الغاز الذي يُحرق في المشاعل النفطية ليس مجرد فائض بلا قيمة، وإنما مورد يمكن استخدامه في توليد الكهرباء، أو إنتاج غاز الطبخ، أو تعزيز أمن الطاقة، أو توفير فرص عمل. ومع ذلك، لا تزال ملايين الأمتار المكعبة تُحرق يوميًا في الهواء، بينما تعاني مجتمعات واسعة من انقطاع الكهرباء...

في لحظة يشهد فيها العالم ضغوطًا متزايدة على أمن الطاقة، وارتفاعًا في كلفة الكهرباء والغاز، وتحديات مناخية تتسع عامًا بعد آخر، يكشف تقرير البنك الدولي لتتبع حرق الغاز لعام 2026 عن مفارقة قاسية: العالم لا يعاني فقط من نقص الطاقة أو صعوبة الوصول إليها، بل يهدر في الوقت نفسه كميات هائلة من الغاز الطبيعي عبر الحرق في مواقع إنتاج النفط والغاز. وهذه المفارقة لا تقف عند حدود الخسارة الاقتصادية، بل تمتد إلى الأمن الطاقي، وفرص التنمية، والتوظيف، والصحة العامة، والانبعاثات المناخية، ولا سيما في البلدان النامية التي تحتاج إلى كل مصدر طاقة متاح لتقليل العجز وتحسين حياة السكان.

ويُظهر التقرير أن حرق الغاز العالمي بلغ في عام 2025 نحو 167 مليار متر مكعب، وهو أعلى مستوى منذ عام 2019، كما يمثل السنة الثالثة على التوالي التي يسجل فيها الحرق ارتفاعًا. وتكمن خطورة هذا الرقم في أنه لا يعكس زيادة عابرة، بل يؤشر إلى اتجاه متصاعد بدأ منذ عام 2023، بعد مرحلة كان يُعتقد فيها أن العلاقة بين نمو إنتاج النفط وارتفاع حرق الغاز بدأت تنفصل تدريجيًا. غير أن البيانات الجديدة تشير إلى أن هذا الانفصال التاريخي بدأ يتراجع، وأن زيادة الإنتاج النفطي في عدد من الدول عادت لتترجم بصورة مباشرة إلى زيادة في حرق الغاز المصاحب.

ولا يتعامل التقرير مع حرق الغاز باعتباره قضية فنية خاصة بقطاع النفط فقط، بل يقدمه بوصفه قضية اقتصادية وتنموية وبيئية متشابكة. فالغاز الذي يُحرق في المشاعل النفطية ليس مجرد فائض بلا قيمة، وإنما مورد يمكن استخدامه في توليد الكهرباء، أو إنتاج غاز الطبخ، أو تعزيز أمن الطاقة، أو توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. ومع ذلك، لا تزال ملايين الأمتار المكعبة تُحرق يوميًا في الهواء، بينما تعاني مجتمعات واسعة من انقطاع الكهرباء، وضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة على تشغيل المصانع والمشاريع الصغيرة.

ما المقصود بحرق الغاز ولماذا يمثل مشكلة عالمية؟

حرق الغاز، أو ما يعرف بالـGas Flaring، هو عملية إحراق الغاز المصاحب لاستخراج النفط، بدلًا من جمعه ومعالجته واستخدامه أو بيعه. ففي كثير من الحقول النفطية، يخرج النفط مصحوبًا بكميات من الغاز الطبيعي. وإذا لم تتوفر البنية التحتية اللازمة لجمع هذا الغاز، أو لم تكن هناك سوق قادرة على استيعابه، أو لم تفرض القوانين على الشركات استثماره، يجري حرقه في مشاعل ضخمة قرب مواقع الإنتاج.

ويبدو الحرق في ظاهره حلًا سريعًا لمشكلة تشغيلية، لكنه في الحقيقة يمثل هدرًا اقتصاديًا وبيئيًا كبيرًا. فمن جهة، يبدد الغاز الذي كان يمكن أن يتحول إلى كهرباء أو وقود منزلي أو مادة أولية للصناعة. ومن جهة ثانية، ينتج عن الحرق انبعاثات من ثاني أكسيد الكربون والميثان غير المحترق وملوثات الهواء المحلية. ومن جهة ثالثة، يعكس الحرق ضعفًا في التخطيط الطاقي، إذ يعني أن الدولة أو الشركة تستخرج النفط من دون أن تبني في الوقت نفسه القدرة على إدارة الغاز المصاحب.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن كثيرًا من الدول التي تحرق كميات كبيرة من الغاز هي في الوقت نفسه دول تواجه عجزًا في الطاقة، أو تستورد الغاز من الخارج، أو تعاني من نقص الكهرباء. وهنا يتحول الحرق من مجرد خلل فني إلى تناقض اقتصادي صارخ: موارد محلية تُهدر، وعملات صعبة تُنفق على الاستيراد، ومواطنون يدفعون كلفة انقطاع الكهرباء أو ارتفاع أسعار الطاقة.

