حين نقترب من السرد القرآني كبنية تتشكل، وليس كحكاية تروى نكتشف أننا أمام نص لا يبدأ من الحدث، بل من شرط إمكانه، فالحكاية هنا لا تلقى دفعة واحدة في أفق المتلقي، وإنما تبنى أرضيتها تدريجياً، ويستجيب المتلقي لمسار دلالي يتجاوز حدود الحكاية التقليدية والامتداد الخطي للأحداث...
ليس من اليسير أن نقرأ السرد القرآني بالأدوات التي ألفتها الدراسات السردية، إذ سرعان ما يتبدّى أن هذا النص لا يخضع لمنطق الحكاية كما استقر في التجربة البشرية، ولا يستجيب لتوقعات التتابع الزمني أو استقرار الصوت. فالقصة فيه لا تُبنى لتُحكى فحسب، بل لتؤسس أفقاً من الفهم يتجاوزها، وتفتح في كل موضع منها سؤالاً عن كيفية تشكّلها قبل أن تفضي إلى ما ترويه. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة هذا السرد من داخله، لا عبر إسقاط نماذج جاهزة عليه، بل عبر تتبع حركته وهو يصوغ نفسه، ويعيد توزيع عناصره في شبكة دلالية تتجاوز حدود الحكاية إلى بناء المعنى في تشكّله.
فحين نقترب من السرد القرآني كبنية تتشكّل، وليس كحكاية تُروى نكتشف أننا أمام نصٍّ لا يبدأ من الحدث، بل من شرط إمكانه. فالحكاية هنا لا تُلقى دفعة واحدة في أفق المتلقي، وإنما تُبنى أرضيتها تدريجياً، ويُعاد تشكيل هذا الأفق بحيث يغدو الحدث، حين يجيء، نتيجةً طبيعية لمسار دلالي سبق حضوره. ومن ثمّ، لا يكون التمهيد مجرد توطئة نفسية، بل فعلاً تأسيسياً يُنشئ المعنى قبل أن يُفصح عنه، ويؤسس لشرعية ما سيُروى قبل أن يدخل حيّز الحكي.
وسنكتشف أيضا أن هذا البناء لا يتخذ شكل الامتداد الخطي الذي تألفه السرديات التقليدية، بل يقوم على انقطاعات تبدو، في ظاهرها، خروقات لمسار الحكاية، لكنها في جوهرها لحظات توليد للمعنى. فالتعليق الذي يتدخل في قلب الحدث، أو الالتفات الذي يبدّل زاوية النظر، أو الاسترجاع الذي يخلخل الزمن، كلّها لا تؤدي إلى إرباك السرد، بل يمنحه خصوصيته الفارقة.
إذ يتحول النص، في هذه اللحظات، من كونه ناقلاً للوقائع إلى كونه منشغلاً ببناء الوعي بها، فيتراكب زمن الحكاية مع زمن الرواية، وينفتح على أفق يتجاوز تسلسل الأحداث إلى إدراك شروطها ودلالاتها.
وفي هذا السياق، لا يستقر الصوت السردي على مركز واحد، بل يتوزع في شبكة من المواقع التي تتناوب إنتاج الخطاب. فمرة ينبثق الصوت من علٍ مؤطِّراً الحدث بمرجعيته العليا، ومرة يتجسد داخل الحكاية عبر شخصياتها، ومرة يتحول أحد أطرافها من موضوع للقول إلى ذاتٍ قائلة، فينشأ بذلك تعدد لا في الأصوات فحسب، بل في مراكز إنتاج المعنى. وهذا التوزيع لا يفضي إلى التشتت، بل إلى توازن دينامي، يحتفظ فيه النص بتماسكه من خلال حركة هذه الأصوات لا من خلال ثباتها.
وهنا لا يُقدَّم الحدث بوصفه واقعة منتهية، بل بوصفه بنية تتكشف عبر زوايا متعددة. فهو هنا لا يشكل معطىً جاهزاً، بل نتيجة لمسار دلالي يتكوّن تدريجياً، فيغدو المعنى سابقاً لظهوره، وملازماً لتشكّله.
وفي الآيات (42–52) من سورة آل عمران، تتجلى هذه البنية بوضوح، إذ يقدّم المقطع نسقاً سردياً يتجاوز منطق الحكاية الخطّي؛ ليتشكل عبر تحولات صوتية وزوايا نظر متحركة. يُفتتح السرد بخطاب الملائكة لمريم، خطابٍ ينهض على تمهيد مزدوج يتكرر فيه فعل الاصطفاء، لا بوصفه توكيداً لفظياً، بل بوصفه تأسيساً تدريجياً لشرعية الحدث قبل وقوعه، حيث يتحول الاصطفاء الأول إلى تطهير، والثاني إلى اختيار، فيكتمل بذلك الإعداد النفسي والوجودي لتلقّي ما سيأتي: ﴿وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾.
