الاتفاق نجح حتى الآن في منع الأسوأ، لكنه لم يصنع الأفضل. منع انهيار الملاحة وارتفاعاً أكبر في أسعار الطاقة، لكنه لم يقدم بعد نظاماً أمنياً جديداً. أوقف المواجهة المباشرة، لكنه لم ينهِ الحروب الجانبية. منح ترامب فرصة سياسية، ومنح إيران رواية صمود، ومنح الخليج تنفساً مؤقتاً، لكنه ترك إسرائيل...

يفتح الاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير مرحلة جديدة من الاختبار السياسي والأمني في المنطقة؛ فهو لا يبدو تسوية نهائية بقدر ما يمثل هدنة اضطرارية فرضتها كلفة الحرب، واضطراب أسواق الطاقة، وخطر إغلاق مضيق هرمز. وبين من يراه مخرجاً عملياً يمنع الانزلاق إلى حرب أوسع، ومن يعدّه تنازلاً مؤقتاً يؤجل الانفجار ولا يعالج جذور الصراع، يبقى مستقبل الاتفاق مرهوناً بقدرته على تحويل وقف النار إلى مسار تفاوضي جاد يعالج الملفات العالقة: النووي، العقوبات، أمن الملاحة، ودور إيران الإقليمي.

مقدمة

لم يكن الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني الأخير، كما ظهر في معظم القراءات الصحفية والتحليلية، اتفاق سلام كاملاً بقدر ما كان محاولة عاجلة لإيقاف نزيف حرب إقليمية مفتوحة، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم: مضيق هرمز. فالوثيقة التي وُصفت بأنها مذكرة تفاهم لا تبدو، في صيغتها الأولية، تسوية نهائية لكل ملفات الصراع بين واشنطن وطهران، بل إطاراً انتقالياً يهدف إلى تثبيت وقف النار، إعادة فتح الممرات البحرية، تخفيف الضغط على أسواق الطاقة، وفتح باب تفاوض جديد حول الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، العقوبات، الأصول المجمدة، دور إيران الإقليمي، مستقبل حزب الله في لبنان، وحدود العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية بعد الحرب.

تكمن أهمية هذا الاتفاق في أنه جاء بعد حرب مكلفة سياسياً واقتصادياً وإنسانياً. فقد تحولت الحرب من مواجهة عسكرية محدودة الأهداف إلى أزمة إقليمية شاملة، امتدت آثارها إلى لبنان والخليج وأسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية. ومع إغلاق أو تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، لم يعد الصراع مسألة أمريكية ـ إيرانية فقط، بل أصبح تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي، وخصوصاً للدول المستوردة للطاقة، والدول الخليجية التي تعتمد على حرية الملاحة، والعراق الذي تشكل عائدات النفط المصدر الرئيس لماليته العامة. ومن هنا، فإن الاتفاق لم يولد من فائض ثقة بين واشنطن وطهران، بل من ضغط الضرورة: الولايات المتحدة تريد وقف حرب باتت مكلفة داخلياً وخارجياً، وإيران تريد تحويل قدرتها على التعطيل إلى مكسب تفاوضي، والدول الإقليمية تريد خفض مستوى الخطر الذي بات يهدد أمنها الاقتصادي والداخلي.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمجرد توقيع المذكرة، بل بما بعدها: هل يملك هذا الاتفاق شروط النجاح؟ هل هو بداية لتسوية دائمة، أم مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار؟ هل حقق ترامب أهداف الحرب، أم أنه اضطر إلى القبول بتسوية تقل كثيراً عن السقف الذي رفعه عند اندلاعها؟ هل خرجت إيران أضعف بعد الضربات العسكرية، أم أقوى سياسياً بعدما أثبتت قدرتها على استخدام مضيق هرمز والفوضى الاقتصادية كورقة ضغط؟ ومن هم الراضون عن الاتفاق ومن هم منتقدوه؟

