يقدم تقرير الشفافية الدولية صورة مركبة لوحدات الاستخبارات المالية: فهي من أقوى أدوات كشف الفساد حين تكون مستقلة، ممولة، مزودة بالبيانات، وقادرة على التعاون؛ لكنها قد تتحول إلى نقطة اختناق إذا أغرقتها البلاغات الضعيفة، أو حُرمت من الوصول إلى السجلات، أو خضعت للنفوذ السياسي، أو فشلت في إيصال استخباراتها...

يشكل تتبع المال أحد أهم المداخل الحديثة لكشف الفساد، لأن عائدات الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ لا تبقى غالبًا في صورتها المباشرة، بل تتحول إلى شبكات من الشركات الوهمية والحسابات والتحويلات العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يوضح تقرير منظمة الشفافية الدولية، أن وحدات الاستخبارات المالية تمثل حلقة مركزية في مكافحة غسل الأموال والفساد، لأنها تجمع البلاغات المشبوهة من المؤسسات المالية والمهن غير المالية، وتربطها ببيانات الملكية والضرائب وإنفاذ القانون، لتحويل الشبهات المتفرقة إلى معلومات قابلة للتحقيق والملاحقة. 

ويطرح التقرير سؤالًا جوهريًا في مكافحة الفساد: كيف يمكن تحويل المعلومات المالية المبعثرة إلى استخبارات عملية تكشف الفساد قبل أن تكتمل شبكاته وتختفي أمواله؟

مدخل

يكشف تقرير منظمة الشفافية الدولية الصادر بعنوان:

 Connecting the Dots: How financial intelligence units expose corrupt money flows and how they could do more 

أن مكافحة الفساد لم تعد ممكنة عبر ملاحقة الوقائع السياسية والإدارية وحدها، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على تتبع المال، وفهم مساراته، وكشف الشبكات التي تخفيه خلف الشركات الوهمية والحسابات المتعددة والتحويلات العابرة للحدود والواجهات المهنية التي تمنحه مظهرًا قانونيًا. فالفاسد، مهما امتلك من نفوذ أو حماية سياسية، يحتاج في النهاية إلى النظام المالي كي يحوّل الرشوة أو الاختلاس أو الإثراء غير المشروع إلى أموال قابلة للاستخدام والاستثمار والتخزين. من هنا يضع التقرير وحدات الاستخبارات المالية في موقع بالغ الأهمية؛ فهي لا تملك عادة سلطة الإدانة أو المحاكمة، لكنها تمتلك ما هو سابق على ذلك: القدرة على جمع الإشارات المتفرقة، وربط الحسابات، وتحليل البلاغات، وتحديد الأنماط، وتحويل الشبهة المالية إلى معلومة قابلة للتحقيق. 

يركز التقرير على دور وحدات الاستخبارات المالية في عشرين دولة من خمس مناطق مختلفة، هي: البرازيل، كندا، تشيلي، الصين، كولومبيا، قبرص، فرنسا، ألمانيا، إندونيسيا، إيرلندا، إيطاليا، المكسيك، هولندا، نيجيريا، بنما، سنغافورة، جنوب أفريقيا، الإمارات العربية المتحدة، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة. ويعتمد على مراجعة القوانين والبيانات الرسمية وتقارير مجموعة العمل المالي، إضافة إلى مقابلات غير منسوبة مع ممارسين في وحدات استخبارات مالية من عشر دول. والنتيجة الأساسية التي يخلص إليها التقرير أن هذه الوحدات قادرة على كشف قضايا فساد كبرى واسترداد أموال عامة منهوبة، لكنها لا تستطيع أداء هذا الدور إلا إذا توافرت لها شروط دقيقة: استقلال تشغيلي، وصول مباشر إلى البيانات، موارد بشرية وتقنية كافية، علاقة فعالة مع الجهات المبلغة، تعاون دولي سريع، وآليات شفافة للمساءلة دون تعريض المعلومات الحساسة للخطر.

أهمية التقرير

أهمية التقرير لا تنبع فقط من كونه دراسة فنية عن مؤسسة مالية رقابية، بل من كونه يسلط الضوء على نقطة ضعف مركزية في منظومات مكافحة الفساد عالميًا. فكثير من الدول تمتلك قوانين لمكافحة غسل الأموال، وتلزم البنوك والمؤسسات المالية والمهنيين بالإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، لكنها لا تضمن دائمًا أن تتحول هذه البلاغات إلى استخبارات مالية ذات قيمة. وقد تتراكم آلاف أو ملايين البلاغات داخل قواعد البيانات، من دون أن تصل إلى المحققين في الوقت المناسب، أو من دون أن تكون مفيدة بما يكفي لفتح تحقيق، أو من دون أن تمتلك الوحدة المالية صلاحية الوصول إلى المعلومات التي تجعل التحليل ممكنًا.

