فساد الأمم لا يبدأ من العامة بل ينحرف بانحراف النخب والقادة. نهضة الإمام الحسين عليه السلام جاءت مشروعاً إنسانياً شاملاً لإعادة كل فئة لرسالتها الحقيقية؛ فصلاح المجتمع شبكة مسؤوليات متكاملة، والحضارات لا يحفظها السلاح وحده بل الضمير وإقامة العدل وصيانة كرامة الإنسان...
يقول الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السَّلام) لما سئل عن أحوال العامة: كيف تفسد العامَّة؟ من النّاس، فقال:
«إنَّما هي من فساد الخاصَّة، وإنّما الخاصّة ليُقسمون على خمس: العلماء وهم الأدلّاء على الله، والزهّاد وهم الطريق إلى الله، والتجّار وهم أمناء الله، والغزاة وهم أنصار دين الله، والحكّام وهم رعاة خلق الله. فإذا كان العالِم طمّاعاً وللمال جمّاعاً فبمن يستدلّ؟ وإذا كان الزاهد راغباً ولما في أيدي الناس طالباً فبمن يُقتدى؟ وإذا كان التاجر خائناً وللزكاة مانعاً فبمن يُستوثق؟ وإذا كان الغازي مرائياً وللكسب ناظراً فبمن يُذبّ عن المسلمين؟ وإذا كان الحاكم ظالماً وفي الأحكام جائراً فبمن يُنصر المظلوم على الظالم؟ فوالله ما أتلف الناس إلّا العلماء الطمّاعون، والزهّاد الراغبون، والتجّار الخائنون، والغزاة المراؤون، والحكّام الجائرون، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾». (المصدر: ميزان الحكمة، ج٣)
إنَّ فسادَ الأمم لا يبدأ من عامة الناس، بل يبدأ حين تنحرف النخب التي تحمل مسؤولية الهداية والبناء والإصلاح. فإذا فسد العالم ضاع العلم، وإذا انحرف الزاهد تشوّهت العبادة، وإذا خان التاجر ضاع الأمان الاقتصادي، وإذا انحرف المدافع عن الدين تحولت القوة إلى ظلم، وإذا جار الحاكم اختلَّ ميزان العدالة. عندها يصبح المجتمع أسيرًا للفوضى، لأنَّ فساد الرأس يمتدُّ إلى الجسد كله.
ومن هنا تتجلّى عظمة نهضة الإمام الحسين عليه السلام؛ فلم تكن ثورةً على شخصٍ أو سلطةٍ فحسب، بل كانت ثورةً لإنقاذ الإنسان من انهيار المنظومة الأخلاقية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والدينية. فقد أعلن عليه السلام غايته الخالدة بقوله: «إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصلاحِ في أُمَّةِ جَدِّي، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ» (المصدر: ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص 245).
لقد أراد الحسين عليه السلام أن يعيد لكل فئة رسالتها الحقيقية؛ فالعالِم يكون شاهدًا للحق لا بائعًا له، والزاهد قدوةً لا متاجرًا بالدين، والتاجر أمينًا لا محتكرًا، وصاحب القوة حاميًا للمظلوم لا سيفًا على الأبرياء، والحاكم خادمًا للناس لا سيدًا عليهم.
المنظور القرآني والحديثي في بناء المسؤولية
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل: 90). وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (سورة هود: 85). وقال عز وجل: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (سورة القصص: 26). فالقرآن يجعل الأمانة والعدالة أساس كل مسؤولية، وهي المبادئ التي استشهد الحسين عليه السلام من أجل بقائها حيّة في ضمير الأمة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (المصدر: صحيح البخاري، كتاب الأحكام؛ وصحيح مسلم، كتاب الإمارة). وقال صلى الله عليه وآله: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذَا صَلَحَا صَلَحَتْ أُمَّتِي، وَإِذَا فَسَدَا فَسَدَتْ أُمَّتِي: الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ» (المصدر: رواه أبو نعيم في حلية الأولياء، وذكره السيوطي في الجامع الصغير).
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «الناسُ بصلاحِ ولاتِهم أصلحُ منهم بخصبِ زمانهم» (المصدر: غرر الحكم ودرر الكلم، حديث 1948). وقال عليه السلام أيضًا: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه» (المصدر: نهج البلاغة، الحكمة 81). وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم» (المصدر: الكليني، الكافي، ج2).
هذه الكلمات تؤسس لفلسفة حضارية عميقة؛ فصلاح الإنسان ليس قضية فردية، بل هو شبكةٌ متكاملة من المسؤوليات. العالم مسؤول عن الوعي، والتاجر عن الاقتصاد، والحاكم عن العدالة، وصاحب القوة عن الأمن، والزاهد عن تهذيب الضمير. فإذا أدّى كل واحدٍ رسالته بأمانة، نشأت حضارةٌ تحفظ كرامة الإنسان، وإذا خانها، انهارت الثقة، وضاع العدل، وسقطت الأخلاق، ولو كثرت الشعارات.
ومن المنظور الاقتصادي، فإن الأمانة في التجارة ليست مجرد فضيلة، بل هي أساس استقرار المجتمع؛ لأن الأسواق التي يغيب عنها الصدق تتحول إلى ساحات للاستغلال والاحتكار. ومن المنظور الاجتماعي، فإن عدالة الحاكم تحفظ وحدة المجتمع، ومن المنظور الثقافي يحفظ العالم هوية الأمة من الجهل والانحراف، ومن المنظور الأخلاقي يزرع الزاهد الإخلاص، ومن المنظور الفلسفي تُصبح المسؤولية جوهر الوجود الإنساني، إذ لا قيمة للسلطة أو العلم أو المال إلا إذا كانت في خدمة الإنسان.
وهنا يتجلّى الحسين عليه السلام بوصفه الضمير الحي للأمة؛ فقد رفض أن يمنح الشرعية لمن أفسد هذه القيم، وأثبت أن الإصلاح يبدأ بكلمة الحق، ولو كان ثمنها الشهادة. ولذلك بقيت كربلاء مدرسةً تُعلِّم البشرية أن الحضارات لا يحفظها السلاح وحده، بل يحفظها الضمير، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، وإنما بما يحمل من حق وعدل ورحمة.
خلاصة القول: إن فساد الخاصة ليس أزمة فئةٍ بعينها، بل هو أزمة أمةٍ بأكملها، وصلاحهم هو مفتاح نهضتها. ومن هنا كان الحسين عليه السلام مشروعًا دائمًا لإحياء الإنسان، وإقامة العدل، وصيانة الكرامة، حتى أصبح نداءُه الخالد دعوةً إنسانيةً تتجاوز الزمان والمكان: «ألا وإنَّ الدعيَّ ابنَ الدعيِّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة» (المصدر: السيد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف؛ والخوارزمي، مقتل الحسين).
فالحسين عليه السلام لم يُصلح عصرًا مضى، بل رسم للأجيال ميثاقًا خالدًا: أنَّ الإنسان لا يكون إنسانًا إلا إذا حفظ الأمانة، وأقام العدل، وانتصر للحق، مهما بلغت التضحيات.



اضف تعليق