إن إتاحة الوسيلة هي نعمة العصر الرقمي وتحديه الأكبر في آن واحد. فالمستقبل الإعلامي يعتمد ليس فقط على سهولة الوصول إلى المعلومات، بل الأهم على قدرة الجمهور على معالجتها وفهمها بطريقة واعية ومسؤولة. هذا هو السبيل الوحيد للحفاظ على مساحة إعلامية صحية وثرية بالمعرفة، وليست مجرد ضوضاء...

تُعدّ الوسيلة الإعلامية بوابتنا إلى العالم، ومنذ فجر الصحافة المطبوعة وصولًا إلى عصر الإنترنت الفائق السرعة، شهدت هذه البوابة تحولات جذرية. لم تعد المعلومات حكرًا على جهات معينة، بل أصبحت متاحة للجميع بضغطة زر. هذه الإتاحة غير المسبوقة للوسيلة الإعلامية لم تكن مجرد تطور تقني، بل كانت ثورة حقيقية أعادت تشكيل العلاقة بين الإعلام والجمهور، وغيّرت جوهريًا من طبيعة تلقي الجمهور للمعلومات.

من الجمهور السلبي إلى الجمهور الفاعل 

في الماضي غير البعيد، كان المشهد الإعلامي يتسم بالمركزية. قنوات تلفزيونية محدودة، صحف يومية معدودة، وإذاعات تتولى مهمة بث الخبر والمعلومة للجمهور. كان الجمهور حينها أشبه بالمتلقي السلبي، يستقبل ما يُقدم له دون قدرة كبيرة على التفاعل أو التشكيك أو المساهمة. كانت العلاقة أشبه بالخطاب الأحادي الاتجاه، من الأعلى إلى الأسفل.

لكن مع ظهور الإنترنت، ثم منصات التواصل الاجتماعي، ومعهما إتاحة أدوات الإنتاج الإعلامي للعامة (كالهواتف الذكية المزودة بكاميرات عالية الجودة وبرامج التعديل البسيطة)، تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ، بل أصبح مشاركًا وفاعلًا ومُنتجًا للمحتوى. هذه القدرة على الإتاحة غيرت ثلاثة جوانب رئيسية في طبيعة التلقي:

السرعة والآنية: لم يعد الجمهور ينتظر نشرة الأخبار المسائية أو صحيفة الصباح. الخبر يُنقل لحظيًا، وفي كثير من الأحيان من قلب الحدث عبر شهود عيان يستخدمون هواتفهم. هذا خلق توقعًا بـ "الآنية" في التلقي، فأي تأخير يعني فقدان المصداقية أو التخلف عن الركب.

التفاعلية والمشاركة: منصات مثل X (تويتر سابقًا)، فيسبوك، وإنستغرام، حولت تلقي الخبر إلى عملية تفاعلية. الجمهور لم يعد يكتفي بالقراءة أو المشاهدة، بل يعلق، يشارك، ينتقد، ويعيد نشر المحتوى. هذا التفاعل خلق مساحات للنقاش العام وتبادل الآراء، لكنه أيضًا أدى إلى تضخم المعلومات وتشتت الانتباه.

التخصص والجزئية: في السابق، كانت وسائل الإعلام الرئيسية تقدم محتوى عامًا يرضي شرائح واسعة. اليوم، مع إتاحة الوسيلة وتعدد الخيارات (المدونات المتخصصة، قنوات اليوتيوب المتخصصة، البودكاست)، أصبح الجمهور يميل إلى تلقي المعلومات من مصادر تتوافق مع اهتماماته الدقيقة. هذا أدى إلى ظهور جماهير متخصصة تستهلك محتوى شديد الدخصص، مما يقلل من احتمالية التعرض لوجهات نظر مختلفة خارج فقاعتها المعلوماتية.

تحديات الإتاحة: بين الثقة والتضليل

رغم المزايا الهائلة لإتاحة الوسيلة، إلا أنها جاءت مع تحديات جسيمة غيرت من طريقة تعامل الجمهور مع المحتوى:

أزمة الثقة والمصداقية: مع تدفق كميات هائلة من المعلومات من مصادر متعددة وغير موثوقة أحيانًا، أصبح الجمهور في حيرة من أمره. لم يعد من السهل التمييز بين الخبر الصحيح والشائعة، أو بين المعلومة الموثقة والرأي المتحيز. هذا دفع الكثيرين إلى التشكيك في جميع المصادر، بما فيها التقليدية، مما خلق أزمة ثقة في المشهد الإعلامي برمته.