ويعقب هذا التمهيد نسقٌ من الأوامر التي لا تُفهم في بعدها التعبدي وحده، بل في وظيفتها السردية أيضاً، إذ تعمل على تثبيت هذا الاستعداد الداخلي، وكأن السرد يعيد تشكيل ذات المتلقي قبل أن يقدّم له موضوعه: ﴿يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾.
غير أن هذا الفضاء الحواري لا يلبث أن ينكسر بتدخل صوت عليم يعلّق على مجرى الحكاية: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، وهو تدخل لا يضيف معلومة بقدر ما يفتح طبقة سردية جديدة، إذ ينتقل النص من مستوى الحكاية إلى مستوى الوعي بها، ومن زمن الحدث إلى زمن الرواية، لتغدو القصة مؤطرة بإطارها المعرفي لا الزمني فحسب. وفي هذا السياق يرد الاسترجاع: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، لا بوصفه استعادة لواقعة ماضية، بل بوصفه خلخلة لبنية الزمن، حيث تتراكب الأزمنة داخل النص، فيتجاور زمن الغيب، وزمن الإخبار، وزمن التلقي في آنٍ واحد.
وحين يعود السرد إلى مسار الحوار، لا يعود إليه امتداداً لما سبق، بل استئنافاً محمّلاً بهذه الإحالة الغيبية، فتأتي البشارة بوصفها ذروةً لما تمّ التمهيد له: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، حيث لا يُقدَّم المولود من خلال اسمه فحسب، بل عبر شبكة من الصفات والوظائف التي تسبق حضوره، فيغدو كائناً دلالياً قبل أن يكون كائناً سردياً.
غير أن اللحظة الأشد دلالة تتجلى في التفات مريم: ﴿َالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾، حيث ينكسر منطق الحوار الظاهر، فهي لا تتوجه بالخطاب إلى الملائكة، بل ترتقي به إلى مستوى آخر، منتقلةً من أفق التواصل إلى أفق الوجود، ومن مخاطبة الوسيط إلى مناجاة المصدر. وهنا يتغير نمط الجواب، فلا يأتي بوصفه ردّاً حوارياً، بل بوصفه تقريراً كلياً: ﴿كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، فيتحول السرد من نقل واقعة إلى إعلان قانون.
ثم ينفتح النص على انتقالة نوعية أخرى، حين يتخذ الخطاب صيغة المتكلم: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾، وهي لحظة لا تشير إلى مجرد تغير في الضمير، بل إلى تحوّل في موقع الصوت داخل البنية السردية، حيث تنتقل الشخصية من موضوع للخبر إلى مصدر له، فينشأ بذلك تعدد في مراكز إنتاج المعنى. ويستمر هذا التمدد حتى يعود السرد في ختامه إلى ضمير الغائب، لا بوصفه رجوعاً إلى نقطة البدء، بل بوصفه إعادة احتواء لهذه التحولات داخل أفق واحد.
وعلى هذا النحو، لا يقوم السرد في هذا المقطع على تتابع الوقائع، بل على إعادة توزيع زوايا النظر، بحيث يتولّد المعنى من حركة الانتقال ذاتها، لا من استقرارها، فيغدو النص فضاءً دينامياً تتجاور فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الأزمنة، ويتحوّل فيه الحدث من واقعة تُروى إلى بنية تتكشف دلالتها عبر كيفية تشكّلها.
ولعل ما يكشفه هذا المسار التحليلي أن السرد القرآني لا يقدّم نفسه بوصفه بنية مكتملة تُستقبل كما هي، بل بوصفه فعلاً مفتوحاً على التأويل، يتجدّد مع كل قراءة تعيد ترتيب علاقاته الداخلية. فالحكاية فيه لا تستنفد دلالتها في ما تقوله، بل في الكيفية التي تقول بها، وفي الحركة التي تنتقل بها بين الأصوات والأزمنة وزوايا النظر. ومن هنا، لا يكون فهم هذا السرد رهين تتبّع أحداثه، بقدر ما يكون رهين الإنصات إلى طريقته في إنتاج المعنى، حيث يتشكّل النص وهو يُقرأ، كما تشكّل وهو يُبنى.



اضف تعليق