أرقام 2025.. اتجاه عالمي في المسار الخطأ

يقول التقرير إن حجم الغاز المحروق عالميًا ارتفع من 157 مليار متر مكعب عام 2024 إلى 167 مليار متر مكعب عام 2025، أي بزيادة تقارب 10 مليارات متر مكعب وبنسبة 6%. وهذا الارتفاع لا يتناسب مع نمو إنتاج النفط الذي بلغ 3.3% فقط في العام نفسه، ما يعني أن الحرق ارتفع بوتيرة أسرع من الإنتاج النفطي. وهذا مؤشر مهم، لأنه يدل على أن إدارة الغاز المصاحب لم تتحسن بالقدر المطلوب، وأن توسع الإنتاج في بعض المناطق لم يواكبه استثمار كافٍ في جمع الغاز ومعالجته ونقله.

وبالمقارنة مع عام 2012، ارتفع الحرق العالمي بنسبة 16%، أي ما يعادل 23 مليار متر مكعب إضافية من الغاز المحروق. واللافت أن ما يقرب من نصف هذه الزيادة حدث في عام 2025 وحده. كما ارتفعت كثافة الحرق، أي كمية الغاز المحروق لكل برميل نفط منتج، بنحو 2.7% لتصل إلى 5.4 أمتار مكعبة لكل برميل. وهذه الكثافة تعد مؤشرًا أساسيًا لقياس مدى نجاح الدول في الاستفادة من الغاز المصاحب بدلًا من حرقه.

وتكشف الأرقام أن المشكلة ليست منتشرة بالتساوي في العالم، بل شديدة التركّز. فهناك تسع دول فقط مسؤولة عن 83% من إجمالي حرق الغاز عالميًا في عام 2025، رغم أنها تنتج 46% فقط من النفط العالمي. وهذه الدول هي: روسيا، إيران، العراق، فنزويلا، المكسيك، ليبيا، الجزائر، نيجيريا، والولايات المتحدة. أما بقية الدول التي يتجاوز عددها تسعين دولة، فتنتج 54% من النفط العالمي، لكنها لا تمثل إلا 17% من حجم الحرق. وهذا يعني أن إنتاج النفط بمستويات منخفضة من الحرق ليس أمرًا مستحيلًا، وأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يعود إلى السياسات والبنية التحتية والتنظيم، لا إلى طبيعة الإنتاج النفطي وحدها.

تسع دول تتحكم بمسار الأزمة

تتمثل إحدى أهم رسائل التقرير في أن معالجة المشكلة عالميًا لا تتطلب العمل على مئات الجبهات في الوقت نفسه، بقدر ما تتطلب إجراءات مركزة في عدد محدود من الدول ذات التأثير الأكبر. فالدول التسع الأولى في حرق الغاز تهيمن على أغلب الكميات المحروقة. وهذا التركيز يجعل الأزمة خطيرة من جهة، لكنه يفتح بابًا عمليًا للحل من جهة أخرى؛ إذ إن تحرك عدد محدود من الحكومات والشركات الوطنية والمشغلين يمكن أن يحقق نتائج كبيرة على مستوى العالم.

تتصدر روسيا قائمة الدول الأعلى حرقًا للغاز، إذ تمثل وحدها نحو 18% من الحرق العالمي، وقد زاد حرق الغاز فيها بنسبة 9% عام 2025 من دون ارتفاع مماثل في إنتاج النفط. ويشير التقرير إلى أن جزءًا مهمًا من الزيادة الروسية جاء من شرق سيبيريا، حيث تتوسع مشاريع نفطية كبرى وتزداد كميات الغاز المصاحب. وفي هذه الحالة، لا يبدو أن الزيادة مرتبطة فقط بارتفاع الإنتاج، بل بضعف القدرة على مواكبة تطوير الحقول ببنية تحتية كافية لاستثمار الغاز.

