شهر رمضان أعظم فرصة سنوية لإعادة هندسة الذات وبناء الشخصية الفاعلة. إن النجاح الحقيقي في هذا الشهر لا ينتهي بانتهاء أيامه، بل يبدأ حين تتحول تلك الأهداف إلى استقامة مستدامة ومنهج حياة يرافقنا طوال العام. حيث يكون صيامنا بوابتنا نحو "البناء والتقدم"، لنخرج منه بقلوب أكثر نقاءً، وعقول أكثر وعياً...

يُعد شهر رمضان المبارك في الرؤية الفكرية للمرجع الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) محطة استراتيجية لـ "البناء والتقدم"، حيث تصبح فلسفة الصيام مشروعاً متكاملاً لإعادة صياغة الذات والمجتمع. وانطلاقاً من مؤلفاته المنهجية يبرز الشهر الكريم كفرصة ذهبية لتحويل العادات الراكدة إلى انطلاقة نحو الاستقامة والوعي العقيدي، وذلك عبر وضع أهداف عملية دقيقة تلامس روح المؤمن وعقله وسلوكه، مما يحقق تحولاً عميقاً ومستداماً يمتد أثره لما بعد الشهر الفضيل.

فلسفة التغيير في شهر رمضان

تُعد فلسفة التغيير في شهر رمضان المبارك تجسيداً لعملية "إعادة صياغة الذات" من منظور إسلامي شامل، حيث لا يُنظر إلى الصيام بوصفه مجرد انقطاع مؤقت عن الملاذات المادية، بل هو "ثورة بيضاء" على الرتابة والعادات الراكدة التي تكبل طاقة الإنسان وتعيق تقدمه. إن فلسفة التغيير هنا تنطلق من مبدأ أن الإنسان كائن قابل للتطوير والارتقاء، وأن شهر رمضان هو المحطة السنوية الكبرى لإطلاق مشاريع "البناء والتقدم" على الصعيدين الفردي والاجتماعي.

تبدأ هذه الفلسفة من مفهوم "البناء الجديد"؛ فكما تذكر الرؤى الفكرية المستمدة من مدرسة المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي، فإن رمضان يريد للمؤمن أن يكون "جديداً" في كل أبعاده. هذا التجديد ليس شكلياً، بل هو تحول جوهري يمس جوهر الوجدان. التغيير يبدأ بـ "الاستعداد الروحي" الذي يمثل حالة من "اليقظة" تجاه عيوب النفس ونقائص الواقع. إن فلسفة الصيام تضع الإنسان أمام مرآة الحقيقة، حيث يكتشف قدرته على التحكم في غرائزه، مما يولد لديه قناعة عميقة بأن "التغيير ممكن"، وأن الإرادة التي انتصرت على الجوع والعطش قادرة على الانتصار على الجهل، واليأس، والتخلف السلوكي.

علاوة على ذلك، فإن فلسفة التغيير في هذا الشهر تتجاوز البعد الفردي لتصبح "عملية اجتماعية". فرمضان هو شهر "الإحياء"؛ إحياء القيم الإنسانية التي قد تذبل تحت ضغوط الحياة المادية. إن الجوع الذي يشعر به الصائم ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة فلسفية لخلق "التعاطف الوجداني" و"المواساة العملية" مع المحرومين، مما يؤدي إلى تغيير في بنية العلاقات الاجتماعية من الفردية والأنانية إلى التكافل والاندماج. هذا التحول هو ما يحول المجتمع من مجرد أفراد مشتتين إلى "أمة" حية تتجه نحو هدف واحد.

إن فلسفة التغيير الرمضاني ترفض حالة "التوقف" أو "الركود". فالمؤمن الذي يمر عليه شهر رمضان دون أن يحقق تقدماً ملموساً في فكره أو أخلاقه أو مساهمته الاجتماعية هو إنسان "مغبون" من الناحية الوجودية. التغيير هنا هو "استقامة" مستدامة، تبدأ بـ "وقفة مع النفس" لإزالة غبار المعاصي والأوهام، وتنتهي بوضع "لبنة جديدة" في صرح الحضارة الإسلامية. إنه شهر "صناعة الإنسان" القادر على حمل الأمانة، وتجديد العهد مع الخالق عبر "تطهير القلب" ليكون وعاءً للسكينة والرحمة، مما يمهد الطريق لتحولات عميقة ومستدامة تمتد آثارها إلى ما بعد الشهر الكريم، لتصبغ حياة الإنسان بصبغة الاستقامة والفاعلية والتقدم المتواصل.

