصاد الريعي، اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع، الارتهان لتقلبات الخارج.

ثالثًا: نفسيًا وسيكولوجيًا.. بين عقدة الخواجة ووهم البطولة: على المستوى النفسي، ثمة مفارقة لافتة. من جهة، عقدة الخواجة: ميلٌ الى تضخيم قدرة الخارج على الفعل، وإلى انتظار الحلول منه، كأن الداخل عاجز بطبيعته. ومن جهةٍ أخرى، خطابٌ مفعمٌ بالكرامة والندية والشجاعة، يرفض الاعتراف بالهشاشة أو الحاجة الى إصلاح جذري.

هذه الازدواجية تُنتج تقديرًا مضطربًا للمخاطر: نقلّل من شأنها حين تمسّ صورتنا عن أنفسنا، ونبالغ فيها حين تتصل بالآخر. نرفع سقف الآمال بلا حساب، ثم نصطدم بالواقع فنغرق في خيبةٍ جماعية.

رابعًا: حزبيًا.. الحسابات الضيقة بدل القراءة الوطنية: حزبيًا، تُقاس المخاطر بميزان الربح والخسارة الفئوية. قد يُنظر الى أزمةٍ اقتصاديةٍ خانقة، أو انسدادٍ سياسيٍ طويل، لا بوصفها تهديدًا للنظام العام، بل فرصةً لإعادة التموضع أو لتحسين شروط التفاوض. وهكذا يُعاد تعريف الخطر من كونه تهديدًا وطنيًا الى كونه ورقةً سياسية.

تجربة استعصاء تشكيل الحكومات مثالٌ صارخ: يتحول الفراغ الدستوري الى أداة ضغط، لا الى ناقوس إنذار. يتأخر الاتفاق، وتُستنزف الثقة العامة، وتتآكل هيبة الدولة، بينما الخطاب السياسي يهوّن من الأثر أو يحمّله للطرف الآخر.

خامسًا: جيليًا.. ذاكرة مثقلة ومستقبلٌ ملتبس: الجيل الذي عايش الحروب والحصار والاحتلال يحمل ذاكرةً مثقلةً بالمخاطر الوجودية، ما يجعله أحيانًا ميالًا الى القبول بالحد الأدنى من الاستقرار ولو كان هشًا. أما الجيل الجديد، الذي فجّر احتجاجات تشرين، فينظر الى المخاطر من زاوية مختلفة: يرى في الركود والفساد خطرًا أكبر من المغامرة بالتغيير.

بين جيلٍ يخشى الانهيار وجيلٍ يخشى الجمود، تتباين أولويات الخطر، ويتعذر بناء رؤيةٍ مشتركة لإدارته.

النموذج الحي: الاقتصاد والأمن والسياسة: الأزمة الاقتصادية مثالٌ واضح. اقتصادٌ ريعي يعتمد على النفط، في عالمٍ متقلب الأسعار والتحولات الطاقوية، هو خطرٌ بنيوي لا طارئ. ومع ذلك، لا يزال التعامل معه موسميًا: نطمئن حين ترتفع الأسعار، ونفزع حين تنخفض، من دون بناء احتياطاتٍ كافية أو تنويعٍ جاد.

أمنيًا، كل تراجعٍ في منسوب العنف يُقرأ أحيانًا بوصفه نهاية الخطر، لا هدنةً قد تعقبها موجة أخرى إن لم تُعالج جذوره الاجتماعية والسياسية. وسياسيًا، يتكرر مشهد الانسداد، كأن النظام لم يتعلم بعد، أن طول الفراغ يضاعف كلفة الحل.

بين المخاوف والآمال.. الفجوة القاتلة، المشكلة ليست في أن نخاف، ولا في أن نأمل. المشكلة في الفجوة الشاسعة بين الاثنين. حين تُبنى الآمال على فرضياتٍ غير مدروسة، تتحول الى وعودٍ كبرى تنتهي بخيباتٍ أكبر. وحين تُضخّم المخاوف بلا تحليل، تُنتج شللًا عامًّا وفقدان ثقة.

تقدير المخاطر ليس ترفًا نظريًا، بل شرطًا للكرامة الحقيقية. الندية لا تعني إنكار نقاط الضعف، والشجاعة لا تعني تجاهل الاحتمالات السيئة، والكرامة لا تُصان بالشعارات بل ببناء مؤسساتٍ تستشرف وتخطط وتستعد.

خاتمة: من ردّ الفعل الى الفعل الوقائي: ما يحتاجه العراق اليوم ليس خطابًا إضافيًا عن المخاطر، بل ثقافة إدارة مخاطر: قراءة علمية للمعطيات.

بناء سيناريوهات واقعية.

فصل التمنّي عن التخطيط.

تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية.

حين ننتقل من ردّ الفعل الى الفعل الوقائي، ومن الانفعال الى الحساب، سنكتشف أن كثيرًا من المخاطر لم تكن قدرًا، بل نتيجة سوء تقدير.

السؤال إذن ليس: ما الذي يهددنا؟، بل: لماذا لا نراه بالحجم الذي يستحق، ولا نستعد له بما يكفي؟ هنا تبدأ المراجعة… وهنا يبدأ الإصلاح.

اضف تعليق