إن رسالتنا الصادقة هذه إلى جميع المؤمنين وإلى الإنسانية جمعاء، دعوة مخلصة للتعاون والعمل المشترك من أجل تعزيز القيم المشتركة بين الأديان والثقافات والحضارات، استلهاماً من المبادئ العظيمة التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، والتي تدعو إلى الوحدة، والتآخي بين البشر، ونبذ العنف، والدعوة إلى السلام...
أكدت مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية، في رسالتها بمناسبة حلول شهر محرم الحرام 1448هـ، أن عاشوراء تمثل مدرسة متجددة للوعي والحرية والمسؤولية، ومنبعاً لإحياء قيم الإصلاح والنزاهة والتكافل وخدمة الإنسان. وبما تحمله من معاني الإيمان والكرامة والتضحية، تمنح المجتمعات طاقة أخلاقية وروحية لبناء الإنسان، وتعزيز العدل، وصيانة الحريات، وترسيخ روح التعاون والسلام، بما يجعل إحياء عاشوراء مناسبة لتجديد العهد بمبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) في إصلاح الحياة والارتقاء بالأمة.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
صدق الله العلي العظيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
تتقدم مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية بخالص العزاء والمواساة، يملؤها الأسى والولاء المتجدد، إلى مقام بقية الله الأعظم، الإمام الحجة بن الحسن (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وإلى مراجع الدين العظام والعلماء الأعلام، والأمة الإسلامية جمعاء، وجميع أحرار العالم، بقدوم شهر أحزان آل محمد (محرم الحرام)، شهر المأساة والبطولة، واستشهاد سبط الرسول الأعظم وثمرة فؤاد البتول الزهراء (عليها السلام)، الإمام الحسين بن علي وثلة طيبة من أهل بيته وأصحابه (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، ذكرى ملحمة الطف الخالدة التي رسمت أوضح معالم الحرية والإباء، ورفض الظلم والاستعباد في وجه الطغيان والجبروت.
إن الوقوف على عتبات عاشوراء المعظّمة في كل عام يعبّر عن تجديد العهد بنهضة سيد الشهداء الخالدة عبر الأجيال والأزمان، وعن إيمانٍ راسخ بأن الدموع المنسكبة على مصاب أبي الأحرار (عليه السلام) أسهمت، بقدسيتها وعظيم أثرها الروحي والغيبي، في شحذ الضمائر والهمم، وترسيخ قيم هذه النهضة الحسينية في نفوس الأحرار في العالمين الإسلامي والإنساني.
إن الدمعة الحسينية في منطلقها الأصيل هي شرارة وجدانية متقدة، وجسر عاطفي يعبر بالإنسان من ضيق الذات إلى رحابة قيم القضية الحسينية الخالدة، وهي الوسيلة والبوابة الحية التي نطل منها على عالم الوعي والمسؤولية، والعمل المجد من اجل التغيير الشامل والإصلاح الجوهري.
إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يقدم تلك التضحيات الجسيمة في صحراء كربلاء إلا لكي تتحرر العقول المحجوبة من قيود التضليل والاستسلام والاستعباد، ولتتحول تلك المحطات المأساوية إلى برامج عمل واقعية، ومشاريع إصلاحية مستدامة تصون كرامة الإنسان المهدورة، وتواجه منظومات الفساد والجهل أينما وُجدت وحيثما حلّت.
إن القراءة الحقيقية لعاشوراء الحسين (عليه السلام) تتطلب منا اليوم الاستفادة من شعائر الحزن والولاء الحسيني في بناء وتشييد قيم العدل والحرية والمساواة، ليكون هذا الإحياء الحسيني إحياءً إنسانياً حضارياً يواجه تحديات العصر بكل شجاعة وموضوعية.