كيف نختار اهدافنا في شهر رمضان؟

إن عملية اختيار الأهداف في شهر رمضان ليست مجرد ترف فكري أو قائمة من الأماني العابرة، بل هي عملية هندسية تتطلب دقة ورؤية عميقة، لأن الهدف في مدرسة شهر رمضان هو "البناء والتقدم"؛ أي الانتقال من حالة التخلف أو الركود إلى حالة الفاعلية والشهود. لكي نختار أهدافنا بحيث تحقق تحولات عميقة في مسار حياتنا، يجب أن نستند إلى معايير منهجية مستمدة من أصالة المنهج الإسلامي وواقعية الفكر التربوي للسيد محمد الشيرازي.

المعيار الأول: العودة إلى صفاء الفطرة

أول خطوة في اختيار الهدف هي "الصدق مع الذات". يجب أن نختار أهدافاً تنبع من حاجتنا الفطرية للكمال، لا من ضغوط المظاهر الاجتماعية. شهر رمضان يمنحنا "شفافية الوجدان"، وهي اللحظة المثالية لاكتشاف التناقضات الداخلية. لذا، فإن اختيار الهدف يجب أن يبدأ بسؤال: "ما الذي يحجبني عن فطرتي السليمة؟". هل هو الكبر؟ هل هو الجهل؟ هل هو سوء الخلق؟ عندما يكون الهدف هو إزالة هذه الحجب، نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق التحول العميق، لأن العودة للفطرة تعني العودة لمنبع القوة والهدوء النفسي.

المعيار الثاني: معيار "الإحياء" والتأثير

في اختيارنا لأهدافنا، يجب أن نتجاوز الأهداف "الساكنة" إلى الأهداف "المحيية". القرآن الكريم يدعونا لما "يحيينا"، وهذا يعني أن الهدف الناجح في رمضان هو الذي يبعث الحياة في جوانبنا الميتة. إذا كنت تعاني من قطيعة رحم، فإن هدف "الإحياء" هنا هو ترميم هذه العلاقة. إذا كنت تعاني من ركود معرفي، فإن الهدف هو "إحياء العقل" بالقراءة والتدبر. التحول العميق لا يحدث بالقيام بأعمال روتينية، بل باختيار مهام تُحدث "نبضاً" جديداً في روحك وفي محيطك الاجتماعي، ليكون المؤمن لبنة فاعلة تساهم في بناء صرح المجتمع.

المعيار الثالث: الاستقامة والشمولية

لا ينبغي أن تقتصر الأهداف على البعد العبادي الشعائري فحسب، بل يجب أن تتسم بالشمولية. اختيار الأهداف يجب أن يغطي محاور ثلاثة: المحور العقيدي (تصحيح الأفكار)، المحور التعليمي (تطوير المهارات والمعارف)، والمحور السلوكي (تهذيب الأخلاق). إن الهدف الذي يحقق تحولاً في مسار الحياة هو الهدف الذي "يستقيم" معه السلوك؛ فالاستقامة في الحياة هي الغاية العظمى. لذا، يجب اختيار أهداف قابلة للاستمرار لما بعد شهر رمضان، لأن قيمة الهدف تكمن في قدرته على تغيير "نمط الحياة" لا في كونه حدثاً موسمياً ينتهي بانتهاء الشهر.

المعيار الرابع: الواقعية والتدرج

من الأخطاء الشائعة اختيار أهداف خيالية تؤدي للإحباط. اختيار الأهداف في رمضان يجب أن يقوم على مبدأ "الغربلة"؛ أي اختيار ما هو أساسي وضروري الآن. ابدأ بتحديد "الثغرات" في شخصيتك. هل مشكلتك في إدارة الوقت؟ في ضبط اللسان؟ في ضعف الثقافة الدينية؟ اختر هدفين أو ثلاثة بتركيز عالٍ، بدلاً من عشرة أهداف مشتتة. التحول العميق هو تراكم لنجاحات صغيرة ومستمرة، وهو ما يعبر عنه بـ "التقدم المتواصل"؛ فالحركة البسيطة للأمام أفضل من القفزات الكبيرة التي يعقبها تراجع.