أما المكسيك فقد سجلت واحدة من أكبر الزيادات، إذ ارتفع الحرق بنحو 2.1 مليار متر مكعب، أي بنسبة 28%. ويعزو التقرير ذلك إلى قيود البنية التحتية ومشكلات الاعتمادية ومحدودية رأس المال، إضافة إلى ضغوط في محطات معالجة الغاز وأعمال صيانة في بعض الحقول البحرية. ويكشف هذا المثال كيف يمكن لأزمة البنية التحتية أن تتحول سريعًا إلى نمو كبير في الحرق، حتى عندما تكون الدولة قادرة نظريًا على استخدام الغاز.

وفي إيران، ارتفع حرق الغاز بنسبة 5%، أي ما يعادل 1.4 مليار متر مكعب. ورغم إعلان طهران عن استثمارات جديدة في استرداد الغاز المصاحب، فإن التقرير يشير إلى أن الجداول الزمنية المستهدفة تبدو قد تأجلت. وهذا يوضح أن الإعلان عن المشاريع لا يكفي ما لم يتحول إلى تنفيذ فعلي، وتمويل مستقر، وربط بين الحقول والأسواق.

في المقابل، يقدم التقرير أمثلة على دول نجحت في خفض الحرق، أبرزها الولايات المتحدة وكازاخستان. فقد سجلت الولايات المتحدة أكبر انخفاض مطلق في حجم الحرق بين الدول عام 2025، بتراجع بلغ 0.4 مليار متر مكعب، أو 7%، كما انخفضت كثافة الحرق بنسبة 10%. ويربط التقرير هذا التحسن بإكمال خط أنابيب Matterhorn Express الذي ساعد على تصريف الغاز المصاحب من حوض البرميان وتخفيف الاختناق في النقل. أما كازاخستان، فقد واصلت مسارًا طويلًا من الانخفاض، إذ خفضت الحرق بنسبة 16% عام 2025، وبنسبة كبيرة منذ عام 2012، نتيجة تطبيق مستمر للمعايير التنظيمية والاستثمار في البنية التحتية.

العراق في قلب المفارقة.. استيراد الغاز وحرقه في الوقت نفسه

يمثل العراق أحد أبرز الأمثلة على المفارقة التي يسلط عليها التقرير الضوء: بلد يستورد الغاز لتشغيل محطاته الكهربائية، لكنه يحرق في الوقت نفسه كميات أكبر بكثير من الغاز المصاحب داخل أراضيه. ففي عام 2024 استورد العراق 9 مليارات متر مكعب من الغاز من إيران، ثم انخفضت الكمية إلى 6 مليارات متر مكعب في عام 2025، وهي كميات أقل من المتعاقد عليه. وقد أدى ذلك إلى نقص في الغاز المخصص لتوليد الكهرباء، وازداد الضغط في عام 2026 مع تراجع إضافي في الواردات من إيران.

لكن المفارقة الأهم أن العراق، رغم هذه الواردات المكلفة والنقص المستمر في الطاقة، حرق في عام 2025 نحو 24 مليار متر مكعب من الغاز، أي أربعة أضعاف ما استورده في ذلك العام. وهذا الرقم يضع العراق في موقع مركزي ضمن أزمة حرق الغاز العالمية، لا بسبب حجم الحرق فقط، بل بسبب تزامن الحرق مع أزمة كهرباء مزمنة وحاجة متزايدة إلى الغاز.

وتشير هذه الحالة إلى أن المشكلة العراقية ليست في غياب المورد، بل في ضعف القدرة على تحويل المورد إلى طاقة منتجة. فالغاز موجود في الحقول النفطية، لكنه يحتاج إلى جمع ومعالجة وضغط ونقل وربط بمحطات الكهرباء أو الأسواق الصناعية. وكل حلقة من هذه الحلقات تحتاج إلى استثمار، وتنظيم، وتعاقدات واضحة، وتنسيق بين الجهات المسؤولة عن النفط والكهرباء والمالية والبيئة.

وبالنسبة للعراق، لا يمكن النظر إلى حرق الغاز بوصفه ملفًا بيئيًا ثانويًا، بل يجب اعتباره ملفًا سياديًا واقتصاديًا وأمنيًا. فكل متر مكعب يُحرق يعني وقودًا مهدورًا كان يمكن أن يقلل الاستيراد، أو يخفف أزمة الكهرباء، أو يوفر موارد مالية، أو يدعم الصناعة المحلية. كما أن استمرار الحرق في بلد يعاني من ضعف تجهيز الكهرباء يفاقم شعور المواطنين بأن إدارة الموارد لا تزال عاجزة عن تحويل الثروة النفطية إلى خدمات مستقرة.