هذه الأسئلة تجعل الاتفاق حدثاً مركباً، لا يمكن اختزاله في ثنائية الانتصار والهزيمة. ففي واشنطن، يدافع ترامب عنه باعتباره إنجازاً أعاد فتح الممرات البحرية وخفّض أسعار النفط وأوقف الحرب. وفي طهران، يُقدَّم الاتفاق بوصفه اعترافاً أمريكياً بوزن إيران وقدرتها على فرض شروطها. وفي إسرائيل، ينظر كثيرون إليه بقلق لأنه لا يحسم ملف الصواريخ ولا وكلاء إيران ولا مستقبل نفوذها في لبنان. أما دول الخليج فتستقبله بارتياح حذر؛ فهي تريد إنهاء الحرب، لكنها تخشى أن يكون الثمن تكريس نفوذ إيراني جديد على أمن الممرات البحرية. وبين هذه المواقف كلها، تقف الأسواق العالمية باعتبارها أول المستفيدين من التهدئة، لكنها في الوقت نفسه أكثر الأطراف حساسية لأي انتكاسة محتملة.

ماذا يتضمن الاتفاق؟

بحسب ما أوردته التقارير، يقوم الاتفاق على جملة عناصر أولية يمكن تلخيصها في أربعة مستويات مترابطة: وقف الحرب، إعادة فتح مضيق هرمز، بدء مفاوضات حول الملف النووي والعقوبات، والبحث في ترتيبات إقليمية تتصل بلبنان والخليج وإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني.

المستوى الأول هو وقف الحرب أو تمديد وقف إطلاق النار. فالمذكرة لا تنهي الصراع من جذوره، لكنها تمدد التهدئة لفترة تفاوضية محددة بستين يوماً قابلة للتمديد. هذه المدة تمثل اختباراً أولياً لإرادة الطرفين: هل يستطيعان الانتقال من وقف النار إلى تفاوض جاد، أم سيبقى الاتفاق مجرد مساحة زمنية لإعادة التموضع؟ من الناحية العملية، يمنح هذا التمديد فرصة لخفض التصعيد، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام العودة إلى المواجهة إذا فشل الطرفان في الاتفاق على القضايا الجوهرية.

المستوى الثاني هو مضيق هرمز. وهذا هو البند الأكثر إلحاحاً من الناحية الاقتصادية. فقد تعهدت إيران بإعادة فتح المضيق واستئناف حركة الملاحة، بينما تلتزم الولايات المتحدة برفع الحصار البحري عن الموانئ والسفن الإيرانية. أهمية هذا البند تتجاوز البعد البحري، لأنه كان نقطة التحول التي فرضت على الطرفين البحث عن مخرج. لقد أظهرت إيران، خلال الحرب، أن لديها قدرة على تعطيل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وأن هذه القدرة تمنحها نفوذاً تفاوضياً يتجاوز قوتها العسكرية التقليدية. وفي المقابل، تدرك واشنطن أن استمرار اضطراب الملاحة يعني ارتفاع أسعار النفط، زيادة التضخم، ضغطاً على الناخب الأمريكي، وتعقيداً إضافياً في الاقتصاد العالمي.

المستوى الثالث يتعلق بالملف النووي. هنا تكمن العقدة الكبرى. الاتفاق لا يحسم مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل يؤجل التفاصيل إلى مفاوضات لاحقة. ويشمل ذلك مصير مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، آليات خفض التخصيب أو مزجه إلى مستويات أقل، دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، نطاق التفتيش، وهل يكون التخصيب داخل إيران مسموحاً ضمن حدود مدنية أم ممنوعاً كلياً كما تريد إسرائيل وبعض المتشددين في واشنطن. وهذا التأجيل هو في الوقت نفسه نقطة قوة ونقطة ضعف؛ فهو يسمح بتوقيع تفاهم سريع، لكنه يترك أخطر ملف بلا حل نهائي.

المستوى الرابع يتعلق بالعقوبات والأصول وإعادة الإعمار. تفيد التقارير بأن الاتفاق يتضمن إعفاءات أو ترتيبات لتصدير النفط الإيراني والخدمات المرتبطة به، إضافة إلى بحث رفع العقوبات أو تخفيفها إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي. كما ورد الحديث عن صندوق أو خطة بقيمة كبيرة لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني، مع تأكيد أمريكي أن واشنطن لن تتحمل تمويلاً مباشراً. هذا البند يمنح إيران حافزاً اقتصادياً واضحاً للالتزام، لكنه يثير انتقادات واسعة في الداخل الأمريكي وإسرائيل، لأن معارضي الاتفاق يرون أن أي تخفيف مالي قد يمنح طهران موارد إضافية تستخدمها لتعزيز نفوذها أو دعم حلفائها الإقليميين.