المعيار الخامس: التوازن بين "الرهبة" و"الرغبة"

عند اختيار الأهداف، يجب شحن الإرادة بدافعين متوازنين: الرغبة في الكمال ونيل رضا الله (الجنة بمفهومها الواسع)، والرهبة من الضياع والتخلف (النار بمفهومها المادي والمعنوي). هذا التوازن يجعل اختيار الهدف عملية "مصيرية" وليس مجرد نشاط تكميلي. عندما ندرك أن رمضان هو "فرصة العمر" التي قد لا تتكرر، وأن أهدافنا فيه هي التي ستحدد مسارنا المستقبلي، ستتحول عملية الاختيار من مجرد كتابة نقاط على ورقة إلى "عقد" مع الله ومع النفس لتحقيق نقلة نوعية في الوعي والسلوك.

إن اتباع هذه المعايير في اختيار الأهداف يضمن لنا أن شهر رمضان لن يكون مجرد "محطة انتظار"، بل سيكون "محركاً للتغيير" يوجه دفة حياتنا نحو الرقي والازدهار والتقدم الإنساني الشامل.

ما هي الأهداف التي يجب ان نختارها؟

تعتبر الأهداف في شهر رمضان بمثابة "خارطة الطريق" التي تنقل الإنسان من ضفة العادات الراكدة إلى ضفة الإنجاز الحقيقي. وانطلاقاً من رؤية المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي، فإن الأهداف التي يجب اختيارها لا بد أن تكون شاملة، تمس كيان الإنسان فكراً، وروحاً، وسلوكاً. إن التحول العميق يتطلب عدم الاكتفاء بالأهداف السطحية، بل الغوص في ثلاثة محاور استراتيجية تشكل جوهر البناء الإنساني.

المحور الأول: الأهداف العقيدية (ترميم الجذور)

إن أول وأهم هدف يجب أن يضعه الصائم نصب عينيه هو "تصحيح وتعميق العقيدة". فالعقيدة هي المحرك الأساسي لكل سلوك إنساني.

1. الاستبصار القلبي: الهدف هنا ليس مجرد ترديد الأذكار، بل الوصول إلى حالة من اليقظة العقيدية تجاه أصول الدين (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد). رمضان هو الوقت المثالي للتفكر في "فلسفة الوجود" وعظمة الخالق، مما يؤدي إلى طرد الشكوك والأوهام التي تراكمت بفعل الانشغال بالماديات.

2. تعميق الولاء والارتباط: فالارتباط بالعترة الطاهرة هو "ملاذنا" في مواجهة التحديات. لذا، يجب أن يكون أحد الأهداف هو دراسة سيرتهم ومنهجهم لتحويل "العاطفة" إلى "اقتداء عملي". إن فهم نهج أهل البيت (ع) في العبادة والتعامل مع الناس يعد هدفاً عقيدياً يغير مسار الحياة بالكامل.

المحور الثاني: الأهداف التعليمية (ثورة الوعي)

شهر رمضان هو "ربيع القرآن"، وهذا الربيع لا يزهر إلا بالتعلم والتدبر. الأهداف التعليمية هي الجسر الذي يعبر به المؤمن من الجهل إلى النور.

1. إتقان القراءة والتدبر: لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد "ختم القرآن" كميةً، بل الهدف الحقيقي هو "تعلم القراءة الصحيحة" وفهم معاني الألفاظ. إن تخصيص وقت يومي لمدارسة تفسير الآيات وربطها بالواقع المعاش يحول القرآن من كتاب للقراءة إلى "منهاج عمل".

2. اكتساب المعرفة النافعة: يشدد المنهج الرمضاني على ضرورة "رفع المستوى الثقافي". الهدف التعليمي الناجح هو الذي يتضمن قراءة كتب فكرية أو دينية تزيد من وعي المؤمن بتحديات عصره، وتسلحه بالمنطق والحجة في مواجهة الأفكار الهدامة. إن الأمة التي تقرأ في شهر القرآن هي الأمة التي تمتلك زمام التقدم.

المحور الثالث: الأهداف السلوكية والاجتماعية (صناعة الإنسان الفاعل)

هذا المحور هو "ثمرة" العقيدة والتعلم، وفيه يظهر الأثر الحقيقي للصيام في سلوك المؤمن تجاه نفسه وتجاه مجتمعه.

1. تهذيب الأخلاق (المجاهدة): الهدف هنا هو "الاقتلاع". اقتلاع رذيلة واحدة (مثل الكذب، الغيبة، الحسد، أو الغضب) وزراعة فضيلة مقابلة لها. إن النجاح في تغيير خلق واحد خلال ثلاثين يوماً يعد إنجازاً يفوق ألف ركعة مستحبة، لأنه يغير "جوهر" الشخصية.