يوضح التقرير أن وحدات الاستخبارات المالية تقع في قلب منظومة مكافحة غسل الأموال. فهي تتلقى تقارير المعاملات والأنشطة المشبوهة من البنوك والمؤسسات المالية وبعض المهن غير المالية، مثل المحامين ومقدمي خدمات الشركات والعقارات والمحاسبين وتجار المعادن والأحجار الثمينة، ثم تحلل هذه التقارير وتدمجها مع بيانات أخرى: السجلات المصرفية، معلومات المستفيد الحقيقي، قواعد بيانات الضرائب، سجلات الشركات، بيانات إنفاذ القانون، والسجلات الإدارية. وعبر هذا الدمج تستطيع الوحدة أن ترى ما لا تراه الجهة الواحدة منفردة: علاقة بين حساب وشركة، أو شركة وشخص سياسي معرض للمخاطر، أو تحويلات صغيرة تبدو طبيعية لكنها تشكل عند تجميعها نمطًا لغسل أموال أو إخفاء رشوة.

وحدات الاستخبارات المالية: عين الدولة على المال المشبوه

يعرض التقرير وحدات الاستخبارات المالية بوصفها “حلقة وصل” بين القطاع الخاص، والجهات الرقابية، وجهات إنفاذ القانون، والنيابات، وهيئات مكافحة الفساد، والوحدات النظيرة في الخارج. فقيمتها لا تكمن في أنها تجمع البيانات فقط، بل في قدرتها على تحويل البيانات المتفرقة إلى صورة مفهومة. وتظهر هذه القيمة بوضوح في قضايا الفساد، لأن الفساد بطبيعته لا يترك دائمًا أثرًا مباشرًا. فالرشوة قد لا تُدفع باسم رشوة، بل تمر عبر جمعية محلية، أو شركة استشارية، أو صفقة عقارية، أو تحويل إلى وسيط، أو شراء أصل باسم شركة مسجلة في دولة أخرى. وهنا تصبح مهمة الوحدة هي “وصل النقاط”.

في تشيلي، ساعدت الاستخبارات المالية في كشف فساد مرتبط بأنماط إنفاق غير منتظمة لأحد ضباط الشرطة. بدأ الأمر بوجود فجوة بين الدخل والإنفاق، ثم قادت تحليلات الوحدة إلى تحقيق أوسع في فساد داخل مؤسسة عامة، وانتهى الأمر بأكثر من مئة إدانة. وفي فرنسا، كشفت الاستخبارات المالية كيف جرى تمويه رشاوى دفعت إلى عمدة محلي عبر تمويل منظمات رياضية محلية، ولم يظهر المخطط إلا عندما ربطت الوحدة بين حسابات بنكية متعددة ومسارات دفع ومستفيدين. وفي نيجيريا، ساعدت الوحدة في قضية فساد واختلاس عابرة للحدود شملت شخصيات سياسية وهياكل مالية خارجية، وانتهت بتتبع تدفقات غير مشروعة واسترداد خمسين مليون دولار من الأموال المسروقة. هذه الأمثلة لا يقدمها التقرير كحالات استثنائية معزولة، بل كدليل على أن الاستخبارات المالية يمكن أن تعمل في بيئات مؤسسية مختلفة، وفي قضايا محلية أو عابرة للحدود، بشرط أن تملك الأدوات اللازمة. 

المفارقة المركزية: الاستخبارات مطلوبة أكثر عندما تأتي بطلب

من أبرز نتائج التقرير أن الاستخبارات المالية تكون أكثر استخدامًا من قبل جهات إنفاذ القانون والنيابات عندما تُنتج استجابة لطلب محدد مرتبط بتحقيق قائم، بينما تكون الاستخبارات التي تبادر بها وحدات الاستخبارات المالية من تلقاء نفسها أقل استخدامًا وأقل احتمالًا لأن تتحول إلى إجراءات تحقيقية. في بعض الدول التي شملتها الدراسة، تصل نسبة استخدام الاستخبارات القائمة على طلب إلى 97 في المئة، بينما قد تنخفض نسبة استخدام الإحالات الاستباقية إلى 3 في المئة فقط.

هذه النتيجة بالغة الأهمية لأنها لا تعني أن البيانات التي تعتمد عليها الإحالات الاستباقية أقل قيمة. فالمصدر في الحالتين هو البيانات المالية نفسها. الفرق يكمن في توقيت دخول المعلومة إلى مسار التحقيق. عندما يطلب المحققون معلومات من الوحدة، يكون لديهم غالبًا فرضية قائمة، أو اسم مشتبه به، أو قضية مفتوحة، ولذلك تأتي الاستخبارات في سياق عملي واضح. أما عندما ترسل الوحدة معلومة استباقية، فقد لا تمتلك الجهة المتلقية القدرة أو الوقت أو المنهجية لفرزها وتحديد أولويتها وتحويلها إلى ملف تحقيق. وهذا يكشف انحيازًا بنيويًا في كثير من منظومات مكافحة غسل الأموال نحو الاستخدام التفاعلي لا الاستباقي للاستخبارات المالية.

بعبارة أخرى، لا تكفي وفرة المعلومات. ولا يكفي أن تنتج وحدة الاستخبارات المالية تقارير كثيرة. القيمة الحقيقية تكمن في أن تكون هذه التقارير قابلة للعمل، واضحة، محددة، ومتصلة بحاجات المحققين. لذلك يدعو التقرير إلى إعادة تقييم أداء الوحدات ليس بعدد البلاغات التي تتلقاها أو بعدد التقارير التي ترسلها، بل بمدى مساهمتها في فتح التحقيقات، وتعقب الأموال، ومنع تهريب الأصول، ودعم الإجراءات القضائية.

