إن المفارقة الجوهرية تكمن في تطبيق أن المساواة المطلقة في بيئة غير متساوية بطبيعتها يؤدي إلى ظلم صارخ. أما حين نطالب بالمساواة فلأنها طريق للعدل، ولكننا نتخلى عنها عندما تصبح سببًا في الظلم. لذلك، فإن العدل هو الأصل، والمساواة فرعٌ منه يُطبق في مواضعه الصحيحة...

(علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، يأخذ ثلاث دنانير لنفسه

ويعطي ثلاث دنانير لخادمه قنبر)

سماحة المرجع الشيرازي

لو أننا طرحنا السؤال التالي للنقاش فكيف ستكون الإجابة، والسؤال ستعلق بـ أيهما يسبق الآخر في الأهمية العدل أم المساواة؟، في الحقيقة يعد هذا السؤال واحدًا من أعقَد وأعمق الأسئلة التي تثير النقاشات في الفلسفة السياسية والقانونية. ولعل الإجابة المختصرة والمعروفة هي العدل يسبق المساواة، كونه يُعد أشمل منها، فالمساواة ليست سوى أداة أو مرحلة من مراحل تحقيق العدل، وليست الغاية النهائية دائمًا.

بالطبع هنالك علاقة متشابكة ومترابطة بين الاثنين العدل والمساواة، عبر العديد من الروابط منها، إن العدل هو الغاية والمظلة الكبرى، فالعدل في جوهره يعني "إعطاء كل ذي حقٍ حقه"، وتنزيل الأمور في نصابها الصحيح بناءً على الاستحقاق، والحاجة، والظروف المحيطة. والعدل مرن ويراعي الفروق الفردية والظروف الاستثنائية هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى المساواة هي الأداة والآلية، والمساواة تعني "التماثل التام" وإعطاء الجميع نفس الشيء تمامًا دون النظر إلى الفوارق. فالمساواة تكون عادلة فقط عندما تتشابه مراكز الناس وظروفهم (مثل المساواة أمام القانون، أو المساواة في الحقوق الأساسية).

ولذلك فإن المفارقة الجوهرية تكمن في تطبيق أن "المساواة المطلقة" في بيئة غير متساوية بطبيعتها يؤدي إلى ظلم صارخ. أما حين نطالب بالمساواة فلأنها طريق للعدل، ولكننا نتخلى عنها عندما تصبح سببًا في الظلم. لذلك، فإن العدل هو الأصل، والمساواة فرعٌ منه يُطبق في مواضعه الصحيحة، من هنا علينا تطبيق القوانين الإلهية التي تعالج هذا المحور المهم في تنظيم حياة الناس وإذا كان القانون الإلهي هو الفيصل يتحقق العدل والمساواة معا.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرته القيمة (العدل):

(يجب أن يكون التعامل مع الجميع بنفس القانون الإلهي سواء كان الشخص رئيس عشيرة أو كان أباً أو أمّاً، أو كان رئيس حكومة وصاحب منصب رفيع).

ولدينا مثال من التاريخ الإسلامي المشرق في حكومة الإمام علي عليه السلام وتعامله مع المؤمنين والمسلمين وغير المسلمين وفق القانون الإلهي الذي يتعلق بالعدل وبالمساواة في وقت واحد، فقد كان بيت المال تحت إدارة الإمام عليه السلام، وهو المسؤول الأول عنه، فقد كان يصرف منه للناس بحسب الاحتياج، فكل يقضي حاجته ثم ما يفيض عن ذلك يتم توزيعها بالتساوي بين المشمولين بعطاء الحكومة والدولة.

الأولوية لقضاء الحاجات

وفي ذلك الوقت أيضا كان الإمام عليه السلام يقدم المبادرات المتوالية لحملات تزويج الشباب كل بحسب احتياجه، وكذلك يدعم المعوزين بما يحتاجونه من متطلبات الحياة، الكثيرة والعديدة، حتى نفقات السفر كانت من القضايا التي يتم تأمينها من بيت المال للذي يحتاج إلى ذلك.

حيث يذكر سماحة المرجع الشيرازي دام ظله هذه النقطة بالقول:

(كان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يدير قرابة خمس سنوات أكبر حكومة إسلامية على وجه الأرض آنذاك، وكان بيده بيت مال المسلمين يصرف منه لقضاء حاجات المؤمنين والمسلمين وحتى غير المسلمين ممن كانوا يعيشون تحت ظل حكومة الإسلام وفي دار الإسلام. وكان الإمام آنذاك يساعد المحتاج ويقوم بتزويج المعوز ويؤمّن نفقات المسافر).

لكن لابد أن نعرف بأن الأولوية في السياسة المالية للإمام علي عليه السلام كانت تركّز على قضاء الحاجات الأكثر أهمية للمسلمين، وكل بحسب أهمية هذه الحاجة، ثم ما يتبقى من أموال في بيت المال يتم توزيع على الجميع بشكل متساوٍ، فالمهم أن المواطن يحصل أولا على ما يحتاجه لمعالجة هذه الحالة أو تلك وهذا النقص أو ذاك.