2. المواساة العملية والتكافل: من الأهداف المركزية التي طرحتها الملفات هو "الخروج من الفردية". يجب أن يختار الصائم أهدافاً تتعلق بـ "إصلاح الغير" والمساهمة في الهيئات والمؤسسات الاجتماعية. إن استشعار جوع الفقراء يجب أن يتحول إلى "مشروع عملي" للمساعدة، سواء بالمال أو الجهد أو الكلمة الطيبة.

3. تحقيق الاستقامة: الهدف الأسمى هو تحويل الالتزام الرمضاني إلى "استقامة دائمية". رمضان هو "دورة تدريبية" مكثفة، والهدف النهائي هو أن تخرج من الشهر بـ "نمط حياة" جديد يتسم بالانضباط، والصدق، والفاعلية، والقدرة على مواجهة ضغوط الحياة بروح إيمانية صلبة.

إن الأهداف التي يجب اختيارها هي تلك التي تجعل من المؤمن "لبنة جديدة" في صرح الإسلام. إنها الأهداف التي تجمع بين "الرغبة في الجنة" كدافع للكمال، و"الرهبة من النار" كحافز للابتعاد عن الركود والتخلف. عندما نختار أهدافنا بناءً على هذه المحاور الثلاثة (العقيدة، العلم، السلوك)، فإننا نضمن أن شهر رمضان سيكون نقطة الانطلاق الكبرى لتحول حقيقي يعيد صياغة حياتنا، ويجعلنا أكثر قرباً من الفطرة السليمة، وأكثر تأثيراً في بناء مجتمع إنساني متقدم تسوده قيم العدل والرحمة.

تحقيق الأهداف الرمضانية

تعتبر الخطوات العملية هي الجسر الذي يربط بين "الأهداف النظيرة" و"الواقع المعاش". فبدون منهجية واضحة للتنفيذ، يظل شهر رمضان مجرد ذكرى عاطفية عابرة بدلاً من أن يكون محطة لتحول حياتي عميق. وانطلاقاً من توجيهات المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي، يمكن بلورة الخطوات العملية لتحقيق الأهداف الرمضانية في ست خطوات منهجية تتسم بالدقة والفاعلية:

الخطوة الأولى: التصميم والعهد الصادق

يبدأ التغيير من "الإرادة". الخطوة الأولى والأساسية هي أن يجلس الإنسان مع نفسه ليضع "تصميماً" محكماً لما يريد إنجازه. هذا التصميم يجب أن يتحول إلى "عهد" غليظ مع الله سبحانه وتعالى. فالإنسان الذي يدخل الشهر دون نية محددة وعزم أكيد سيفقد بوصلته أمام المغريات اليومية أو الرتابة. العهد الصادق يعني استحضار النية في كل حركة وسكنة، والوعي بأن كل يوم يمر من رمضان هو فرصة تاريخية قد لا تتكرر، مما يستوجب "الجد والاجتهاد" وترك الكسل والخمول.

الخطوة الثانية: الغربلة والتنقية الجسدية والروحية

قبل البناء، لا بد من "التطهير". يركز المنهج الرمضاني على ضرورة "نقض" ما علق بالنفس من غبار الجهل والتخلف.

1. المراجعة الشاملة: فرز العادات السيئة التي تحول دون التقدم (مثل إضاعة الوقت أمام الشاشات أو اللغو).

2. التوبة الإنابية: البدء بتصفية الحسابات الروحية مع الخالق، والاجتماعية مع الخلق عبر أداء الحقوق والاعتذار من المظلومين. إن تنقية "الوعاء" (القلب) هي الخطوة العملية ليكون جاهزاً لاستقبال فيوضات الشهر الكريم.

الخطوة الثالثة: تنظيم الوقت وبرمجة اليوم الرمضاني

التحول العميق يتطلب "انضباطاً". تقترح الملفات تحويل اليوم الرمضاني إلى "مدرسة" متكاملة عبر توزيع الأوقات بدقة:

* وقت للتدبر: تخصيص ساعات الصباح أو ما بعد السحر للقراءة الواعية للقرآن الكريم وتعلم التفسير.

* وقت للمجاهدة: تخصيص وقت لتمرين النفس على "الورع عن محارم الله"، وهو أفضل الأعمال في هذا الشهر.

* وقت للعمل الاجتماعي: لا يجوز أن ينغلق المؤمن على نفسه؛ بل يجب أن يتضمن برنامجه العملي وقتاً لخدمة الآخرين أو المساهمة في مشاريع خيرية.