لماذا جاء الاتفاق الآن؟

جاء الاتفاق نتيجة تداخل ثلاثة ضغوط رئيسة: ضغط الحرب، ضغط الاقتصاد، وضغط السياسة الداخلية.

أولاً، ضغط الحرب. فالعملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية بدأت بسقف عالٍ من الأهداف، شمل إضعاف البرنامج النووي، تقويض القدرات الصاروخية، تحجيم شبكة الحلفاء الإقليميين، وربما المراهنة على اهتزاز النظام الإيراني من الداخل. لكن الحرب أثبتت أن القوة العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لإنتاج نتيجة سياسية مستقرة. فقد تعرضت إيران لضربات مؤلمة، لكنها لم تنهَر. والأهم أنها استطاعت توسيع نطاق الصراع عبر الأدوات غير المتماثلة: الصواريخ، الطائرات المسيّرة، الضغط على الخليج، وتعطيل الملاحة في هرمز. بهذا المعنى، تحول النزاع من حرب لتقييد إيران إلى حرب اضطرت واشنطن في نهايتها إلى التفاوض معها.

ثانياً، ضغط الاقتصاد. تعطيل مضيق هرمز، حتى جزئياً، لم يكن مشكلة إقليمية فقط، بل أزمة عالمية. أسعار النفط ارتفعت، الأسواق اضطربت، التضخم عاد إلى صدارة المخاوف، والدول المستوردة للطاقة بدأت تبحث عن بدائل ومسارات جديدة. وحتى بعد توقيع المذكرة، ظل الشعور العام في الأسواق أن التهدئة مريحة لكنها هشة. فالأسعار قد تنخفض مع أول خبر عن مرور ناقلات النفط، لكنها قد تقفز مجدداً إذا عاد التوتر أو استمرت الضربات في لبنان أو فشلت المفاوضات النووية.

ثالثاً، ضغط السياسة الداخلية الأمريكية. فالحرب لم تكن سهلة التسويق داخل الولايات المتحدة، خصوصاً إذا لم تحقق نتائج واضحة. ترامب، الذي قدّم نفسه مراراً بوصفه قادراً على إبرام “صفقات” تنهي الحروب، وجد نفسه أمام حرب مكلفة وأسواق قلقة وناخبين متأثرين بأسعار الوقود. لذلك جاء الاتفاق مخرجاً سياسياً يسمح له بالقول إنه أوقف الحرب وفتح هرمز وخفّض أسعار النفط. لكن هذه الرواية تواجه اعتراضاً من خصومه ومن بعض الجمهوريين، الذين يرون أن الاتفاق لم يحقق الأهداف الأصلية للحرب، وأنه منح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية قبل الحصول على تنازلات نووية وأمنية كافية.

التداعيات المباشرة للاتفاق

أول تداعيات الاتفاق ظهرت في سوق النفط. فقد أدى الإعلان عن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الناقلات إلى تراجع الأسعار، وهو ما استخدمه ترامب في الدفاع عن الاتفاق. هذا الانخفاض لا يعني أن أزمة الطاقة انتهت، لكنه يعكس حساسية الأسواق لأي مؤشر على عودة الملاحة. فإذا استمر مرور السفن وتراجعت المخاطر الأمنية، يمكن أن تنخفض علاوة الخطر الجيوسياسي في أسعار النفط. أما إذا تعرض الاتفاق لخرق أو استمرت الهجمات في لبنان أو الخليج، فستعود الأسواق سريعاً إلى التسعير على أساس الخطر.

ثاني التداعيات يتعلق بإيران نفسها. فمن الناحية العسكرية، تعرضت إيران لضربات كبيرة. لكن من الناحية السياسية، استطاعت أن تظهر بمظهر الطرف الذي لم يُجبر على الاستسلام. فهي لم تتخلَّ فوراً عن برنامجها النووي، ولم توافق على إخراج كل اليورانيوم من أراضيها بحسب الرواية الإيرانية، ولم تقبل بإدراج برنامجها الصاروخي ضمن المفاوضات المقبلة. كما أنها نجحت في ربط ملفات إقليمية، مثل لبنان وحرية الملاحة، بمفاوضاتها مع واشنطن. وهذا يمنحها سردية داخلية مفادها أنها صمدت، وحولت الضغط العسكري إلى تفاوض.