الركيزة الأولى: التفويض القانوني والصلاحيات

يرى التقرير أن فعالية وحدات الاستخبارات المالية تبدأ من طبيعة التفويض القانوني. فهذه الوحدات قد تكون إدارية، أو تابعة لأجهزة إنفاذ القانون، أو هجينة، أو قضائية. وفي عينة الدراسة، كانت أغلب الوحدات ذات نموذج إداري، بينما تنتمي وحدات إيرلندا وسنغافورة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى نموذج إنفاذ القانون، وتعد قبرص النموذج الهجين الوحيد بين الدول المشمولة، ولا توجد وحدة قضائية كاملة ضمن العينة.

الفارق بين هذه النماذج لا يعني وجود نموذج مثالي يصلح لجميع الدول. فالتقرير يؤكد أنه لا توجد صيغة واحدة لوحدة فعالة، لأن التصميم المؤسسي يجب أن يتناسب مع السياق القانوني والمالي ومخاطر غسل الأموال في كل بلد. لكن مهما كان النموذج، فإن الوحدة تحتاج إلى صلاحيات واضحة لتلقي المعلومات وتحليلها ونشرها، وصلاحيات إضافية في بعض الحالات، مثل الإشراف على بعض القطاعات أو فرض عقوبات إدارية أو تعليق المعاملات وتجميد الحسابات مؤقتًا.

في ست دول شملتها الدراسة، تمتلك وحدات الاستخبارات المالية صلاحيات تنظيمية أو إشرافية في مجال مكافحة غسل الأموال، وهي البرازيل وكندا وتشيلي وإندونيسيا وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة. وقد يكون لهذه الصلاحيات أثر إيجابي لأنها تقرب الوحدة من الجهات المبلغة، وتساعدها على تحسين جودة البلاغات، لكنها تتطلب موارد إضافية وتنسيقًا محكمًا حتى لا تتحول إلى عبء يضعف الوظيفة التحليلية الأساسية.

أما في مجال التدابير الوقائية، فيشير التقرير إلى أن 13 وحدة من أصل 20 تستطيع تعليق معاملات مشبوهة مؤقتًا، بينما تمتلك تسع وحدات فقط صلاحية تجميد الحسابات لفترة محدودة. وهذه الصلاحية حاسمة في قضايا الفساد العابرة للحدود، لأن الأموال المشبوهة قد تنتقل بسرعة إلى حساب آخر أو دولة أخرى قبل أن تتمكن النيابة أو المحكمة من التدخل. ومع ذلك، يحذر التقرير من أن التجميد قد ينبه المشتبه به ويمنحه فرصة لإخفاء أصول أخرى أو إتلاف أدلة، لذلك يجب استخدامه بتنسيق وثيق مع النيابات والشرطة والوحدات الأجنبية.

تقدم فرنسا مثالًا لافتًا عبر ما يسميه التقرير نظام “الدائرة القصيرة”، حيث تستطيع وحدة الاستخبارات المالية تعليق معاملة لفترة وجيزة والتواصل فورًا مع النيابة لتحويل التعليق الإداري إلى إجراء قضائي. أهمية هذا النموذج أنه يقلل الفجوة بين الاشتباه والتحرك القضائي، ويحمي الأموال من الهروب، ويمنع أن يبقى قرار التجميد إجراءً معلقًا بلا متابعة.

الركيزة الثانية: تلقي التقارير المشبوهة

تعتمد وحدات الاستخبارات المالية على تقارير المعاملات أو الأنشطة المشبوهة. لكنها لا تحتاج إلى أي تقارير، بل إلى تقارير دقيقة، في الوقت المناسب، ومن قطاعات شاملة. وهنا يكشف التقرير عن عدد من المشكلات. فالبنوك مشمولة عمومًا بواجبات الإبلاغ في الدول المدروسة، لكن القطاعات غير المالية لا تزال تعاني ثغرات واضحة، خصوصًا المهن التي تلعب دور “حراس البوابة” للنظام المالي، مثل المحامين، وسوق العقار، ومقدمي خدمات الشركات، والمحاسبين.

يشير التقرير إلى أن تغطية التزامات مكافحة غسل الأموال في القطاعات غير المالية لا تزال غير مكتملة في تسع دول من أصل عشرين، بينها البرازيل وكندا وتشيلي وكولومبيا وفرنسا وإيطاليا والإمارات والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتكتسب هذه الثغرات خطورة خاصة لأن عائدات الفساد لا تمر دائمًا من البنوك مباشرة، بل غالبًا ما تختبئ في العقارات، أو الشركات، أو الخدمات القانونية، أو المكاتب الاستشارية، أو صفقات شراء الأصول.

في كندا، مثلًا، لا يخضع المحامون لواجب الإبلاغ إلى وحدة الاستخبارات المالية نتيجة قرار قضائي سابق، وهو ما يترك فجوة مهمة، لأن المحامين قد يشاركون في عمليات شراء وبيع العقارات أو تأسيس الشركات. وفي الولايات المتحدة، لا تخضع مهن مهمة مثل المحامين والمحاسبين ووكلاء العقارات ومقدمي خدمات الشركات لنظام شامل لإرسال تقارير الاشتباه، رغم أن هذه المهن يمكن أن تستخدم لإخفاء المستفيد الحقيقي من الأموال. وفي فرنسا، لا تصل تقارير المحامين مباشرة إلى الوحدة، بل تمر عبر هيئة مهنية تقوم بفرزها، وهو ما قد يسبب تأخيرًا أو تضارب مصالح.