الخطوة الرابعة: الانخراط في العمل الجماعي (الهيئات والمؤسسات)

من الخطوات العملية التي يشدد عليها السيد الشيرازي هي "العمل المؤسساتي". فالجهد الفردي قد يضعف، لكن الجهد الجماعي يثمر ويستمر.

* تأسيس أو المشاركة في مجالس العلم: حضور الندوات والمحاضرات التي تطور الوعي العقيدي والسياسي والاجتماعي.

* تفعيل "الهيئات القرآنية": تحويل المساجد والبيوت إلى مراكز إشعاع فكري، حيث يتعاون الجميع على فهم القرآن وتطبيقه. العمل الجماعي يحول الهدف من طموح شخصي إلى "ثقافة مجتمعية" تدفع نحو التقدم.

الخطوة الخامسة: المراقبة والمحاسبة اليومية

لتحقيق تحول في مسار الحياة، يجب تطبيق مبدأ "المحاسبة". في نهاية كل يوم رمضاني، يجب على المؤمن أن يسأل نفسه:

* هل أنا اليوم "جديد" فعلاً كما أراد الإسلام؟

* هل تقدمت خطوة نحو أهدافي العقيدية والتعليمية؟

* هل كنت "أحسن" حالاً من أمس؟

هذه المراقبة تمنع التسويف وتساعد على تصحيح المسار فوراً قبل ضياع أيام الشهر. إن "تساوي اليومين" علامة على الخسران، لذا فإن كل يوم يجب أن يشهد "لبنة جديدة" تضاف إلى شخصية المؤمن.

الخطوة السادسة: الاستمرارية (ما بعد رمضان)

الخطوة العملية الأخيرة والمحورية هي "تجسيد النتائج". التحول العميق ليس له تاريخ انتهاء. الخطوة العملية هنا هي وضع خطة "للانتقال" بالصفات المكتسبة في رمضان إلى بقية شهور السنة. إذا تعلم المؤمن الصدق، أو التدبر، أو المواساة في رمضان، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ في شوال. الاستمرارية هي التي تحول "الحالة الرمضانية" إلى "هوية إنسانية" مستدامة، وهي الغاية من "البناء والتقدم".

عبر هذه الخطوات الست، يتحول شهر رمضان من مجرد طقوس عبادية إلى "منهج تغيير شامل" يعيد صياغة الإنسان ليكون عنصراً فاعلاً، واعياً، ومستقيماً، قادراً على تحقيق أهدافه الكبرى في الدنيا والآخرة.

ثمار النجاح في تحقيق اهداف شهر رمضان

 تأتي ثمرة النجاح لتؤكد أن الصيام لم يكن مجرد تجربة بدنية شاقة، بل كان عملية "صناعة" متكاملة للإنسان. إن النجاح الحقيقي في نهاية هذا الشهر الكريم، كما يستوحى من فكر المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي، لا يُقاس بمجرد انقضاء الأيام، بل بمقدار التحول الجوهري الذي طرأ على الكيان الإنساني، وبمدى قدرة هذا التحول على الاستمرار وتشكيل واقع جديد.

أولاً: تحول الكلمة إلى حركة (من النظرية إلى التطبيق)

أولى ثمار النجاح هي عبور الفجوة بين "المعلومة" و"السلوك". لقد كانت الأهداف التي وضعناها في البداية كلمات على ورق، لكن ثمرة النجاح تتمثل في تحويل هذه الكلمات إلى "حركة" في الواقع. النجاح هو أن تتحول آيات الصبر والمواساة التي قرأناها في القرآن إلى كفٍّ ممدودة لليتيم، وقلبٍ يتسع للآخرين، وإرادةٍ قوية تأبى الانكسار أمام الشهوات. إن الثمرة الكبرى هي أن يصبح الإسلام "منهاج حياة" يعيشه المؤمن في تفاصيل يومه. عندما تخرج من رمضان وقد تغيرت نظرتك للحياة، وأصبحت أكثر وعياً بمسؤولياتك تجاه ربك ومجتمعك، فهذا هو الفوز الأكبر.

ثانياً: بلوغ مرتبة "المتقين" والانتفاع بالقرآن

إن الغاية القرآنية القصوى من الصيام هي "التقوى" {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. وثمرة النجاح هنا هي الوصول إلى حالة من "الوقاية" الروحية؛ حيث يصبح لدى الإنسان رادار داخلي يمنحه القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين النافع والضار. النجاح هو أن يصبح القلب وعاءً طاهراً صالحاً لاستقبال هدى القرآن، فبدون هذه الثمرة يظل القرآن "هدى للناس" نظرياً، وبالتقوى يصبح "هدى للمتقين" عملياً. الثمرة الحقيقية هي تلك "البصيرة" التي تجعل المؤمن يرى بنور الله، فيسير في دروب الحياة بخطى ثابتة، محصناً من اليأس والتخبط.