ثالث التداعيات يخص الولايات المتحدة. الاتفاق يمنح واشنطن مخرجاً من حرب مكلفة، لكنه يضعها أمام اختبار صعب: كيف تحول وقف النار إلى صفقة قابلة للتحقق؟ فكل ما لم يُحسم في المذكرة سيعود إلى طاولة المفاوضات بثقل أكبر: اليورانيوم، التفتيش، العقوبات، الصواريخ، الحلفاء الإقليميون، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وإذا فشلت واشنطن في إدارة هذه الملفات، فقد تبدو كمن خرج من الحرب بلا مكاسب استراتيجية واضحة.

رابع التداعيات يتعلق بإسرائيل. هنا يبدو الاتفاق مصدر قلق كبير. فإسرائيل، التي كانت تريد إنهاء قدرات إيران النووية والصاروخية وتقويض نفوذها في لبنان، تجد نفسها أمام مذكرة لا تحسم هذه القضايا. كما أن شمول لبنان أو الإشارة إليه في إطار التفاهم الأمريكي ـ الإيراني يثير حساسية إسرائيلية، لأن تل أبيب لا تريد تقييد حرية عملها ضد حزب الله. لذلك يمكن القول إن الاتفاق فتح فجوة بين واشنطن وتل أبيب، أو على الأقل أبرز تبايناً في الأولويات: ترامب يريد إنهاء الحرب بسرعة وتحويلها إلى صفقة، بينما تريد إسرائيل ضمانات أمنية أعمق وأطول مدى.

خامس التداعيات يخص لبنان. فالملف اللبناني قد يكون الحلقة الأضعف في الاتفاق. فالمذكرة تتحدث عن وقف الحرب في الجبهات كافة، لكن الواقع الميداني يشير إلى استمرار الضربات والتوتر. وإذا بقيت إسرائيل في مناطق جنوب لبنان، وإذا ظل حزب الله متمسكاً بسلاحه، وإذا بقيت الحكومة اللبنانية عاجزة عن فرض ترتيبات أمنية مستقرة، فقد يتحول لبنان إلى الساحة التي تفجر الاتفاق من داخله. فالاتفاق الأمريكي ـ الإيراني قد ينجح في وقف التصعيد المباشر بين واشنطن وطهران، لكنه قد يفشل إذا استمرت الحرب بالوكالة أو بطرق غير مباشرة.

سادس التداعيات يتعلق بدول الخليج. هذه الدول، وخصوصاً قطر وعُمان، تنظر إلى الاتفاق من زاوية مختلفة. فهي لا تريد حرباً مفتوحة على ضفافها، ولا تريد إغلاق هرمز، ولا تريد أن تتحول أراضيها وبناها التحتية إلى أهداف في حرب بين واشنطن وطهران. لذلك ترحب بالتهدئة، لكنها لا تشعر بالاطمئنان الكامل. فالخليج يخشى أن تكون واشنطن قد قبلت عملياً بتوسيع دور إيران في إدارة أمن المضيق، أو بترتيبات رسوم ومرور تمنح طهران نفوذاً اقتصادياً وسياسياً على الملاحة.

أما العراق، فيبدو من أكثر الدول تأثراً بأي إغلاق أو فتح للمضيق. فاعتماده الكبير على عائدات النفط يجعل استقرار التصدير مسألة مالية داخلية لا مجرد ملف خارجي. لذلك فإن إعادة فتح هرمز تمثل للعراق متنفساً اقتصادياً، لكنها لا تعالج مشكلة أعمق: وقوع العراق بين ضغطين، شراكة أمنية واقتصادية مع الولايات المتحدة من جهة، ونفوذ إيراني سياسي وفصائلي من جهة أخرى. وإذا خرجت إيران من الاتفاق بنفوذ أقوى، فقد ينعكس ذلك على موازين القوى داخل العراق.