انتشار التضليل والأخبار الكاذبة (Fake News): إتاحة الوسيلة تعني أن أي شخص يمكنه إنتاج ونشر المحتوى، حتى لو كان مضللاً أو كاذبًا. هذه الظاهرة، التي تفاقمت مع سهولة مشاركة المحتوى على وسائل التواصل، أثرت سلبًا على طبيعة تلقي الجمهور، وجعلته عرضة للتلاعب والتأثير على آرائه ومعتقداته دون التحقق.

ظاهرة "الغرف الصدى" و"فقاعات التصفية": مع توجه الجمهور نحو المصادر التي تتوافق مع آرائه، ينتهي بهم الأمر داخل "فقاعات معلوماتية" حيث لا يتعرضون إلا للآراء التي تؤكد معتقداتهم الحالية. هذا يقلل من قدرتهم على التفكير النقدي وفهم وجهات النظر المختلفة، مما يؤثر على النقاش العام ويؤدي إلى الاستقطاب.

نحو وعي نقدي أكبر

لقد غيرت إتاحة الوسيلة في الإعلام طبيعة تلقي الجمهور بشكل لا رجعة فيه. لم يعد الأمر يتعلق بما يتم بثه، بل بكيفية تلقيه، ومعالجته، والتفاعل معه. في المستقبل، يمكننا أن نتوقع المزيد من التطورات التي ستزيد من هذا التغير:

دور الذكاء الاصطناعي: سيؤثر الذكاء الاصطناعي على تلقي الجمهور بطريقتين: من جهة، سيساعد في تخصيص المحتوى بشكل أكبر (ربما لدرجة الإفراط)، ومن جهة أخرى، قد يكون أداة قوية في مكافحة التضليل من خلال تحليل وتصنيف الأخبار.

الحاجة المتزايدة لمحو الأمية الإعلامية: لمواجهة تحديات التضليل والفقاعات، ستصبح مهارات التفكير النقدي ومحو الأمية الإعلامية أكثر أهمية من أي وقت مضى. سيحتاج الجمهور إلى أدوات ومعرفة لتقييم المصادر، والتحقق من الحقائق، وفهم التحيزات المحتملة.

للتعامل بفاعلية مع هذه التحولات، نقترح ما يأتي: 

للمؤسسات الإعلامية: يجب عليها إعادة بناء الثقة من خلال الشفافية التامة، والالتزام بأعلى معايير الدقة والمهنية، والاستثمار في صحافة التحقق من الحقائق. كما يجب أن تكون أكثر انفتاحًا على التفاعل مع الجمهور وتقديم محتوى متعدد الأبعاد.

للمستخدمين (الجمهور): من الضروري أن يتبنى الجمهور عقلية ناقدة تجاه المعلومات التي يتلقاها. يجب التحقق من المصادر، والبحث عن وجهات نظر متعددة، وتجنب مشاركة المحتوى قبل التأكد من صحته. استخدام أدوات التحقق من الحقائق وتطبيقات كشف الأخبار الكاذبة يمكن أن يكون مفيدًا للغاية.

للمؤسسات التعليمية والحكومات: يجب دمج برامج محو الأمية الإعلامية والتفكير النقدي في المناهج الدراسية، والعمل على حملات توعية عامة حول كيفية التعامل مع المعلومات في العصر الرقمي. تشجيع البحث الأكاديمي في مجال تأثير الإعلام الرقمي على سلوكيات الجمهور أمر حيوي.

إن إتاحة الوسيلة هي نعمة العصر الرقمي وتحديه الأكبر في آن واحد. فالمستقبل الإعلامي يعتمد ليس فقط على سهولة الوصول إلى المعلومات، بل الأهم على قدرة الجمهور على معالجتها وفهمها بطريقة واعية ومسؤولة. هذا هو السبيل الوحيد للحفاظ على مساحة إعلامية صحية وثرية بالمعرفة، وليست مجرد ضوضاء.

اضف تعليق