ثالثاً: ميلاد "الإنسان الجديد" وتحقيق الاستقامة

رمضان، هو شهر "البناء والتقدم". وثمرة النجاح هي ولادة "إنسان جديد" نفض عن كاهله غبار التخلف والجهل. هذا الإنسان الجديد هو الذي اكتشف خلال ثلاثين يوماً أنه قادر على التغيير، وأنه ليس أسيراً لعاداته المرفوضة. الثمرة هي "الاستقامة"؛ تلك الحالة من الاعتدال والدوام على فعل الخير. إذا انتهى رمضان وبقي المؤمن محافظاً على نظافة يده، وصدق لسانه، ونقاء قلبه، وسعيه في طلب العلم، فهذا دليل على أن "مشروع البناء" قد نجح، وأن اللبنة التي أضيفت في رمضان قد استقرت في مكانها الصحيح في صرح الشخصية الإسلامية.

رابعاً: الأثر الاجتماعي الممتد (الحياة الطيبة)

لا تقتصر ثمار النجاح على الفرد، بل تمتد لتصبغ المجتمع بصبغة "الحياة الطيبة". إن النجاح في تحقيق الأهداف الرمضانية يثمر مجتمعاً متكافلاً، تسوده روح المواساة والتعاون. عندما تتحول الهيئات والمؤسسات التي تفعلت في رمضان إلى مراكز إشعاع دائم، وعندما يصبح "الإحياء" الاجتماعي ثقافة عامة، نكون قد قطفنا ثمار الشهر الحقيقية. النجاح هو أن يرى المجتمع في سلوك الصائمين نموذجاً للتقدم والرقي الإنساني، مما يحول الدين من مجرد انتماء هوية إلى قوة دافعة للتنمية والازدهار.

خامساً: اليقين والرضا النفسي

ختاماً، فإن ألطف ثمار النجاح هي تلك "السكينة" التي تغشى قلب المؤمن في نهاية الشهر. شعور الرضا عن الذات الناتج عن مجاهدة النفس وتحقيق الأهداف يمنح الإنسان طاقة إيجابية جبارة لمواجهة تحديات العام المقبل. الثمرة هي اليقين بأن الله سبحانه قد قبل هذا القربان، وأن التعب قد ذهب وبقي الأجر، وبقيت معه "الروحية المتجددة" التي تجعل المؤمن يتطلع دوماً للأفضل.

إن ثمرة النجاح في شهر رمضان ليست نهاية المطاف، بل هي "نقطة انطلاق" جديدة. هي الزاد الذي يتزود به المؤمن لرحلة الحياة الطويلة، ليكون دائماً في حالة "بناء متواصل" و"تقدم مستمر". لقد كان رمضان هو المختبر، والنتائج الناجحة هي تلك التحولات العميقة التي تجعل منا بشرًا أفضل، وأمة أقوى، وأكثر قرباً من الفطرة السليمة التي أرادها الله لنا. وكما بدأنا الشهر بالتصميم والعهد، ننهيه بالحمد والشكر على "ثمرة النجاح" التي أينعت في قلوبنا وعقولنا سلوكاً يفيض خيراً وجمالاً على العالم أجمع.

في الختام، يظهر شهر رمضان كأعظم فرصة سنوية لإعادة هندسة الذات وبناء الشخصية الإسلامية الفاعلة. إن النجاح الحقيقي في هذا الشهر لا ينتهي بانتهاء أيامه، بل يبدأ حين تتحول تلك الأهداف إلى استقامة مستدامة ومنهج حياة يرافقنا طوال العام. فليكن صيامنا هذا العام بوابتنا نحو "البناء والتقدم"، لنخرج منه بقلوب أكثر نقاءً، وعقول أكثر وعياً، وإرادة صلبة تساهم في رقي أنفسنا ومجتمعاتنا.

* تم استقاء هذه المنهجية والأفكار من الرؤية التربوية والفكرية للمرجع الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه)، وتحديداً من مؤلفاته: (شهر رمضان شهر البناء والتقدم)، (الإسلام وشهر رمضان)، و(كتاب شهر رمضان)."

اضف تعليق