نقاط قوة الاتفاق

أول نقطة قوة في الاتفاق أنه أوقف الانزلاق نحو حرب إقليمية أوسع. هذه ليست نتيجة صغيرة. ففي لحظة كانت فيها الجبهات مفتوحة، والأسواق مضطربة، والدول الخليجية مهددة، جاءت المذكرة لتضع سقفاً مؤقتاً للعنف. حتى لو لم تكن تسوية نهائية، فإن وقف النار يمكن أن ينقذ أرواحاً، يخفض التوتر، ويمنح الدبلوماسية فرصة.

النقطة الثانية أنه أعاد مضيق هرمز إلى مركز الحل لا مركز الأزمة. فبدلاً من أن يبقى المضيق أداة ضغط وتعطيل، تحوّل فتحه إلى اختبار عملي للالتزام. فإذا استطاعت إيران ضمان المرور الآمن، وإذا رفعت الولايات المتحدة الحصار البحري، فسيكون ذلك مؤشراً على إمكانية بناء الثقة تدريجياً.

النقطة الثالثة أنه وضع إطاراً زمنياً للمفاوضات. فترة الستين يوماً قد تبدو قصيرة، لكنها تمنع المماطلة المفتوحة. فهي تضع الطرفين أمام جدول زمني واضح: إما تقدم، أو تمديد متفق عليه، أو انهيار. وجود إطار زمني لا يضمن النجاح، لكنه يجعل العملية قابلة للقياس السياسي والدبلوماسي.

النقطة الرابعة أنه يمنح كل طرف شيئاً يمكن تسويقه داخلياً. ترامب يستطيع القول إنه فتح هرمز وأنهى الحرب وخفض النفط. إيران تستطيع القول إنها لم تستسلم وحصلت على مسار نحو تخفيف العقوبات. دول الخليج تستطيع القول إنها دعمت التهدئة. وهذا التوازن الرمزي مهم في الاتفاقات الانتقالية، لأن أي طرف يشعر بأنه مهزوم بالكامل سيكون أقل استعداداً للالتزام.

النقطة الخامسة أنه يفتح الباب لإدخال أطراف إقليمية ودولية في عملية أوسع. باكستان وقطر لعبتا دوراً مهماً، وقد يكون للصين وأوروبا ودول الخليج دور في ضمانات لاحقة. وإذا تحولت المفاوضات من تفاهم ثنائي ضيق إلى عملية إقليمية أوسع، فقد تتعزز فرص الاستدامة.

نقاط ضعف الاتفاق

أكبر نقطة ضعف هي أن الاتفاق يؤجل القضايا الجوهرية. فكل ما أشعل الحرب تقريباً لم يُحسم بصورة نهائية: الملف النووي، الصواريخ، الوكلاء، حزب الله، العقوبات، مستقبل الوجود الأمريكي، ودور إسرائيل. الاتفاق يوقف النار، لكنه لا يزيل أسبابها.

النقطة الثانية هي غياب الثقة. العلاقة بين واشنطن وطهران محكومة بتاريخ طويل من الانسحاب من الاتفاقات، العقوبات، العمليات العسكرية، الاتهامات المتبادلة، والتفسيرات المتناقضة. وقد أظهرت التصريحات الأولى بعد المذكرة أن كل طرف يقرأ الاتفاق بطريقة مختلفة. الأمريكيون يتحدثون عن التزام إيراني يقود إلى تقييد البرنامج النووي، بينما يؤكد الإيرانيون خطوطهم الحمراء، خصوصاً بشأن الصواريخ وحقهم في التخصيب السلمي.

النقطة الثالثة هي موقع إسرائيل. أي اتفاق لا يحظى بحد أدنى من قبول إسرائيل سيكون معرضاً للاختبار في لبنان وسوريا وربما داخل إيران. وإذا رأت تل أبيب أن الاتفاق يقيّدها من دون أن يقيّد إيران، فقد تتحرك عسكرياً بما يربك المسار كله. هنا تصبح العلاقة بين واشنطن وتل أبيب عاملاً حاسماً: هل تستطيع الإدارة الأمريكية ضبط السلوك الإسرائيلي؟ وهل تقبل إسرائيل بأن تكون مصالح ترامب السياسية والاقتصادية أولوية على حساب رؤيتها الأمنية؟

النقطة الرابعة هي الاقتصاد كحافز وكخطر. تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول قد يدفعان إيران إلى الالتزام، لكنهما قد يثيران مخاوف خصومها من أن الأموال ستستخدم لإعادة بناء القدرات العسكرية أو دعم الحلفاء الإقليميين. لذلك فإن أي حوافز اقتصادية غير مرتبطة بتحقق صارم وشفاف ستتحول إلى مادة انتقاد داخل واشنطن وتل أبيب.

