إن الإيمان بولاية الإمام علي لا يتعارض مع الفلسفة الحضارية، بل ينسجم معها عندما تُفهم الولاية بوصفها التزاماً دائماً بمنظومة القيم التي جسدها الإمام علي في حياته. فولاية علي، في جوهرها الحضاري، هي ولاية العدالة والمسؤولية والنزاهة والكرامة الإنسانية، وهي القيم نفسها التي لا يمكن لأي مشروع حضاري أن ينهض أو يستمر من دونها...
إذا كانت الأمم تبحث في تاريخها عن الشخصيات التي جسدت أسمى ما تؤمن به من قيم، فإن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يقف في مقدمة تلك الشخصيات التي تحولت من مجرد شخصية تاريخية إلى رمز إنساني وأخلاقي وحضاري خالد. فالرجل الذي عاش في القرن الأول الهجري ما زال حاضراً بقوة في وجدان المسلمين وغير المسلمين، لا بسبب السلطة التي امتلكها، ولا بسبب الحروب التي خاضها، بل بسبب المنظومة القيمية الفريدة التي جسدها في حياته وسلوكه وممارسته للحكم.
وفي تقديري أن أهمية الإمام علي في عصرنا الحاضر لا تكمن في إعادة فتح السجالات التاريخية القديمة حوله، بقدر ما تكمن في إعادة اكتشافه بوصفه نموذجاً للحاكم القيمي الذي تحتاج إليه المجتمعات المعاصرة أكثر من أي وقت مضى. فالأزمة الكبرى التي تعاني منها دول كثيرة اليوم ليست أزمة موارد أو إمكانات أو خبرات، وإنما هي أزمة قيم في المقام الأول. وحين تضيع القيم تضيع معها العدالة والمسؤولية والثقة والنزاهة، وتتحول السلطة من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لخدمة المصالح الخاصة.
ومن هنا تبدو شخصية الإمام علي ذات أهمية استثنائية، لأنه يمثل حالة نادرة من الانسجام بين السلطة والأخلاق. فالتاريخ مليء بالحكام الأقوياء، ومليء أيضاً بالوعاظ والأخلاقيين، لكن القليل جداً هم الذين استطاعوا الجمع بين السلطة والقيم في شخصية واحدة. وقد كان الإمام علي واحداً من هؤلاء القلائل.
لقد قامت الفلسفة الحضارية على مجموعة من القيم العليا التي تشكل الأساس الأخلاقي للدولة الحضارية الحديثة، وفي مقدمتها الحرية والعدالة والمساواة والمسؤولية والإتقان والتضامن والتعاون والإيثار والتسامح والثقة والسلام والإبداع. وعندما نتأمل سيرة الإمام علي نجد أنه لم يكن داعية إلى هذه القيم فحسب، بل كان تجسيداً عملياً لها.
فالعدالة عند الإمام علي لم تكن شعاراً سياسياً يرفع في الخطب، بل كانت معياراً يحكم علاقته بنفسه وأهله وأصحابه وخصومه والرعية كلها. ولذلك ظل اسمه مقترناً بالعدالة أكثر من أي حاكم آخر في التاريخ الإسلامي. وكان مستعداً لدفع أثمان سياسية باهظة من أجل الحفاظ على هذا المبدأ، لأنه كان يرى أن بقاء العدل أهم من بقاء الحاكم نفسه.
أما المسؤولية فقد بلغت عنده مستوى جعله ينظر إلى السلطة باعتبارها أمانة ثقيلة لا امتيازاً شخصياً. ولهذا لم يتعامل مع الحكم بوصفه حقاً يمنحه مكانة أعلى من الناس، بل بوصفه تكليفاً يضاعف حجم الواجبات الملقاة على عاتقه. وفي هذا تكمن إحدى أعظم الرسائل الحضارية التي يمكن أن يقدمها الإمام علي لعالمنا المعاصر، حيث تحولت السلطة في كثير من الأحيان إلى وسيلة للثراء والنفوذ بدل أن تكون وسيلة لخدمة المجتمع.
وكانت المساواة ركناً أساسياً في رؤيته للحكم. فالناس عنده متساوون في الكرامة الإنسانية وفي استحقاق العدالة وفي الحماية القانونية. ولم يكن مستعداً للتضحية بهذا المبدأ من أجل كسب الأنصار أو توسيع قاعدة التأييد السياسي. ولذلك ظل وفياً للقيم حتى عندما كان ذلك يضعف موقعه السياسي.
كما جسد الإمام علي قيمة النزاهة بأعلى صورها. فالحاكم في نظره ليس مالكاً للمال العام بل أمين عليه، وليس من حقه أن يتصرف فيه وفق أهوائه أو مصالحه الشخصية. ومن هنا جاءت شدته المعروفة في محاسبة المسؤولين والولاة وفي حماية أموال الناس وحقوقهم.
وعندما نتحدث عن الثقة بوصفها إحدى القيم الحضارية العليا، فإننا نجد أن الإمام علي قدم نموذجاً للحاكم الذي تستمد شرعيته من الثقة الأخلاقية قبل أي شيء آخر. فالناس لا يثقون بالحاكم لأنه قوي، بل يثقون به عندما يطمئنون إلى عدالته ونزاهته وصدقه والتزامه بالقانون والقيم.
ومن هنا يمكن النظر إلى ولاية الإمام علي من زاوية حضارية أوسع من الزاوية السياسية أو المذهبية. فالولاية ليست مجرد حق في الحكم، وليست مجرد موقع في التاريخ، وإنما هي قبل ذلك ولاية القيم. إن القيمة الحقيقية للإمام علي لا تكمن في أنه حكم بضع سنوات، بل في أنه قدم نموذجاً أخلاقياً للحكم ظل حياً في الوعي الإنساني بعد انتهاء تلك السنوات بقرون طويلة. لقد استطاعت السلطة أن تصنع كثيراً من الحكام، لكن القيم وحدها هي التي صنعت علياً.
ولهذا فإن الاحتفاء بعيد الغدير يمكن أن يتحول من مناسبة لاستعادة الخلافات القديمة إلى مناسبة لاستعادة المعاني الكبرى التي يمثلها الإمام علي في تاريخ الإسلام. فالأمة اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الانقسام حول الماضي، بقدر ما تحتاج إلى استلهام النماذج القادرة على إرشادها نحو المستقبل. وإذا كانت الدولة الحضارية الحديثة تبحث عن الحاكم الذي يجعل العدالة فوق المصلحة، والمسؤولية فوق الامتياز، والإنسان فوق العصبية، فإن سيرة الإمام علي تقدم واحداً من أوضح النماذج التاريخية لهذا النوع من القيادة.
وبهذا المعنى فإن الإيمان بولاية الإمام علي لا يتعارض مع الفلسفة الحضارية، بل ينسجم معها عندما تُفهم الولاية بوصفها التزاماً دائماً بمنظومة القيم التي جسدها الإمام علي في حياته. فولاية علي، في جوهرها الحضاري، هي ولاية العدالة والمسؤولية والنزاهة والكرامة الإنسانية، وهي القيم نفسها التي لا يمكن لأي مشروع حضاري أن ينهض أو يستمر من دونها.



اضف تعليق