الأمن الطاقي.. الغاز المحروق أكبر من صادرات هرمز من الغاز المسال

يعطي التقرير مقارنة لافتة بين حجم الغاز المحروق عالميًا وبين مؤشرات الطاقة العالمية. فقد بلغت كميات الغاز المحروق في 2025 مستوى قريبًا من إجمالي استهلاك الغاز في أفريقيا، كما تجاوزت كميات الغاز الطبيعي المسال التي مرت عبر مضيق هرمز في العام نفسه. وهذه المقارنة تكشف أن العالم لا يحرق كميات هامشية، بل يحرق موردًا يعادل حجمًا استراتيجيًا من الطاقة.

وفي ظل التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة، يصبح استخدام الغاز المحروق خيارًا عمليًا لتعزيز أمن الطاقة. فالدول التي تعتمد على الاستيراد يمكنها تقليل تعرضها لصدمات الأسواق العالمية إذا نجحت في استثمار الغاز المصاحب المحلي. وهذا ينطبق خصوصًا على دول مثل مصر والهند والعراق، حيث توجد في الوقت نفسه كميات من الغاز المحروق وحاجة إلى تقليل الاستيراد أو دعم منظومة الكهرباء.

الأمن الطاقي لا يعني فقط وجود الوقود، بل يعني أيضًا توفره بأسعار مقبولة وبصورة مستقرة وموثوقة. وعندما تنقطع الكهرباء أو ترتفع تكاليف الطاقة، تتضرر المصانع، وتتراجع فرص العمل، وتنخفض الإنتاجية، ويتأثر التعليم والصحة والخدمات العامة. لذلك، فإن تقليل الحرق ليس مجرد إجراء بيئي، بل أداة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ويؤكد التقرير أن الوصول إلى طاقة موثوقة يمثل شرطًا أساسيًا لخلق الوظائف. فعندما تحصل الشركات على كهرباء مستقرة، تستطيع الاستثمار في المعدات، وزيادة الإنتاج، وتوظيف المزيد من العمال. أما الانقطاعات المتكررة فتدفع الشركات إلى استخدام مولدات مكلفة، أو تقليل الإنتاج، أو تأجيل التوسع. وفي هذا السياق، يصبح الغاز المحروق فرصة ضائعة مزدوجة: فهو يهدر موردًا من جهة، ويحرم الاقتصاد من قدرة كهربائية كان يمكن أن تولد نشاطًا وفرص عمل من جهة أخرى.

الطاقة للجميع.. نصف مليار إنسان في الظلام والغاز يحترق

يربط التقرير بين حرق الغاز وأزمة الوصول إلى الطاقة، ولا سيما في الدول النامية. فهناك مئات الملايين من الناس حول العالم ما زالوا يفتقرون إلى الكهرباء، ونحو ملياري شخص لا يحصلون على حلول طهي نظيفة. وهذا يعني أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأسواق العالمية، بل بحياة يومية لملايين الأسر التي تعاني من الظلام، أو تعتمد على الكتلة الحيوية التقليدية في الطهي، وما يرتبط بذلك من أعباء صحية وبيئية واجتماعية.

يمكن للغاز المصاحب، إذا جُمع وعولج، أن يساعد في سد جزء من هذه الفجوة. فهو يمكن أن يستخدم في توليد الكهرباء، كما يمكن أن ينتج منه غاز البترول المسال المستخدم في الطهي النظيف. ولهذا أهمية خاصة في الدول التي تعاني من ضعف استهلاك الكهرباء للفرد، لكنها تحرق كميات معتبرة من الغاز. ويذكر التقرير أمثلة مثل أنغولا وجمهورية الكونغو، حيث توجد كميات من الغاز المحروق في دول تعاني من ضعف في وصول السكان إلى الكهرباء.

ولا يعني ذلك أن استثمار الغاز المصاحب يحل وحده كل مشكلات الطاقة. فهناك تحديات أخرى تتعلق بإدارة شركات الكهرباء، وأسعار التعرفة، وتكاليف الربط، والقدرة على الدفع، وكفاءة الشبكات. لكن الغاز المحروق يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من مزيج الحلول، خصوصًا في البلدان التي تملك حقول نفط وغاز لكنها ما زالت تعاني من نقص الطاقة.