ثم تبدأ العملية التالية حيث يتم إحصاء ما يتبقى من الأموال التي تفيض عن الحاجة، فيتم حسابها بالدقة المطلوبة، وبعد ذلك تبدأ عملية التساوي في التوزيع، وفي هذه الحالة لا يوجد فرق بسن شخص وآخر، ولا أفضلية لشخص على آخر، فقد يعطي قبل ذلك مبلغا أكثر لشخص حاجته تتطلب ذلك ثم يعطي أقل فأقل وبحسب الاحتياج، لكن بالنتيجة تتوزع الأموال بعد قضاء الحاجات المهمة بالتساوي بين المواطنين.

حيث يقول سماحة المرج الشيرازي دام ظله: 

(إذا وفّر الإمام علي عليه السلام الحاجات المهمة وبقي من بيت مال المسلمين شيء كان صلوات الله عليه يوزّعه على الجميع بالسويّة. وكان عليه السلام يعطي كلّ واحد حسب حاجته، فيعطي لشخص ألف ولآخر مئة ولثالث عشرة، فالمهم أن تقضى حوائجهم حسب المقدار الذي يحتاجونه).

ولدينا أيضا مثال نستخلصه من سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله يتعلق بهذا الخصوص حول كيفية توزيع أموال المواطنين فيما بينهما، فقد (ورد في الحديث الشريف إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ذات مرّة وزّع مال الإبل فأعطى شخص مئة من دينار وأعطى آخر عشرين وثالث عشرة دنانير، كلّ حسب حاجته ومكانته الاجتماعية، وعندما انتهى من قضاء حوائجهم وزّع باقية المال بالسوية).

العدل في المقدمة دائما

ومن الحالات النادرة في التاريخ البشري، أن يستلم الحاكم الأعلى نفس المقدار الذي يستلمه خادمه من بيت المال، وهذا ما حدث فعلا في حكومة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث يأخذ 3 دنانير لنفسه، ويأخذ خادمه قنبر المبلغ نفسه، وهو استحقاق المواطن، سواء كان حاكما أعلى أو كان شخصا بسيطا أو حتى لو كان خادما للحاكم نفسه.

فهل هناك مثال لهذا الأمر في تاريخ البشرية قديمها وحديثها؟، أليست هذه دروسا لحكام اليوم، من المسلمين أو غير المسلمين، وهل تم أو يتم تطبيقه في الدول الإسلامية في عالم اليوم، لذا عليهم أن يتعلموا من هذه الدروس ويطبقوها ضمن مسؤولياتهم في الحكم، ولعل هذا يمثل أعظم وأرقى حالات العدل الإلهي.

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(انظروا رئيس أكبر حكومة على وجه الأرض وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، يأخذ ثلاث دنانير لنفسه ويعطي ثلاث دنانير لخادمه قنبر. وهذا هو العدل الذي يأمر الله تعالى به: (إنّ الله يأمر بالعدل)، فهذا العدل يجري في كل المجالات وعلى كافّة المستويات).

إن احترام الأب، أو مدير العمل، أو صاحب السلطة، ممن هم أدني منهم في مراتب المسؤولية، لا يعني أن يحصل هؤلاء الأرفع في المسؤولية على أموال وعطايا أكثر، فالأب يحصل على نفس ما يحصل عليه الابن لكن الاحترام للأب لن يتأثر قيد أنملة، وهذا ينطبق على الحاكم والمواطن، والأستاذ والطالب، الجميع هنا تحت حكم العدل.

كذلك لا يصح للحاكم أن يلبس أفضل من خادمه، بسبب فارق المنصب، هذا ما كان يقوم به الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في حكومته حين يدخل عليهم ضيفا فيرى أفرادا يجلسون في شكل دائري جميع على الأرض وجميع بنفس اللباس فلا يعرف من منهم القائد أو المسؤول الأعلى حتى يسأل عنه، وهذا هو التطبيق الحرفي لقوانين العدل الإلهية. 

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:

(بهذا العدل وبعد قضاء كافّة الحاجات لا يكون فرق في‌ توزيع المال بين رئيس الحكومة وخادمه، ولا بين الأب وابنه. فالتوزيع يكون بالتساوي، لا أن يعطى الأب أكثر من ابنه كونه أب. بلى يجب احترام الأب، ولا يعني الاحترام أخذ مال أكثر من غيره. وهكذا رئيس الحكومة يجب أن يُحترم ويُطاع، ولكن ذلك لا يعني أن يلبس أفضل من خادمه). 

من هنا فإن العدل هو الأعم وهو الأشمل، وتأتي المساواة كفرع من فروع العدل الكثيرة، ولكن جوهر كل شيء هو أن يكون الحاكم ملتزما بالقوانين والسنن الإلهية التي تنظم شؤون الناس والعلاقات بينهم وما يدور في الحياة كلها، والمهم هنا أن يسود العدل، ويتم الالتزام بالمساواة بين الناس ولكن ضمن الشروط والقياسات التي تبقي على العدل في المقدمة دائما.

اضف تعليق