ومن هذا المنطلق الواعي بالأبعاد الفكرية والعملية للنهضة الحسينية، تضع مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية بين يدي الأمة الإسلامية والمجتمعات الإنسانية مجموعة من الأهداف التي نحتاج إلى الاهتمام بها وتطبيقها في هذه المسيرة الخالدة:
أولاً: نبذ العنف بكل أشكاله وضمان الحريات العامة
إن جوهر النهضة الحسينية قام على مبدأ الإصلاح السلمي ورفض الإكراه والظلم والتعسف. ومن هذا المنطلق، ندعو إلى تجفيف منابع العنف بجميع أشكاله وصوره، الجسدية والفكرية والسياسية، والعمل على صيانة كرامة الإنسان من خلال كفالة الحريات العامة، ولا سيما حرية التعبير عن الرأي؛ إذ لا يمكن لبناء إنساني أن يستقيم دون بيئة آمنة تضمن لكل فرد حقه الطبيعي في العيش الكريم، والتعبير الحر عن رأيه، وعدم مجابهة هذه الآراء بالعنف والقسوة من قبل الحكومات، ولا سيما الإسلامية منها.
ثانياً: توفير الرفاهية الاقتصادية ومكافحة الفقر
لقد خرج الإمام الحسين (عليه السلام) طالباً للإصلاح، والإصلاح الشامل يتطلب بالضرورة عدالة اقتصادية تضمن توزيع الثروات ورفع الحيف عن الطبقات المحرومة. إننا نطالب الحكومات وصناع القرار بتبني سياسات تنموية حقيقية تحقق الرفاهية الاقتصادية للشعوب، وتوفر فرص العمل والعيش الرغيد، مؤكدين أن مكافحة الفقر وسد حاجات المعوزين هي في قلب التكليف الشرعي والإنساني الذي نادت به نهضة كربلاء المقدسة.
ثالثاً: مسؤولية المؤسسة الدينية والخطباء والإعلام
إن مسؤولية إحياء عاشوراء تقع اليوم على عاتق صناع الوعي؛ لذا نهيب بالمؤسسة الدينية، والخطباء الأفاضل، والمنابر الحسينية والإعلامية والثقافية، ضرورة تقديم الفكر الحسيني بلغة عصرية، جامعة ورصينة. كما يجب أن تركز الخطابة والإعلام على استخراج القيم الإنسانية للنهضة الحسينية، وربطها بقضايا المجتمع المعاصرة، ليكون المنبر الحسيني كما كان دائماً، منطلقاً للوعي والتربية وتوثيق عرى الوحدة والتآخي بين البشر.
رابعاً: تمكين الشباب وتفعيل أدوارهم
كان الشباب عماد معركة الطف وسندها وعنفوانها، واليوم هم القوة المحركة للتغيير الإيجابي في الأمة. لذا تدعو المؤسسة إلى فتح الآفاق أمام الطاقات الشبابية، وإشراكهم الفاعل في إدارة المجالس الحسينية والمؤسسات الاجتماعية، وتحصينهم فكرياً وثقافياً لمواجهة تحديات العصر، ليكونوا قادة المستقبل الحاملين لراية الحق والعدل الحسيني.
خامساً: دور المرأة الحسينية ورسالتها القيادية
إن الحسين (عليه السلام) لم يخرج إلى كربلاء بمفرده، بل كانت المرأة شريكة كاملة في صناعة النصر التاريخي، وتجلت هذه الشراكة في الدور القيادي والإعلامي البطولي للسيدة زينب الكبرى (عليها السلام). إننا نؤكد أهمية تفعيل دور المرأة في المجتمع، وإتاحة المساحات الثقافية والاجتماعية والتربوية لها لتؤدي رسالتها القيادية في بناء الأسرة الواعية والمجتمع الصالح، مستلهمةً ثباتها ووعيها من مدرسة الطف.
سادساً: التكافل الاجتماعي الميداني
من خلال تحويل المواكب الحسينية المنتشرة في العالم إلى مراكز تكافلية دائمة، تُعنى بإنشاء صناديق لدعم الطلبة، ومساعدة المرضى، وتقديم المساعدات العينية المباشرة، ليكون العزاء الحسيني بلسماً يداوي جراح المحتاجين ميدانياً.