كما أن استخدام الغاز المصاحب في إنتاج غاز الطبخ يمكن أن يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي، ويحسن الصحة العامة، ويخفف الوقت الذي تقضيه الأسر، ولا سيما النساء، في جمع الحطب أو مصادر الوقود البدائية. ومن هنا تتحول قضية حرق الغاز إلى قضية تنمية إنسانية، لأنها تمس الكهرباء، والطهي، والصحة، والعمل، والتعليم، والبيئة المنزلية.

الانبعاثات.. كلفة بيئية لا تظهر في الفاتورة المباشرة

تقدر انبعاثات الغاز المحروق عالميًا في عام 2025 بنحو 429 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، منها 50 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون على شكل ميثان غير محترق نتيجة الاحتراق غير الكامل. وهذه الأرقام تعكس الكلفة المناخية المباشرة لحرق الغاز. لكن التقرير يحذر من أن الانبعاثات قد تكون أعلى من التقديرات التقليدية إذا كانت بعض المشاعل لا تعمل بكفاءة، أو كانت غير مشتعلة وتطلق الغاز مباشرة.

الميثان يمثل تحديًا خاصًا لأنه أقوى من ثاني أكسيد الكربون من حيث تأثيره الحراري على المدى القصير. وإذا كانت كفاءة تدمير الميثان في المشاعل أقل مما تفترضه التقديرات التقليدية، فقد تكون انبعاثات الميثان الناتجة عن الحرق أكبر بكثير. وهذا يجعل ملف الحرق جزءًا من أجندة أوسع للحد من انبعاثات الميثان في قطاع النفط والغاز.

إضافة إلى الانبعاثات العالمية، توجد آثار محلية مباشرة على المجتمعات القريبة من مواقع الحرق. فالمشاعل تطلق ملوثات هواء ضارة، مثل الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين والكبريت وغيرها من المواد التي تؤثر في صحة الإنسان والبيئة. وفي المناطق التي تتكرر فيها عمليات الحرق قرب التجمعات السكانية أو الزراعية، يمكن أن تتحول المشكلة إلى أزمة صحة عامة طويلة الأمد.

وتتضح هنا أهمية تحويل الغاز من مصدر تلوث إلى مصدر طاقة. فبدل أن يحترق في الهواء ويضيف أعباء بيئية وصحية، يمكن أن يدخل في منظومة الكهرباء أو الصناعة أو الطهي النظيف. وهذا التحويل لا يقلل الانبعاثات فحسب، بل يعيد تعريف الغاز المصاحب من نفاية تشغيلية إلى أصل اقتصادي.

القيمة الاقتصادية.. 54 مليار دولار في الهواء

تقدر قيمة الغاز المحروق في عام 2025 بنحو 54 مليار دولار إذا أمكن نقله إلى السوق. وهذا الرقم يكشف أن العالم لا يحرق غازًا فقط، بل يحرق قيمة اقتصادية ضخمة. والأهم أن هذه القيمة تعادل جزءًا كبيرًا من التكلفة التقديرية المطلوبة عالميًا للحد من الحرق الروتيني، والتي تتراوح بحسب تقديرات البنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية بين 70 و100 مليار دولار من الإنفاق الأولي.

لكن هذه المقارنة لا تعني أن كل مشروع للحد من الحرق مربح فورًا أو بسيط التنفيذ. فهناك تكاليف جمع ومعالجة ونقل وتسويق، وهناك فروق بين الأسواق والدول، وهناك مشاريع تحتاج إلى وقت طويل لاسترداد رأس المال. ومع ذلك، فإن الفجوة بين قيمة الغاز المحروق وتكلفة تقليل الحرق تشير إلى أن المشكلة ليست تقنية فقط، بل هي في الأساس مشكلة سياسات وأسواق وتمويل وأولويات.

ويؤكد التقرير أن التقنيات موجودة: يمكن استخدام الغاز في توليد الكهرباء، أو ربطه بشبكات الغاز، أو إنتاج غاز البترول المسال، أو إعادة حقنه في الآبار لتحسين الإنتاج وتقليل الهدر. كما توجد أدوات سياسية وتنظيمية معروفة، مثل حظر الحرق الروتيني، ووضع غرامات أو حوافز مالية، وتسهيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتطوير بنى تحتية مشتركة، وتوفير وصول عادل إلى خطوط الأنابيب ومحطات المعالجة، وتصميم أسعار تسمح بعائد مناسب على الاستثمار.