النقطة الخامسة هي مضيق هرمز نفسه. فتح المضيق لمدة محددة لا يعني حل مشكلة أمن الملاحة. فإذا كانت إيران ترى أن لها حقاً في فرض رسوم أو ترتيبات خاصة بعد فترة الهدنة، فإن القضية ستعود بشكل جديد. فالسؤال ليس فقط: هل فُتح المضيق؟ بل من يضمن حريته؟ ومن يدير أمنه؟ وهل تقبل دول الخليج والعالم بأن تصبح حرية المرور مرتبطة بتفاهمات سياسية مع طهران؟

هل سيُكتب له النجاح؟

نجاح الاتفاق يتوقف على خمسة شروط عملية:

الشرط الأول هو تنفيذ سريع ومرئي لبند هرمز. إذا استؤنفت حركة الملاحة بلا حوادث، ومرت ناقلات النفط بأمان، وانخفضت تكاليف التأمين والشحن، فسوف يتعزز الاعتقاد بأن الاتفاق قابل للحياة. أما إذا ظهرت عراقيل أو رسوم خلافية أو تهديدات جديدة، فسيبدأ التآكل مبكراً.

الشرط الثاني هو صياغة جدول تفاوضي واضح للملف النووي. لا يكفي القول إن الموضوع سيُبحث لاحقاً. يجب تحديد ما سيُبحث: مستويات التخصيب، مخزون اليورانيوم، المواقع النووية، التفتيش، آليات التحقق، العقوبات المقابلة، وما إذا كانت إيران ستحتفظ بقدرة تخصيب مدنية. من دون قائمة واضحة، ستتحول المفاوضات إلى ساحة اتهامات متبادلة.

الشرط الثالث هو إدارة ملف لبنان. إذا استمر القتال في جنوب لبنان، أو بقيت إسرائيل خارج أي تفاهم عملي، أو استأنف حزب الله عملياته، فقد يصبح لبنان عامل الانهيار. فالاتفاق يربط نفسه بجبهة لا يملك طرفاه السيطرة الكاملة عليها: واشنطن لا تتحكم بالكامل بإسرائيل، وطهران لا تريد الاعتراف بأنها تتحكم بالكامل بحزب الله.

الشرط الرابع هو ترتيب الحوافز الاقتصادية بطريقة تدريجية. أي رفع سريع وغير مشروط للعقوبات سيقوي معارضي الاتفاق. وأي تأخير كامل للحوافز سيقوي المتشددين في إيران. لذلك يحتاج الاتفاق إلى مبدأ “خطوة مقابل خطوة”: فتح المضيق مقابل تخفيف محدد، تحقق نووي مقابل إعفاءات أوسع، التزام إقليمي مقابل ترتيبات مالية إضافية.

الشرط الخامس هو وجود ضامنين أو مساعدين دوليين. التجربة السابقة مع الاتفاق النووي أظهرت أن الاتفاقات الكبرى لا تعيش على النصوص فقط، بل على البيئة السياسية المحيطة بها. فإذا تُرك الاتفاق لواشنطن وطهران وحدهما، فسيبقى هشاً. أما إذا شاركت أوروبا والصين ودول الخليج والوكالة الدولية للطاقة الذرية في بناء آليات التحقق والضمانات، فقد تزداد فرص بقائه.

هل هو مخرج دائم أم هدنة مؤقتة؟

في صيغته الحالية، يبدو الاتفاق أقرب إلى هدنة منظمة منه إلى تسوية دائمة. هو مخرج من الحرب، لا حل شامل للصراع. لكنه قد يتحول إلى تسوية إذا نجح في إنتاج ثلاث نتائج: اتفاق نووي قابل للتحقق، ترتيب مستقر للملاحة في هرمز، وتهدئة إقليمية تشمل لبنان والخليج.