سابعاً: ترسيخ مفهوم المواطنة العادلة وتكافؤ الفرص
إن مدرسة الطف حطمت الفوارق العرقية والطبقية، فكان بين شهداء كربلاء الشريف والعبد، والعربي والأعجمي، والشيخ الكبير والطفل الرضيع، وقد انصهروا جميعاً في بوتقة الحق. وبناءً على هذا، لذلك لابد من مكافحة جميع أشكال التمييز الطائفي، والعرقي، والسياسي في بلداننا، وإرساء دعائم مواطنة حقيقية قائمة على الكفاءة وتكافؤ الفرص، حيث يكون مقياس التفاضل هو خدمة المجتمع والالتزام بالقانون.
ثامناً: حوكمة وإصلاح الإدارة والمؤسسات العامة
لقد نهض الإمام الحسين (عليه السلام) حين أعلن شعاره الخالد: «طلب الإصلاح في أمة جدي»، لمواجهة الانحراف في الأمة، ذلك الانحراف الذي تمثّل في استشراء المحسوبية، وضياع الأمانة في إدارة شؤون الناس، وتحويل المقدرات العامة إلى أدوات لخدمة فئات ضيقة ومصالح خاصة. ومن هنا، فإن تفعيل قيم النزاهة والمحاسبة والشفافية في جميع المؤسسات الخدمية والحكومية، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، يمثل تطبيقاً عملياً وحقيقياً لهذا الشعار الحسيني العظيم.
كما نذكّر الأعزاء بعلاقة الإمام الحسين (عليه السلام) بالقرآن الكريم، كتاب الله (عز وجل) الذي فيه تبيان كل شيء، وقد جسّد الإمام الحسين (عليه السلام)، بنهضته الخالدة قيم القرآن الكريم وآياته العظيمة التي ينبغي أن نتبعها ونسلط الضوء عليها، خصوصاً الآيات الحيوية التي هجرها المسلمون، فتفاقمت مشاكلهم وتراكم فشلهم.
كآية الشورى، حيث يقول سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، فإنها تصونهم عن الوقوع في الدكتاتورية وتسلط الدكتاتوريين.
وآية الحرية، حيث يقول سبحانه: ﴿يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، فإنها تحفظهم من الكبت والاختناق، ومن الاستغلال والعبودية، ومن التأخر والتقهقر.
وآية الأخوة، حيث يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فإنها تمنعهم من الاختلاف والتفرقة، ومن التنازع والمشاجرة.
وآية الأمة الواحدة، ذات البلد الواحد، والتاريخ الواحد، والعملة الواحدة، بلا حدود جغرافية، ولا حواجز نفسية، وذلك حيث يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، فيقوى أمرهم، ويعظم شأنهم، ويهابهم أعداؤهم، ولا يكونون لقمة سائغة تتلقفها الأقوياء.
وبآية اتباع الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فيتقدمون ويسعدون في الدنيا والآخرة؛ إذ في اتباع الرسول (صلى الله عليه وآله)، سواء اتباعه في سيرته وأخلاقه الكريمة، أم في أفعاله وأقواله الحكيمة، خير الدنيا والآخرة.
ومما قاله (صلى الله عليه وآله): «الأرض لله ولمن عمّرها»، فإن اتباع قوله (صلى الله عليه وآله) هذا، يحل مشكلة الأرض، ويفسح المجال لحل أزمة السكن، ويفرّج عن الناس، وخاصة الشباب منهم، ضيق المعاش، وعسر الزواج، وصعوبة المسكن.
إن رسالتنا الصادقة هذه إلى جميع المؤمنين وإلى الإنسانية جمعاء، دعوة مخلصة للتعاون والعمل المشترك من أجل تعزيز القيم المشتركة بين الأديان والثقافات والحضارات، استلهاماً من المبادئ العظيمة التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، والتي تدعو إلى الوحدة، والتآخي بين البشر، ونبذ العنف، والدعوة إلى السلام.
نسأل الله العلي القدير أن يوفق الجميع لإحياء هذه المناسبة العظيمة بما يرضي الله ورسوله، وأن يجعل هذا العام عام أمن، ورفاه، وسلام لجميع شعوب الأرض.
عظّم الله أجورنا وأجوركم، وجعلنا وإياكم من السائرين على درب الحسين وأصحابه الميامين، والشهداء الصادقين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.



اضف تعليق