القضايا التي ترتبط بالمصلحة تنتهي غالباً بانتهاء ظروفها، أما القضايا التي ترتبط بالقيم فإنها تكتسب قدرة استثنائية على الاستمرار والتجدد... فالحسين عليه السلام ليس ذكرى تُستعاد في موسم، بل فكرة متجددة في ضمير الإنسانية؛ فكرة تقول إن الحق قد يُحاصر لكنه لا يُهزم، وإن الدم الطاهر حين يقترن بالمبدأ يتحول إلى نورٍ يضيء الطريق للأجيال...
حين يحاول علماء الاجتماع والسياسة تفسير حركة المجتمعات، فإنهم غالباً ما ينطلقون من فرضية أساسية مفادها أن المصالح هي المحرك الأبرز للسلوك البشري، وأن الإنسان يتجه بطبيعته نحو ما يحقق له المنفعة ويجنبّه الخسارة. غير أن التاريخ يحتفظ بنماذج تتجاوز هذا التفسير المادي الضيق، وتفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث حين تصبح القيم أقوى من المصالح، وحين ينتصر المبدأ على حسابات الربح والخسارة؟
في هذا السياق تبرز قضية الإمام الحسين عليه السلام بوصفها واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية قدرة على تحدي التفسيرات التقليدية للسلوك البشري. فبعد أكثر من أربعة عشر قرناً على واقعة كربلاء، ما زالت الملايين تتحرك باسمه، وتبذل من وقتها وجهدها وأموالها من دون إكراه أو منفعة مباشرة، وكأن هذه القضية استطاعت أن تلامس طبقة عميقة في وجدان الإنسان تتجاوز حدود الزمان والمكان.
ولعل القرآن الكريم يشير إلى هذا المستوى الرفيع من السلوك الإنساني بقوله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
(سورة الحشر: 9)
فالإيثار هنا ليس سلوكاً عابراً، بل قيمة حضارية تعكس قدرة الإنسان على تجاوز أنانيته الفردية والانتصار لضميره الأخلاقي. وهي القيمة ذاتها التي تتجسد في مواسم الزيارة الحسينية، حين يتحول العطاء إلى ثقافة عامة، والخدمة إلى لغة مشتركة بين ملايين البشر.
إن المشهد الحسيني لا يمكن فهمه بوصفه مجرد طقس ديني أو مناسبة تاريخية، لأن ما يجري فيه يتجاوز حدود الحدث إلى فضاء المعنى. فالشاب الذي يقف ساعات طويلة لخدمة الزائرين، والطفل الذي يشارك بما يستطيع، والشيخ الذي يوزع الماء والطعام على المارة، جميعهم يتحركون بدافع يرتبط بالقيم أكثر مما يرتبط بالمصلحة المباشرة.
ومن هنا يمكن فهم الدلالة العميقة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله:
«حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا»
المصدر: سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام، حديث 3775.
فهذا الحديث لا يعبّر عن رابطة نسب فحسب، بل يؤكد أن الحسين عليه السلام يمثل امتداداً حياً للرسالة المحمدية في بعدها القيمي والأخلاقي والإنساني، وأن الدفاع عن المبادئ التي خرج من أجلها هو دفاع عن جوهر الرسالة نفسها.
ولذلك تبدو نهضته تجسيداً عملياً لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾
(سورة النحل: 90)
ففي كربلاء لم يكن الصراع على سلطة أو نفوذ، وإنما كان صراعاً بين رؤيتين للإنسان والحياة؛ رؤية تجعل العدالة قيمة عليا، وأخرى تسمح بتغليب القوة على الحق.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن تفسير بقاء الحسين عليه السلام في الذاكرة الإنسانية. فالقضايا التي ترتبط بالمصلحة تنتهي غالباً بانتهاء ظروفها، أما القضايا التي ترتبط بالقيم فإنها تكتسب قدرة استثنائية على الاستمرار والتجدد.
ولهذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«كلُّ الجزع والبكاء مكروه، ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين عليه السلام»
المصدر: وسائل الشيعة، للحر العاملي، ج14، أبواب المزار، باب استحباب البكاء على الحسين عليه السلام.
فالبكاء هنا لا يرتبط بمجرد استذكار مأساة تاريخية، بل بالوعي بحجم الخسارة التي تتعرض لها الإنسانية كلما انتصر الظلم على العدالة، وبحجم التضحية التي قدمها الحسين عليه السلام من أجل بقاء القيم حيّة في ضمير الأمة.