كما يلفت التقرير إلى مشكلة توقيت التقارير. فالتقرير المتأخر يفقد قيمته الوقائية، لأن الأموال قد تكون انتقلت أو تفرقت. وفي إيطاليا، تشير بيانات حديثة إلى أن 31.9 في المئة من التقارير في عام 2024 قُدمت بعد أكثر من شهرين من وقوع المعاملة، مقارنة بـ28 في المئة عام 2014. وهذا يعني أن مجرد النص القانوني على الإبلاغ “فورًا” أو “في الوقت المناسب” لا يضمن الالتزام العملي. أما في الصين والمكسيك، فتظهر إشكالية أخرى مرتبطة بارتفاع عتبة الاشتباه، حيث قد تتردد الجهات المبلغة في إرسال التقرير ما لم تكن لديها مؤشرات شبه مؤكدة على الجريمة الأصلية، وهو أمر صعب في قضايا الفساد التي يصعب إثباتها من البداية.

الركيزة الثالثة: العلاقة مع الجهات المبلغة

يرى التقرير أن العلاقة بين وحدة الاستخبارات المالية والجهات المبلغة ليست علاقة تلقي سلبي، بل علاقة تعلم متبادل. فالقطاع الخاص يرى المعاملات أولًا، لكنه يحتاج إلى فهم ما الذي يجب أن يثير الشبهة، وكيف يكتب بلاغًا مفيدًا، وما المعلومات التي ينبغي تضمينها. والوحدة تحتاج إلى أن تشرح للجهات المبلغة ما الذي كان مفيدًا في تقاريرها وما الذي كان ناقصًا أو دفاعيًا أو منخفض القيمة.

في أكثر من نصف الدول المدروسة، تظهر تحديات مرتبطة بجودة التقارير واتساقها وأولويتها. وقد تلجأ بعض المؤسسات إلى الإبلاغ الدفاعي، أي إرسال عدد كبير من التقارير لحماية نفسها من العقوبات، لا لأنها تعتقد فعلًا بوجود خطر جدي. وهذا يخلق مشكلة مزدوجة: يرهق الوحدة ببلاغات كثيرة، ويخفي البلاغات المهمة وسط ضجيج البيانات.

يعرض التقرير نماذج إيجابية في هذا المجال. ففي إيطاليا، تصنف وحدة الاستخبارات المالية بعض التقارير منخفضة الجودة أو منخفضة المخاطر إلى فئات تساعد الجهة المبلغة على مراجعة أسلوبها. وفي كولومبيا، تقدم الوحدة تقييمًا شهريًا يتناول اكتمال التقرير ومدى ملاءمته، بما في ذلك سرد الوقائع، وتفاصيل المعاملات، وتحديد الأطراف ذات الصلة. كما تستخدم بعض الدول شراكات عامة–خاصة لرفع جودة التقارير وتبادل مؤشرات الخطر. وفي المملكة المتحدة، ساعدت شراكة عامة–خاصة في قضية مرتبطة بعقود وزارة الدفاع على تحديد 45 حسابًا غير معروف سابقًا وتقييد 53 مليون جنيه إسترليني.

هذه الأمثلة تظهر أن جودة الاستخبارات المالية تبدأ قبل التحليل؛ تبدأ من جودة البلاغ نفسه. فإذا كان البلاغ ناقصًا أو متأخرًا أو عامًا أو بلا سياق، فإن التحليل يصبح أضعف. أما إذا كان البلاغ واضحًا، مدعومًا بالمعلومات، ويربط بين السلوك المالي والسياق التجاري أو السياسي، فإنه يمنح الوحدة نقطة انطلاق قوية.

الركيزة الرابعة: التحليل والوصول إلى البيانات

التحليل هو قلب عمل وحدات الاستخبارات المالية. فهو لا يعني قراءة البلاغ كما ورد، بل اختباره وربطه بغيره من البيانات. ويقسم التقرير التحليل إلى نوعين: تحليل تشغيلي يركز على قضية أو معاملة أو شبكة محددة، وتحليل استراتيجي يدرس الأنماط والاتجاهات والمخاطر على مستوى أوسع، مثل قطاع عالي الخطورة أو نمط جديد من غسل الأموال.

تحتاج الوحدة في التحليل التشغيلي إلى الوصول المباشر والسريع إلى قواعد بيانات متعددة. فملف فساد واحد قد يتطلب معرفة المستفيد الحقيقي من شركة، وسجلها التجاري، وتحركات الحسابات، والبيانات الضريبية، والسجلات العقارية، وسوابق إنفاذ القانون، وربما معلومات من وحدة أجنبية. لذلك يشدد التقرير على أن عدم وجود وصول مباشر إلى البيانات يحول الوحدة إلى جهة تنتظر الموافقات والمخاطبات، بدل أن تكون مركزًا سريعًا للتحليل.