لكن التحديات تتمثل في ضعف الأولوية السياسية، ومحدودية رأس المال، وغياب الأسواق المحلية القوية للغاز، ومخاطر عدم وجود مشترٍ مستقر، وضعف إنفاذ القوانين. فالمشروع الناجح لا يحتاج إلى التقنية فقط، بل يحتاج إلى بيئة تنظيمية تجعل استخدام الغاز أكثر جدوى من حرقه، وتمنع أن تتحول المشاعل إلى خيار أسهل وأرخص من الاستثمار.

لماذا يستمر الحرق رغم وجود الحلول؟

السؤال المركزي الذي يطرحه التقرير ضمنيًا هو: إذا كانت الفوائد واضحة والتقنيات متاحة، فلماذا يستمر حرق الغاز بهذا الحجم؟ الجواب لا يكمن في سبب واحد، بل في مجموعة من العوامل البنيوية.

أول هذه العوامل ضعف التنظيم أو غياب إنفاذه. ففي بعض الدول توجد قوانين تحد من الحرق، لكنها لا تطبق بصرامة، أو تسمح باستثناءات واسعة، أو تفتقر إلى منظومة قياس ورقابة دقيقة. وثانيها ضعف البنية التحتية، إذ يحتاج الغاز المصاحب إلى خطوط أنابيب ومحطات معالجة وضغط وربط بالأسواق. وثالثها محدودية التمويل، خصوصًا في الدول التي تواجه أزمات مالية أو تعتمد شركاتها الوطنية على الموازنات العامة. ورابعها ضعف السوق المحلية للغاز، إذ قد لا توجد أسعار مشجعة أو مشترون قادرون على توقيع عقود طويلة الأجل.

وهناك أيضًا مشكلة في ترتيب الأولويات. ففي كثير من الحالات، يركز المنتجون على النفط لأنه مصدر العائد المالي الأكبر، بينما يُنظر إلى الغاز المصاحب باعتباره عبئًا جانبيًا. وإذا لم تُدمج إدارة الغاز في تخطيط الإنتاج منذ البداية، فإن الحقول الجديدة تبدأ بالعمل قبل اكتمال البنية التحتية للغاز، فتظهر المشاعل بوصفها حلًا مؤقتًا، ثم يتحول المؤقت إلى ممارسة دائمة.

ويشير التقرير إلى أن التغيرات السنوية في الحرق قد ترتبط بعوامل تشغيلية مثل الصيانة، أو بدء تشغيل حقول جديدة، أو تعطل مرافق معالجة، لكنها غالبًا تكشف مشكلات أعمق في التخطيط والتمويل والبنية التحتية والحوكمة. ولذلك، فإن الحل الحقيقي لا يكون بردود فعل مؤقتة، بل بإصلاح منظومة إدارة الغاز المصاحب بوصفها جزءًا من سياسة الطاقة الوطنية.

منهجية جديدة.. الأقمار الصناعية تكشف المشكلة بدقة أكبر

من الجوانب المهمة في تقرير 2026 أنه يستخدم منهجية محسّنة لتقدير كميات الغاز المحروق. فقد طورت شراكة GFMR، بالتعاون مع مدرسة كولورادو للمناجم، طريقة جديدة تعتمد على بيانات من ثلاثة أقمار صناعية بدلًا من قمر واحد، ما يزيد من تغطية الرصد الليلي ويحسن دقة تحديد مواقع المشاعل وتقدير أحجامها.

وتقوم المنهجية على تحليل بيانات الأشعة تحت الحمراء المرئية لتمييز المشاعل عن مصادر الحرارة الأخرى، ثم تقدير أحجام الغاز المحروق مع مراعاة عوامل مثل الغطاء السحابي والظروف الجوية. والجديد في المنهجية أنها تستخدم كتالوجًا متعدد السنوات لتحديد مواقع المشاعل بصورة أكثر استقرارًا، بدلًا من التعامل مع كل سنة بمعزل عن الأخرى. وهذا يساعد على تحديد المشاعل المتقاربة، وتمييز الحرق الروتيني عن غير الروتيني، ورصد الحالات المحتملة التي تكون فيها المشاعل غير مشتعلة وتطلق الغاز.