ومن هنا يصبح العطاء في المدرسة الحسينية جزءاً من فلسفة أخلاقية متكاملة، تنسجم مع قوله تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾
(سورة البقرة: 110)
فالعطاء لا يُقاس بما يفقده الإنسان، بل بما يضيفه إلى إنسانيته، وبما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
ولعل من أبرز ما يميز مدرسة الحسين عليه السلام قدرتها على تجاوز الحدود الضيقة للهويات والانتماءات، وهو ما ينسجم مع رؤية أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام حين قال:
«الناسُ صِنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخَلْق»
المصدر: نهج البلاغة، الكتاب 53 (عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر).
ففي مواسم الزيارة تتراجع الفوارق الاجتماعية والعرقية والقومية، لتحضر قيمة الإنسان بوصفه إنساناً، وهي إحدى الرسائل الكبرى التي حملتها كربلاء إلى العالم.
أما على المستوى الأخلاقي، فإن الحسين عليه السلام قدّم نموذجاً نادراً للثبات على المبدأ، حين أعلن موقفه الخالد:
«إنّي لا أرى الموتَ إلا سعادة، والحياةَ مع الظالمين إلا برمًا»
المصدر: بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، ج44، ص192.
وهي كلمات تختصر فلسفة كاملة في معنى الحرية والكرامة؛ إذ تؤكد أن قيمة الحياة لا تقاس بطولها، وإنما بما تحمله من معنى، وأن الإنسان يفقد جوهر وجوده عندما يتخلى عن مبادئه الأساسية.
ولذلك لم تعد كربلاء حدثاً تاريخياً مغلقاً، بل تحولت إلى مرجعية أخلاقية تستعاد كلما واجه الإنسان أسئلة العدالة والحرية والكرامة.
ويأتي التأكيد القرآني على خلود هذه القيم بقوله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
(سورة آل عمران: 169)
فالحياة التي تتحدث عنها الآية ليست حياة الجسد وحده، بل حياة الرسالة والأثر والقيم التي تستمر في صناعة الوعي عبر الأجيال.
لقد عرف التاريخ قادة كثيرين امتلكوا الجيوش والقصور والثروات، لكن قلة منهم استطاعت أن تمتلك القلوب والضمائر. والحسين عليه السلام واحد من هؤلاء الذين تجاوز حضورهم حدود الزمن، لأن ما حملوه لم يكن مشروع سلطة، بل مشروع إنسان.
ولذلك بقيت كربلاء أيضاً مدرسة للوعي والصبر والبصيرة، وهو ما يتجلى في الموقف العميق للإمام زين العابدين عليه السلام حين قال للسيدة زينب عليها السلام:
«يا عمّة، أنتِ بحمد الله عالمة غير معلّمة، وفهمة غير مفهّمة»
المصدر: الاحتجاج للطبرسي، ج2، في ذكر خطبة السيدة زينب عليها السلام وما جرى بعد واقعة الطف.
ففي هذه الكلمات يتجسد البعد المعرفي للنهضة الحسينية، حيث لم تكن كربلاء ساحة تضحية فقط، بل ساحة وعي وإدراك ورسالة مستمرة.
من هنا يمكن القول إن الحسين عليه السلام لم يبق حياً في الذاكرة لأنه استشهد مظلوماً فحسب، بل لأنه قدّم نموذجاً إنسانياً قادراً على إلهام الأجيال المتعاقبة. لقد تحولت كربلاء إلى مدرسة تعلم الإنسان كيف يدافع عن قيمه، وكيف يحافظ على كرامته، وكيف يجعل من الحق معياراً لمواقفه مهما كانت التضحيات.
سلام على الحسين يوم وُلد، ويوم استشهد، ويوم يُبعث حيًا.
سلام على القلوب التي أحبته، والأيدي التي خدمت زواره، والأرواح التي وجدت في طريقه معنى الوفاء.
فالحسين عليه السلام ليس ذكرى تُستعاد في موسم، بل فكرة متجددة في ضمير الإنسانية؛ فكرة تقول إن الحق قد يُحاصر لكنه لا يُهزم، وإن الدم الطاهر حين يقترن بالمبدأ يتحول إلى نورٍ يضيء الطريق للأجيال.
وإذا كان للعشق عنوان، وللوفاء راية، وللتضحية مدرسة، وللكرامة رمز، فإن الحسين عليه السلام هو العنوان والراية والمدرسة والرمز.



اضف تعليق