الهدنة المؤقتة تصبح دائمة عندما تتراكم إجراءات الثقة. فإذا فتحت إيران هرمز، وخفضت التخصيب تحت رقابة الوكالة الدولية، والتزمت واشنطن بتخفيف تدريجي للعقوبات، وتراجعت العمليات في لبنان، فسيبدأ الاتفاق بالتحول من ورقة سياسية إلى مسار مستقر. أما إذا استغل كل طرف الهدنة لإعادة بناء قوته، أو إذا بقيت القضايا الجوهرية معلقة، فستكون الستون يوماً مجرد فاصلة بين جولتين من التصعيد.

الأرجح أن الاتفاق سيعيش مرحلة رمادية: لا سلام كامل ولا حرب شاملة. قد يستمر وقف النار لأنه يخدم الجميع اقتصادياً وسياسياً، لكنه سيبقى هشاً لأن جذور الصراع لم تُحل. وهذا النمط ليس غريباً على الشرق الأوسط، حيث كثير من الاتفاقات تبدأ كترتيبات وقف نار، ثم تتحول إما إلى عملية سياسية طويلة أو إلى جمود قابل للانفجار.

من هم الراضون عنه؟

الراضي الأول هو ترامب وإدارته، على الأقل في الخطاب الرسمي. فالاتفاق يمنحه مادة سياسية قوية: وقف الحرب، فتح المضيق، انخفاض النفط، وبدء مفاوضات جديدة. بالنسبة له، هذه عناصر يمكن تقديمها للرأي العام كنجاح عملي، حتى لو بقيت التفاصيل مؤجلة.

الراضي الثاني هو إيران الرسمية، ولكن من زاوية مختلفة. فهي تقدم الاتفاق كدليل على أن واشنطن لم تستطع فرض الاستسلام، وأن طهران حافظت على خطوطها الحمراء، وفتحت باب رفع العقوبات من دون التخلي الفوري عن أدوات قوتها. كما أن قبول الولايات المتحدة بمفاوضات جديدة بعد الحرب يمنح النظام الإيراني شرعية تفاوضية يحتاجها داخلياً وخارجياً.

الراضي الثالث هو دول الخليج، مع تحفظات. هذه الدول تريد نهاية الحرب وفتح المضيق وخفض خطر الصواريخ والمسيّرات. لكنها لا تريد أن يتحول الاتفاق إلى اعتراف عملي بسيطرة إيران على أمن هرمز أو إلى تراجع أمريكي يتركها وحدها أمام توازنات جديدة.

الراضي الرابع هو الأسواق العالمية، خصوصاً أسواق الطاقة والنقل. فكلما تراجع احتمال الحرب، تراجعت كلفة المخاطر. لكن رضا الأسواق مؤقت ومشروط؛ فهي لا تؤمن بالتصريحات بقدر ما تراقب حركة السفن، أسعار التأمين، ومؤشرات الالتزام.

الراضي الخامس هو الوسطاء، خصوصاً باكستان وقطر. فالاتفاق يمنحهما دوراً دبلوماسياً بارزاً ويعزز صورة الوساطة غير التقليدية في إدارة أزمات كبرى. بالنسبة لباكستان، يمثل النجاح في الوساطة مكسباً استراتيجياً يفوق الملف الإيراني نفسه، لأنه يعيد تقديمها كفاعل دبلوماسي مؤثر.

من هم المنتقدون؟

أول المنتقدين هم المتشددون في الولايات المتحدة، بمن فيهم بعض الجمهوريين القريبين تقليدياً من نهج الضغط الأقصى. هؤلاء يرون أن الاتفاق قدم لإيران تنازلات مالية وسياسية قبل أن ينتزع منها تنازلات حاسمة. ويخشون أن يكون ترامب قد انتقل من خطاب إسقاط النظام أو تفكيك البرنامج النووي إلى القبول بصفقة تؤجل كل شيء.