رغم أهمية معلومات المستفيد الحقيقي، لا تمتلك سوى 14 وحدة من أصل 20 وصولًا مباشرًا إلى سجلات المستفيد الحقيقي. كما لا توجد سجلات مستفيد حقيقي عاملة في تشيلي والصين والمكسيك، بينما عُلّق السجل الإيطالي منذ كانون الأول/ديسمبر 2023 بسبب قضية قانونية. وفي الولايات المتحدة، أدت تغييرات حديثة إلى تضييق نطاق التزامات الإبلاغ عن المستفيد الحقيقي، ما أضعف قاعدة بيانات قانون الشفافية المؤسسية بوصفها أداة تحليلية. كذلك لا تمتلك إلا ثماني وحدات وصولًا مباشرًا إلى بيانات الضرائب، بينما تمتلك 11 وحدة وصولًا مباشرًا إلى قواعد بيانات إنفاذ القانون.

هذه الأرقام تفسر لماذا تفشل وحدات في كشف شبكات معقدة رغم تلقيها البلاغات. فالبلاغ وحده قد يقول إن هناك تحويلًا مشبوهًا، لكنه لا يكشف دائمًا من يملك الشركة، أو هل الشخص مرتبط بمسؤول سياسي، أو هل هناك أصول عقارية، أو هل توجد تحقيقات سابقة. لذلك يرى التقرير أن الوصول إلى البيانات يجب أن يكون منصوصًا عليه في القانون، لا قائمًا على مذكرات تفاهم أو ترتيبات غير رسمية قد تتغير بتغير الظروف السياسية أو الإدارية.

الركيزة الخامسة: نشر الاستخبارات واستخدامها

بعد التحليل تأتي المرحلة الحاسمة: هل تصل المعلومة إلى من يستطيع أن يتحرك؟ وهل تصل بصيغة مفهومة وقابلة للتنفيذ؟ يؤكد التقرير أن نشر الاستخبارات المالية هو الجسر بين التحليل والعمل. فإذا بقيت المعلومات داخل الوحدة، أو أُرسلت متأخرة، أو جاءت غامضة وغير عملية، فإن أثرها يتقلص.

تستطيع الوحدات عادة نشر المعلومات بطريقتين: تلقائيًا عندما ترى شبهة تستحق التحرك، أو استجابة لطلب من جهة تحقيق أو وحدة أجنبية. وكما أشرنا، فإن المعلومات المطلوبة من الجهات التحقيقية تكون أكثر استخدامًا، لأنها تأتي ضمن ملف قائم. لكن التقرير لا يرى ذلك سببًا لإهمال الإحالات الاستباقية، بل يدعو إلى تحسينها بحيث تصبح أكثر وضوحًا وتركيزًا. فالهدف من الاستخبارات الاستباقية هو فتح أعين السلطات على فساد لم يكن منظورًا بعد.

يعرض التقرير نماذج للتكامل التشغيلي. ففي هولندا، يمكن لموظفي وحدة الاستخبارات المالية المشاركة بشكل مباشر مع المحققين، ما يسمح بالكشف المتواصل عن معاملات إضافية مرتبطة بالتحقيق. وفي جنوب أفريقيا، تشارك الوحدة في فرق عمل كبرى وتوفر محللين يقدمون استخبارات مالية فورية، كما أنشأت قدرة متخصصة في المحاسبة الجنائية والتحليل وتقديم الأدلة. وفي الإمارات، يمكن طلب تحليلات مالية تفصيلية عبر لجان وتقارير فنية موجهة للنيابات. هذه النماذج تؤكد أن الوحدة لا ينبغي أن تكون مجرد “صندوق بريد” بين البنوك والشرطة، بل شريكًا تحليليًا في فهم القضايا المعقدة.

مع ذلك، يقر التقرير بأن قياس أثر الاستخبارات المالية لا يزال صعبًا. فقليل من الدول تنشر بيانات دقيقة عن عدد التحقيقات أو الإدانات أو الأصول المستردة التي ساهمت فيها تقارير الوحدة. وتعد سنغافورة من الدول التي تنشر معلومات عن استخدام إحالاتها، إذ أظهرت بيانات عام 2024 أن 29 في المئة من الإحالات أسهمت في فتح تحقيق أو دعم تحقيق قائم. وفي هولندا، يستخدم نحو 60 في المئة من تحقيقات غسل الأموال استخبارات صادرة عن الوحدة. أما في إيطاليا، فتشير أبحاث إلى أن واحدًا من كل 16 تقرير اشتباه بين 2009 و2021 قدم معلومات ذات صلة بإجراءات جنائية جارية.

الركيزة السادسة: التعاون الدولي

لا يمكن فهم فساد النخب وغسل الأموال الكبرى داخل حدود دولة واحدة. فالشركة قد تكون في بلد، والحساب في بلد ثانٍ، والعقار في بلد ثالث، والمستفيد الحقيقي في بلد رابع. لذلك يمنح التقرير التعاون الدولي مكانة مركزية. فحين تنتقل الأموال عبر الحدود، لا تملك الوحدة المحلية سوى جزء من الصورة، وتحتاج إلى وحدات أجنبية كي تكمل السلسلة.

يشير التقرير إلى أن التعاون بين الوحدة النيجيرية ووحدات في أوروبا والكاريبي كان ضروريًا في كشف قضية وزيرة النفط النيجيرية السابقة ديزاني أليسون-مادويكي، حيث ساعد تبادل المعلومات على تحديد عقارات وشركات استخدمت في غسل الأموال. وهذه الحالة توضح أن استرداد الأموال المنهوبة لا يعتمد فقط على الإرادة السياسية المحلية، بل على سرعة وفعالية قنوات التعاون بين الوحدات.

