يقدم المقال قراءة نقدية ووجدانية للانتهاكات والاعتداءات المتزايدة على البيئة والمساحات الخضراء في العراق، من خلال تسليط الضوء على تجريف بساتين النخيل واقتلاع الأشجار المعمرة واحتطاب الغابات بداعي تجزئة الأراضي والتمدد العمراني الجشع. ويسلط الضوء على البعد المادي والنفسي والذاكراتي للشجرة بكونها ليست مجرد خشب، بل رئة حية ووثيقة تاريخية...

هالني خبران جاءاني في وقت واحد، كأنهما صدرا من جهتين مختلفتين ليقولا الشيء نفسه: إن الطبيعة في بلادنا تُقتل ببطء، وإننا، في غمرة هذا العبث، لا نرى في موتها إلا حفنةً من الدنانير.

في وسط البلاد، رأيت صورة مؤلمة لرجل يقطع شجرة أوكالبتوس عتيقة، عاشت قرابة مئة عام، بجهاز كهربائي ينهش جذعها بلا رحمة. وبالقرب منه، كان مزارع بزيّه الريفي يشارك في اقتلاعها، وكأنهما لا يقطعان شجرة، بل يقتلعان صفحةً من ذاكرة الأرض.

وفي كردستان، كان المشهد أكثر وجعًا: شجرة بلوط شامخة في الجبال، تجاوز عمرها مئتي عام، تُحرق أمام أعيننا. مئتا عام من المطر والشمس والريح؛ من الطيور التي احتمت بأغصانها، ومن الجذور التي تشبثت بالصخر، ومن الفصول التي تعاقبت عليها وهي صامتة، تمنح الأرض ظلها وخضرتها… ثم تنتهي في لحظات داخل نار لا تعرف معنى العمر.

أيُّ مرضٍ هذا الذي أصاب علاقتنا بالطبيعة؟ بتنا نعتدي عليها من أجل حفنة من الدنانير، ونقتلع جذورها كما لو أن الأرض لا ذاكرة لها. بساتين النخيل التي صمدت أمام الحروب تُقتلع، والأشجار التي احتملت الجفاف والغبار تُجرف، والغابات تُحرق، ثم نفرح ببضعة أمتار من الأرض الجرداء، ونبني فوقها مساكن وأحياء جديدة.

لكن، هل يستطيع الإسمنت أن يمنحنا السعادة إذا شُيّد فوق قبور الأشجار؟ كيف ستتنفس مدينة خنقت رئتيها بيديها؟ وكيف سيكبر طفل في أرض لا يعرف فيها ظل شجرة؟ وأي مستقبل نتركه لمن سيأتي بعدنا، إذا بعنا الهواء من أجل الفحم، وبعنا الظل من أجل متر من التراب؟ الشجرة ليست خشبًا.

الشجرة ذاكرةٌ واقفة، ورئةٌ خضراء، وبيتٌ لطائر، وظلٌّ لعابر، ومستودعٌ للماء، وحارسٌ صامتٌ للتربة، وشاهدٌ على زمن قد لا يعود. وحين نقطع شجرة عمرها مئة عام، لا نحتاج إلا إلى دقائق كي نسقطها، لكننا قد نحتاج إلى قرن كامل كي نستعيد شيئًا مما قتلناه.

ولأنني عرفت معنى الشجرة، لا بوصفها نباتًا فحسب، بل بوصفها جزءًا من المكان والذاكرة، فإن صورة اقتلاعها اليوم تعيدني، كلما رأيتها، إلى يوم بعيد ما زال حيًا في داخلي. عدتُ إلى بغداد ذات يوم، قادمًا من بريطانيا بعد حصولي على شهادة الدكتوراه. كانت فرحة العودة تختلط في داخلي بشوق طويل إلى المدينة، إلى البيت، وإلى تفاصيل المكان التي غابت عني سنوات.

دخلتُ بيتي الحالي، وهو بيت عمي أبي زوجتي، وكانت مساحته نحو ستمئة متر مربع. وما إن دخلتُ شارعنا، برفقة أبنائي وأمهم، حتى خُيّل إليّ أنني لم أدخل شارعًا من شوارع بغداد، بل دخلتُ بستانًا من النخيل، أو غابةً غنّاء تتنفس من حولنا.

كانت الأشجار في كل مكان، وكانت الخضرة جزءًا أصيلًا من المشهد، لا زينةً عابرة فيه. كان المكان حيًا إلى درجة أنني شعرت، بعد سنوات الغربة، أن بغداد تستقبلني بأشجارها قبل أن تستقبلني ببيوتها. وكان ابني محمود يومها في الخامسة من عمره.

كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها نخلة عن قرب. وكانت نخلةٌ قائمة في الدار الملاصقة لبوابة داري الحالية. وما إن وقعت عيناه عليها حتى صاح، بعفوية طفل لم يعرف بعد كيف يخفي دهشته: “What a nice tree!” يا لها من جملة صغيرة، لكنها بقيت كبيرة في ذاكرتي.

ربما كان محمود يرى نخلةً جميلة فحسب، أما أنا فأرى اليوم في تلك العبارة صورةً كاملة لزمن كان فيه الشجر جزءًا طبيعيًا من حياتنا، زمن كان الطفل يستطيع فيه أن يدهش أمام نخلة، وأن يرى في شجرة واحدة شيئًا يستحق أن يقول عنه: ما أجمل هذه الشجرة!

واليوم، بعد عقود، أقف أمام المكان نفسه تقريبًا، فأجد أن معظم أشجار النخيل قد اقتُلعت، وأن المساكن تقلصت مساحاتها، وتفتتت الأراضي إلى قطع صغيرة، وتبدلت ملامح الشارع تبدلًا جائرًا. لم نخسر النخيل وحده. لقد خسرنا شيئًا من صورة المكان، وشيئًا من ذاكرة البيت، وشيئًا من طفولة أبنائنا، وشيئًا من ذلك المشهد الذي استقبلنا يوم عودتنا إلى بغداد. ولهذا فإن قطع الشجرة ليس دائمًا مجرد قطع لشجرة.

أحيانًا نقطع معها ظلًا قديمًا، وذكرى، وملجأ لطائر، ونقطةً في خريطة طفولة، وربما نقطع جزءًا من علاقتنا بالمكان دون أن نشعر. ذات يوم، كنت أتأمل صور غابات كندا، وأوراق شجرة الـMaple وهي تتدرج بألوانها بين الأخضر والأصفر والأحمر. لم أكن أتأمل جمال الأشجار وحده، بل كنت أفكر في سر العلاقة بين الإنسان والأرض هناك ،كيف تُترك للشجرة فرصة أن تعيش عمرها، وكيف يمكن لورقة صغيرة أن تحمل كل ذلك الجمال، بينما نعجز نحن عن حماية شجرة حملت قرنًا كاملًا من الحياة.

تأملت الورقة طويلًا، وشعرت كأنها تقول لي: أنا لا أطلب منك شيئًا… فقط لا تقتل الشجرة التي تمنحك الحياة. يا بلاد النخيل والصفصاف والبلوط والأوكالبتوس، لا تحوّلوا خضرتكم إلى فحم، ولا تجعلوا من جذوع أشجاركم شواهد قبور. فالأرض التي نجرّدها اليوم من أشجارها ستنظر إلينا غدًا بلا ظل، وبلا هواء، وربما بلا ذاكرة. وربما، حينها، سنكتشف متأخرين (أن أكثر ما أحرقناه لم يكن الحطب…بل كان مستقبلنا). حسبنا الله ونعم الوكيل.

اضف تعليق