ثاني المنتقدين هم مؤيدو الحرب الذين يرون أن العملية العسكرية لم تحقق أهدافها. فبالنسبة لهم، إذا كانت الحرب بدأت لمنع إيران من امتلاك قدرة نووية وإنهاء تهديدها الصاروخي والإقليمي، فإن الاتفاق لا يقدم ضمانات كافية. بل قد يبدو كعودة إلى وضع ما قبل الحرب مع خسائر بشرية واقتصادية كبيرة.

ثالث المنتقدين هم بعض معارضي الحرب أنفسهم، ولكن من زاوية مختلفة. هؤلاء لا يعترضون لأن الاتفاق ليّن مع إيران، بل لأنه جاء بعد حرب كان يمكن تجنبها. فهم يرون أن واشنطن دخلت حرباً مكلفة ثم انتهت إلى تفاهم كان بالإمكان البحث عنه دبلوماسياً قبل الدمار وتعطيل الأسواق.

رابع المنتقدين إسرائيل. فالمخاوف الإسرائيلية مركبة: الاتفاق لا يلغي التخصيب، لا يعالج الصواريخ، لا ينهي دعم الحلفاء، وقد يقيّد حرية إسرائيل في لبنان. لذلك ترى قطاعات إسرائيلية أن إيران خرجت من الحرب أكثر شرعية، وأن واشنطن باتت حريصة على حماية الصفقة أكثر من حرصها على منح إسرائيل حرية الحركة الكاملة.

خامس المنتقدين قوى لبنانية تخشى أن يتحول لبنان إلى ورقة تفاوض بين واشنطن وطهران. فشمول لبنان في مذكرة تفاهم لا يشارك لبنان نفسه في صياغتها يثير سؤال السيادة. كما أن بقاء السلاح خارج الدولة وبقاء الاحتلال أو العمليات الإسرائيلية يعني أن الاتفاق لم يحل المشكلة اللبنانية، بل أدارها من الخارج.

الخلاصة

الاتفاق الأمريكي-الإيراني ليس نصراً صافياً لطرف ولا هزيمة كاملة لطرف آخر. إنه نتيجة تسوية تحت الضغط. واشنطن احتاجت إلى وقف حرب بدأت تتحول إلى عبء، وطهران احتاجت إلى ترجمة قدرتها على الصمود والتعطيل إلى مكاسب تفاوضية، والدول الإقليمية احتاجت إلى حماية اقتصادها وأمنها من الانفجار. لذلك جاء الاتفاق حاملاً طابع الضرورة أكثر من طابع الثقة.

قوته أنه يوقف النار ويفتح هرمز ويعيد الدبلوماسية إلى الواجهة. وضعفه أنه لا يحسم أسباب الحرب. نجاحه يتوقف على ما سيحدث بعد التوقيع، لا على التوقيع نفسه. فإذا تحولت الستون يوماً إلى مفاوضات دقيقة، وترافقت مع خطوات تحقق واضحة، فقد يكون الاتفاق بداية مسار طويل نحو تسوية. أما إذا بقيت التفسيرات متناقضة، واستمرت الضربات في لبنان، وتعثر الملف النووي، وتحوّلت العقوبات إلى مادة ابتزاز متبادل، فسيكون الاتفاق هدنة مؤقتة لا أكثر.

في النهاية، يمكن القول إن الاتفاق نجح حتى الآن في منع الأسوأ، لكنه لم يصنع الأفضل. منع انهيار الملاحة وارتفاعاً أكبر في أسعار الطاقة، لكنه لم يقدم بعد نظاماً أمنياً جديداً. أوقف المواجهة المباشرة، لكنه لم ينهِ الحروب الجانبية. منح ترامب فرصة سياسية، ومنح إيران رواية صمود، ومنح الخليج تنفساً مؤقتاً، لكنه ترك إسرائيل قلقة ولبنان معلقاً والأسواق مترقبة.

فهل يملك أطراف الاتفاق الشجاعة السياسية والقدرة المؤسسية لتحويله من هدنة اضطرارية إلى تسوية قابلة للحياة؟ حتى الآن، الجواب مفتوح. المؤكد فقط أن ما بعد الاتفاق سيكون أصعب من لحظة توقيعه، لأن وقف الحرب يحتاج قراراً، أما صناعة السلام فتحتاج هندسة دقيقة للمصالح والمخاوف والضمانات.

اضف تعليق