رغم وجود مجموعة إيغمونت بوصفها إطارًا دوليًا لتبادل المعلومات بين وحدات الاستخبارات المالية، لا تزال هناك عوائق عملية. فالصين ليست عضوًا في المجموعة وتعتمد على مذكرات تفاهم ثنائية، بينما عُلّق وصول كولومبيا إلى شبكة إيغمونت الآمنة في أيلول/سبتمبر 2024 بسبب خرق يتعلق بالسرية. كما أن اختلاف الصلاحيات بين الوحدات، وتفاوت الوصول إلى قواعد البيانات، واختلاف قواعد السرية، وبطء الاستجابة، كلها عوامل تحد من فعالية التعاون.

تظهر البيانات التي يعرضها التقرير أن فرنسا تتصدر عدد الطلبات الواردة من وحدات أجنبية، تليها إيطاليا والمملكة المتحدة. كما تتلقى الإمارات عددًا كبيرًا من الطلبات، وهو ما يعكس موقعها في الشبكات المالية الدولية وتعرضها لمخاطر غسل الأموال. وعند تعديل الأرقام قياسًا إلى حجم الاقتصاد، تظهر قبرص وبنما والإمارات بوصفها مراكز مالية صغيرة أو متوسطة ذات انكشاف عابر للحدود، ما يفسر ارتفاع الطلبات نسبة إلى حجمها الاقتصادي.

الركيزة السابعة: الموارد البشرية والتقنية

لا تستطيع وحدة الاستخبارات المالية أن تؤدي دورها بمجرد منحها صلاحيات واسعة إذا كانت بلا موظفين كافين أو أدوات تقنية حديثة. فالبلاغات قد تصل بمئات الآلاف أو الملايين، والتحليل يحتاج إلى خبرات في التحقيق، والقانون، والإحصاء، وتكنولوجيا المعلومات، وعلم الجريمة، والبيانات. لذلك يرى التقرير أن نقص الموارد يحول الوحدة إلى عنق زجاجة داخل منظومة مكافحة الفساد وغسل الأموال.

تشير البيانات إلى أن موازنات وحدات عدة زادت بالقيمة الحقيقية منذ عام 2021، لكن الفجوات لا تزال كبيرة. فالبرازيل والصين والمملكة المتحدة تبدو، بحسب التقرير، ذات موازنات صغيرة نسبيًا قياسًا إلى حجم اقتصاداتها. وفي البرازيل، رغم وجود أدوات تقنية متقدمة، وجدت مجموعة العمل المالي أن الوحدة تعاني نقصًا كبيرًا في الموظفين، وأن نسبة صغيرة جدًا من تقارير الاشتباه تخضع لمراجعة كاملة من محلل بشري.

وتظهر المشكلة بصورة خاصة في المراكز المالية الكبرى. فالمملكة المتحدة مثلًا تمتلك قطاعًا ماليًا دوليًا ضخمًا، لكن موارد وحدة الاستخبارات المالية تبدو محدودة قياسًا إلى حجم الخدمات المالية المصدرة للخارج. وإيرلندا تواجه تحديًا مشابهًا بسبب نمو قطاع صناديق الاستثمار وزيادة التقارير، مع مطالبات بمضاعفة عدد موظفي الوحدة. في المقابل، يقدم التقرير هولندا مثالًا على أن الموارد لا تقاس بعدد الموظفين فقط، بل بقدرة الوحدة على استخدام التكنولوجيا والتدريب الجيد لتصفية البلاغات وترتيب الأولويات.

لكن التقرير يحذر كذلك من تصور أن التكنولوجيا بديل عن المحلل البشري. فالأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الفرز الآلي يمكن أن تساعد في تحديد البلاغات عالية المخاطر، لكنها لا تستطيع وحدها فهم السياق السياسي أو التجاري أو القانوني لقضية فساد معقدة. لذلك توصي الشفافية الدولية باستخدام التكنولوجيا لتعزيز القدرة البشرية لا لاستبدالها.

الركيزة الثامنة: الاستقلال التشغيلي

كلما أصبحت وحدة الاستخبارات المالية أكثر فعالية في كشف الفساد، ازدادت حساسيتها السياسية. فهي قد تقترب من ملفات تتعلق بمسؤولين نافذين، أو شخصيات سياسية معرضة للمخاطر، أو مصالح اقتصادية قوية. وهنا تصبح الاستقلالية شرطًا لحماية الوحدة من الضغط، وحماية المجتمع من إساءة استخدام الاستخبارات المالية سياسيًا.

يعرض التقرير حالة البرازيل بوصفها مثالًا على حساسية هذا الدور. فقد لعبت الوحدة البرازيلية في عام 2018 دورًا في تحديد معاملات مالية مشبوهة مرتبطة بفلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو وعضو مجلس الشيوخ، ما ساعد على إطلاق تحقيقات في فساد وغسل أموال انتهت لاحقًا إلى الأرشفة. لكن استخدام استخبارات الوحدة أصبح موضوعًا لقرارات قضائية متضاربة، بما في ذلك قرار للمحكمة العليا أدى مؤقتًا إلى تعليق عدد كبير من التحقيقات المعتمدة على معلومات الوحدة. ورغم أن قرارات لاحقة أكدت قانونية مشاركة المعلومات، بقيت حالة من عدم اليقين حول استخدام الاستخبارات المالية في الإجراءات الجنائية.