وتؤدي المنهجية الجديدة إلى تحسين جودة البيانات، لكنها قد تغير بعض التقديرات الخاصة بالدول مقارنة بالمنهجيات القديمة. فالمشاعل الكبيرة أصبحت تُربط بكميات أكبر من الغاز، بينما تُقدر المشاعل الصغيرة بكميات أقل نسبيًا. ولهذا قد تظهر أرقام بعض البلدان أعلى أو أقل من التقديرات السابقة. غير أن الاتجاه العالمي العام لا يتغير: الحرق يرتفع، والمشكلة تتسع، والحاجة إلى التحرك أصبحت أكثر إلحاحًا.

وتكمن أهمية البيانات الدقيقة في أنها تحوّل الملف من تقديرات عامة إلى أداة مساءلة. فالحكومات والشركات لا تستطيع إدارة ما لا تقيسه. وكلما أصبحت البيانات أوضح، أمكن تحديد المواقع ذات الأولوية، وتقدير حجم الخسائر، وربط السياسات بالنتائج، وتقييم التزام الدول والشركات بتقليل الحرق.

مؤشر الغاز المحروق المستورد.. مسؤولية لا تقف عند المنتجين

لا يكتفي التقرير بقياس الحرق في الدول المنتجة، بل يقدم أيضًا مؤشرًا مهمًا هو مؤشر الغاز المحروق المستورد IFG. يقوم هذا المؤشر على احتساب متوسط كثافة الحرق المرتبطة بواردات النفط الخام لكل دولة مستوردة، وفقًا لحجم وارداتها ومصدرها. ومعنى ذلك أن الدول المستوردة للنفط تتحمل، بصورة غير مباشرة، جزءًا من المسؤولية عن الحرق المرتبط بالنفط الذي تشتريه.

هذا المؤشر مهم خصوصًا في ظل السياسات الكربونية الناشئة التي قد تؤثر في التجارة الدولية. فإذا بدأت الدول في احتساب الكلفة الكربونية للسلع أو الطاقة المستوردة، فإن النفط القادم من دول ذات كثافة حرق عالية قد يواجه ضغوطًا تنظيمية أو مالية أكبر. ويشير التقرير إلى أن دولًا مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا والمجر وسلوفاكيا تعرضت لمستويات مرتفعة من مؤشر الغاز المحروق المستورد بسبب اعتمادها على واردات من دول ذات كثافة حرق مرتفعة مثل العراق وليبيا والمكسيك وروسيا.

وهذا البعد يوسع النقاش من مسؤولية المنتج إلى مسؤولية سلسلة الإمداد كلها. فالشركات والمصافي والحكومات المستوردة يمكن أن تضغط باتجاه نفط أقل ارتباطًا بالحرق، أو تضع معايير إفصاح، أو تطلب من المنتجين خططًا واضحة لتقليل الحرق. وبذلك، يصبح الحد من الحرق جزءًا من تجارة الطاقة المسؤولة، وليس شأنًا داخليًا للدول المنتجة فقط.

نماذج النجاح.. ما الذي ينجح فعليًا؟

رغم الصورة القاتمة، يقدم التقرير أمثلة تدل على أن خفض الحرق ممكن عندما تتوافر الإرادة والسياسات والبنية التحتية. فالولايات المتحدة خفضت الحرق بفضل استثمار في خط أنابيب خفف الاختناقات في نقل الغاز المصاحب. وكازاخستان حققت انخفاضًا مستدامًا عبر إنفاذ المعايير التنظيمية والاستثمار في البنية التحتية. كما يشير التقرير إلى تجارب في دول مثل الأرجنتين والهند، حيث لعبت البنية التحتية والسياسات الجديدة دورًا في تحسين إدارة الغاز المصاحب.

وتشترك التجارب الناجحة في عدة عناصر: أولوية سياسية واضحة، تنظيم فعّال، بيانات وقياس شفاف، بنية تحتية قادرة على إيصال الغاز إلى السوق، تمويل مناسب، وتنسيق بين الشركات والحكومات. وإذا غاب أحد هذه العناصر، تتعثر المشاريع أو تبقى محدودة الأثر.