تكمن المشكلة في أن الضغط على الوحدة قد يأخذ أشكالًا مباشرة، مثل تقييد الوصول إلى البيانات، أو تضييق التفويض، أو منع الإحالة إلى السلطات المختصة. وقد يأخذ أشكالًا غير مباشرة، مثل تجميد الميزانية، أو تعيين قيادة موالية، أو إقالة رئيس الوحدة بلا سبب واضح. لذلك يشدد التقرير على ضرورة وجود قواعد قانونية واضحة لتعيين رئيس الوحدة وإقالته، وأن تكون المعايير قائمة على الكفاءة لا الولاء السياسي. في 12 دولة من الدول المشمولة، توجد ثغرات قانونية في تعيين أو عزل قيادة وحدة الاستخبارات المالية، وهي ثغرات قد تضعف الاستقلال خصوصًا في القضايا السياسية الحساسة.

وفي المقابل، لا يدعو التقرير إلى استقلال بلا مساءلة. فالوحدات تتعامل مع معلومات شديدة الحساسية وقدرات قد تُساء استخدامها ضد الخصوم السياسيين أو الاقتصاديين. لذلك يجب أن تقترن الاستقلالية بضمانات السرية، والإشراف، وآليات التبليغ عن المخالفات، وشفافية مؤسسية لا تكشف الأسرار التشغيلية لكنها تسمح بفهم الأداء العام.

الركيزة التاسعة: الشفافية والمساءلة

يرى التقرير أن الشفافية ضرورية لبناء الثقة في وحدات الاستخبارات المالية. لكنها شفافية من نوع خاص، لأنها لا تعني كشف بيانات الأفراد أو تفاصيل التحقيقات أو مصادر المعلومات. المطلوب هو نشر معلومات عن الموارد، والأنشطة، وعدد البلاغات، والقطاعات المبلغة، والإحالات، والتعاون الدولي، واستخدام منتجات الوحدة من قبل السلطات، بحيث يستطيع البرلمان والمجتمع المدني والإعلام تقييم ما إذا كانت الوحدة تعمل بفعالية.

تظهر الدراسة أن أغلب الوحدات تنشر تقارير سنوية، لكن مستوى التفاصيل متفاوت. فالموازنات هي أكثر البيانات غيابًا، تليها بيانات التعاون المحلي واستخدام الاستخبارات. تمتاز تشيلي بمستوى عالٍ من الشفافية، إذ تقدم بيانات واضحة وسياقًا سرديًا يجعل الأرقام مفيدة للرقابة والبحث. وتتميز إيطاليا بتفصيل كبير في إحصاءات البلاغات، بما في ذلك توزيعها حسب القطاعات والمناطق الجغرافية. أما سنغافورة، فرغم محدودية شفافية بعض الجوانب، فهي من القلائل الذين ينشرون إحصاءات تفصيلية حول استخدام إحالات الوحدة من قبل جهات إنفاذ القانون.

هذه الشفافية مهمة لسببين. الأول أنها تمنع أن تتحول الوحدة إلى مؤسسة غامضة يصعب تقييمها. والثاني أنها تساعد على تحسين الأداء؛ فعندما تظهر البيانات أن قطاعًا معينًا لا يبلغ بما يكفي، أو أن بلاغات قطاع آخر منخفضة الجودة، أو أن الإحالات لا تستخدم، يمكن تعديل السياسات والتدريب والإشراف.

ما الذي يعمل جيدًا؟

يخلص التقرير إلى أن وحدات الاستخبارات المالية تكون أكثر فعالية عندما تجتمع خمسة شروط رئيسية.

 الأول هو الوصول المباشر والقانوني إلى البيانات الأساسية، خصوصًا المستفيد الحقيقي، والضرائب، والأصول، وبيانات إنفاذ القانون. 

الثاني هو شمول واجبات الإبلاغ للقطاعات عالية المخاطر، بما فيها العقارات، والمحامون عندما يعملون في معاملات اقتصادية لا في الدفاع القانوني، ومقدمو خدمات الشركات.

 الثالث هو جودة البلاغات لا كثرتها، عبر إرشاد قطاعي وتغذية راجعة منتظمة.

 الرابع هو الاستثمار في التكنولوجيا مع الحفاظ على دور المحلل البشري. والخامس هو التعاون القريب مع المحققين والنيابات وهيئات مكافحة الفساد، محليًا ودوليًا.

كما يبرز التقرير أهمية النماذج العملية مثل “الدائرة القصيرة” في فرنسا، والشراكات العامة–الخاصة في المملكة المتحدة، وبرامج التغذية الراجعة في إيطاليا وكولومبيا، واستخدام البرمجيات المتخصصة في إيطاليا وتشيلي. هذه التجارب لا تعني أن كل دولة ينبغي أن تنسخ النموذج نفسه، لكنها تظهر أن تحسين الأداء ليس مسألة قانون فقط، بل مسألة تصميم مؤسسي، وتواصل، وموارد، وقياس أثر.

ما الذي لا يعمل؟

في المقابل، يحدد التقرير مجموعة واسعة من الاختلالات.

 أولها الوصول المجزأ وغير المتكافئ إلى البيانات، حيث تعتمد بعض الوحدات على ترتيبات غير رسمية أو موافقات تقديرية.

 وثانيها ثغرات الإبلاغ في القطاعات غير المالية، وهي ثغرات تسمح للأموال الفاسدة بالمرور من خارج النظام المصرفي التقليدي.

 وثالثها ضعف صلاحيات تعليق المعاملات أو تجميد الحسابات في عدد من الدول، ما يسمح بهروب الأموال قبل التحرك القضائي.

 ورابعها كثرة البلاغات الدفاعية أو منخفضة القيمة، وضعف التغذية الراجعة بين المحققين والوحدات. 

وخامسها نقص الموارد البشرية والتقنية. وسادسها هشاشة الاستقلال التشغيلي في ملفات تعيين وإقالة قادة الوحدات. وسابعها بطء التعاون الدولي وتفاوت قواعد السرية والاستخدام القضائي للمعلومات.

هذه الاختلالات لا تعني أن منظومة مكافحة غسل الأموال بلا جدوى، لكنها تعني أن وجود وحدة استخبارات مالية لا يكفي بذاته. فالوحدة قد تكون موجودة على الورق، وتستقبل البلاغات، وتنشر تقارير، لكنها لا تكون فعالة إذا كانت محاصرة بنقص البيانات، أو مثقلة ببلاغات ضعيفة، أو محرومة من الموارد، أو خاضعة لضغط سياسي.

التوصيات الأساسية

يدعو التقرير الحكومات إلى ضمان وصول مباشر وآمن وسريع لوحدات الاستخبارات المالية إلى البيانات الحكومية ذات الصلة، بما فيها سجلات المستفيد الحقيقي، والضرائب، والأصول، وبيانات إنفاذ القانون. ويؤكد ضرورة أن تُنظم هذه الصلاحيات في القانون لا عبر ترتيبات غير مستقرة. كما يدعو إلى توسيع صلاحيات تعليق المعاملات وتجميد الحسابات مؤقتًا، مع ضمانات للطعن القانوني ومنع التعسف.

كما يوصي بإغلاق ثغرات الإبلاغ في القطاعات غير المالية، وعدم استخدام السر المهني للمحامين كغطاء كامل عندما يتعلق دورهم بتأسيس الشركات أو شراء العقارات أو تنفيذ معاملات اقتصادية. وينبغي أن ترسل تقارير الاشتباه مباشرة إلى وحدة الاستخبارات المالية لا إلى هيئات ذاتية قد تؤخرها أو تنتقيها.

ويدعو التقرير الوحدات نفسها إلى تحسين وضوح الإحالات، وتحديد طبيعة الشبهة، واقتراح الخطوات الممكنة، وقياس أثر منتجاتها بالتعاون مع الجهات المتلقية. كما يشجع على اعتماد نماذج تغذية راجعة منتظمة مع الجهات المبلغة، وتطوير استمارات قطاعية تراعي خصوصية كل قطاع، وتحسين العلاقة مع الجهات الإشرافية حتى لا تتحول كثرة الإبلاغ إلى بديل عن الإبلاغ الجيد.

وفي مجال التعاون الدولي، يدعو التقرير إلى وضع معايير داخلية للاستجابة لطلبات الوحدات الأجنبية، وربما تحديد مدد قصوى بحسب نوع الطلب، وإنشاء فرق متخصصة في الوحدات التي تتلقى طلبات كثيرة. كما يدعو الهيئات الدولية إلى تطوير إرشادات بشأن أزمنة الاستجابة وتعزيز أهمية الإحصاءات العامة.

أما في مجال الاستقلال، فيوصي التقرير بأن تؤسس الوحدات بقوانين واضحة تحدد سلطاتها، وتمنحها استقلالًا في التوظيف والتحليل والإحالة، وتمنع الرؤساء أو الحكومات من تعيين أو عزل قادتها منفردين ومن دون أسباب قانونية واضحة. كما يدعو إلى آليات إبلاغ عن سوء السلوك داخل الوحدات نفسها.

خلاصة

يقدم تقرير الشفافية الدولية صورة مركبة لوحدات الاستخبارات المالية: فهي من أقوى أدوات كشف الفساد حين تكون مستقلة، ممولة، مزودة بالبيانات، وقادرة على التعاون؛ لكنها قد تتحول إلى نقطة اختناق إذا أغرقتها البلاغات الضعيفة، أو حُرمت من الوصول إلى السجلات، أو خضعت للنفوذ السياسي، أو فشلت في إيصال استخباراتها إلى المحققين بصيغة عملية. والدرس الأهم أن مكافحة الفساد لا تبدأ فقط من المحكمة ولا من الشرطة، بل من القدرة على قراءة المال بوصفه أثرًا للجريمة.

فحيث يعجز الخطاب السياسي عن إثبات الفساد، قد تكشف الحسابات المصرفية والشركات الوهمية والعقارات والتحويلات ما جرى إخفاؤه. غير أن المال لا يتكلم وحده؛ يحتاج إلى مؤسسة تعرف كيف تسمعه، وتربط إشاراته، وتحوله إلى دليل أولي، ثم توصله إلى من يستطيع التحرك. هذه هي وظيفة وحدات الاستخبارات المالية كما يعرضها التقرير: ليست بديلًا عن القضاء ولا عن هيئات مكافحة الفساد، لكنها واحدة من أهم بوابات الوصول إلى الحقيقة في زمن أصبحت فيه الجريمة المالية أكثر تعقيدًا وأسرع عبورًا للحدود.

اضف تعليق