لا يكفي أن تطلب الدولة من الشركات وقف الحرق، بل يجب أن توفر مسارًا عمليًا لاستخدام الغاز. ولا يكفي أن تبني شركة منشأة معالجة إذا لم تكن هناك شبكة نقل أو مشترٍ مستقر. ولا يكفي وجود سوق إذا لم تكن الأسعار أو العقود تسمح باسترداد الاستثمار. لذلك، فإن خفض الحرق يحتاج إلى هندسة اقتصادية وتنظيمية متكاملة.

ما الذي يعنيه التقرير للدول النامية؟

بالنسبة للدول النامية، يحمل التقرير رسالة مزدوجة. الرسالة الأولى أن استمرار حرق الغاز يمثل خسارة لا يمكن تبريرها في ظل الحاجة إلى الطاقة والتنمية. والرسالة الثانية أن تقليل الحرق يمكن أن يكون مدخلًا عمليًا لتحقيق مكاسب متعددة: تحسين الكهرباء، تقليل الاستيراد، خفض الانبعاثات، خلق فرص عمل، وزيادة القيمة الاقتصادية للموارد المحلية.

لكن الطريق ليس سهلًا. فالدول التي تعاني من ضعف المؤسسات أو محدودية التمويل أو اضطراب الأسواق تواجه تحديات أكبر. وقد تحتاج إلى دعم فني وتمويلي، وشراكات دولية، وتمويل ميسر، وربط مشاريع الغاز المصاحب بخطط الكهرباء والصناعة والمناخ. ومن هنا تأتي أهمية دور مؤسسات مثل البنك الدولي وشراكة GFMR في تقديم الدعم الفني والمنح التحفيزية والمساعدة في تصميم السياسات.

ويبدو أن عام 2030، وهو الموعد المستهدف لمبادرة إنهاء الحرق الروتيني، يقترب بسرعة. ومع بقاء أربع سنوات فقط، يحذر التقرير من أن الفجوة بين المسار الحالي والمسار المطلوب تتسع. وهذا يعني أن الخطوات التدريجية البطيئة لم تعد كافية، وأن العالم بحاجة إلى إجراءات أكثر حسمًا في الدول ذات التأثير الأكبر.

خاتمة: غاز يحترق وفرصة تنتظر القرار

يكشف تقرير البنك الدولي لتتبع حرق الغاز لعام 2026 عن أزمة لا يمكن اختزالها في أرقام بيئية أو فنية. نحن أمام مورد طاقي هائل يُهدر، وقيمة اقتصادية تُحرق، وانبعاثات تتصاعد، وفرص تنمية تضيع، بينما يعيش مئات الملايين من الناس من دون كهرباء موثوقة أو طاقة نظيفة للطهي. وتزداد المفارقة حدة حين تكون بعض الدول التي تحرق الغاز هي نفسها دولًا تستورد الغاز أو تعاني من نقص الكهرباء، كما في حالة العراق.

إن خفض حرق الغاز ليس ترفًا بيئيًا، بل ضرورة اقتصادية وأمنية وتنموية. فالعالم الذي يبحث عن أمن الطاقة لا يستطيع أن يتجاهل غازًا يكفي لتغيير معادلات الكهرباء في دول عديدة. والدول التي تبحث عن فرص عمل لا يمكنها أن تقبل استمرار إهدار وقود قادر على تشغيل المصانع والمشاريع. والحكومات التي تتحدث عن التحول المناخي لا تستطيع ترك المشاعل تحرق الغاز وتطلق الانبعاثات بلا جدوى.

الرسالة الأساسية للتقرير واضحة: الحلول موجودة، والتقنيات متاحة، والتجارب الناجحة قائمة، لكن ما ينقص هو القرار، والحوكمة، والتمويل، والبنية التحتية، وتحويل تقليل الحرق إلى أولوية وطنية وشركاتية حقيقية. وفي ظل تصاعد الحرق للسنة الثالثة على التوالي، لم يعد السؤال: هل يمكن تقليل حرق الغاز؟ بل أصبح السؤال: لماذا يستمر العالم في حرق مورد يحتاجه بشدة؟

ومن أهم ما استند إليه التقرير: ارتفاع الحرق العالمي إلى 167 مليار متر مكعب في 2025، وتركيز 83% من الحرق في تسع دول، وحرق العراق 24 مليار متر مكعب مقابل استيراده 6 مليارات متر مكعب من إيران في 2025، وتقدير الانبعاثات بنحو 429 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مع الإشارة إلى أن المنهجية الجديدة اعتمدت على ثلاثة أقمار صناعية وتحسين تحديد مواقع المشاعل.   

اضف تعليق