هل هي كرةُ ثلج... أم أمطارُ صيف؟

قراءة في مستقبل الحرب على الفساد في العراق بين إرادة الدولة ومنظومة المصالح

هل ما يجري اليوم كرة ثلج ستواصل التدحرج حتى تعيد رسم العلاقة بين الدولة والمال العام؟ أم أنه مطر صيفي سرعان ما يتبخر تحت حرارة المصالح والصراعات؟ لا أحد يستطيع أن يمنح جوابًا قاطعًا الآن. غير أن المؤكد هو أن العراق يقف عند مفترق طريق حقيقي...

كم مرة وقف العراقيون أمام شاشة التلفاز وهم يشاهدون مسؤولًا يُقتاد للتحقيق، أو يسمعون عن شبكة فساد أُطيح بها، ثم عاد كل شيء بعد أشهر إلى ما كان عليه؟ وكم مرة وُلد الأمل مع إعلان حملة جديدة لمكافحة الفساد، قبل أن يذوب تحت حرارة التجاذبات السياسية أو يختفي بين دهاليز البيروقراطية؟ وهل يمكن أن يكون ما يجري اليوم مختلفًا حقًا؟ أم أن العراق يعيش دورة أخرى من دورات الإصلاح المؤقت، سرعان ما تنتهي بانتهاء الظرف الذي أوجدها؟

هذه الأسئلة لم تعد مجرد أحاديث في المقاهي أو على منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبحت سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا يمس حاضر الدولة العراقية ومستقبلها. فالحملات الأخيرة التي أعلنتها الحكومة، وما رافقها من إجراءات اتخذتها هيئة النزاهة الاتحادية، وإحالة عدد من الملفات إلى القضاء، وإعلان تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن البلاد ربما تقف أمام لحظة مختلفة. وفي المقابل، يقف فريق آخر أكثر حذرًا، يرى أن العراق سبق أن شهد حملات مشابهة، بدأت بضجيج كبير، ثم انتهت من دون أن تمس الجذور الحقيقية للمشكلة. 

المفارقة أن الطرفين يملكان ما يدعم رأيهما.

فمن يراقب المشهد العراقي منذ عام 2003 يدرك أن الفساد لم يكن مجرد تجاوزات فردية ارتكبها بعض الموظفين، بل تحول مع مرور الزمن إلى بنية معقدة تشابكت فيها السياسة بالاقتصاد، والإدارة بالمصالح الحزبية، والعقود العامة بشبكات النفوذ. ولهذا لم تعد معركة الفساد معركة ضد أشخاص، وإنما أصبحت مواجهة مع منظومة كاملة نجحت في إنتاج نفسها كلما تغيرت الوجوه.

ولهذا السبب تحديدًا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: كم مسؤولًا أُلقي القبض عليه؟ بل: هل تغيّرت قواعد اللعبة نفسها؟

لقد أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة النزاهة الاتحادية خلال الفترة الأخيرة توسعًا في إجراءات الضبط والتحقيق، مع الإعلان عن استرداد أموال، وكشف شبكات مرتبطة بعقود حكومية، وملاحقة متهمين داخل العراق وخارجه، بالتزامن مع تأكيد الحكومة أن مكافحة الفساد تمثل أحد أهم محاور برنامجها التنفيذي.

غير أن التجارب الدولية تؤكد أن نجاح أي حملة لا يقاس بعدد أوامر القبض، وإنما بقدرتها على منع إعادة إنتاج الفساد مرة أخرى.

ولهذا تطرح الأدبيات الحديثة في الحوكمة سؤالًا أكثر عمقًا: هل تحارب الدولة الفاسدين... أم تحارب البيئة التي تنتج الفساد؟

الفرق بين السؤالين كبير جدًا.

فالنوع الأول يعني أن الدولة تطارد أشخاصًا ارتكبوا مخالفات، وهو إجراء ضروري، لكنه يظل علاجًا للنتائج. أما النوع الثاني، فيعني إصلاح النظام الإداري والقانوني والمالي بطريقة تجعل الفساد أكثر صعوبة وأعلى كلفة، بحيث يصبح الاستثناء هو الفساد، وليس النزاهة.

هذا هو الامتحان الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم.

لقد أشارت تقارير البنك الدولي في أكثر من مناسبة إلى أن تحسين الحوكمة، وتعزيز الشفافية، وإصلاح الإدارة العامة، تمثل شروطًا أساسية لجذب الاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. كما تواصل منظمة الشفافية الدولية تصنيف العراق ضمن الدول التي تواجه تحديات كبيرة في مؤشرات إدراك الفساد، وهو ما يعكس أن المشكلة ليست محلية فحسب، بل أصبحت جزءًا من الصورة التي يرى بها العالم الاقتصاد العراقي.

ومن هنا، فإن المستثمر لا يسأل عادة عن عدد المؤتمرات الصحفية التي عُقدت لمكافحة الفساد، بل يسأل سؤالًا واحدًا: هل أستطيع أن أستثمر في هذا البلد دون أن أضطر إلى دفع رشوة أو اللجوء إلى وسيط؟

هذه هي النقطة التي تتحول عندها الحرب على الفساد من شعار سياسي إلى مشروع اقتصادي وطني.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير اهتمام المراقبين ليس حجم الاعتقالات، وإنما طبيعة الملفات التي تُفتح. فإذا بقيت الحملات محصورة في قضايا محددة أو أشخاص بعينهم، فإنها ستظل عرضة للتشكيك. أما إذا اتسعت لتشمل مختلف المؤسسات، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو مراكز النفوذ، فإنها ستبعث برسالة مختلفة تمامًا، مفادها أن الدولة بدأت تستعيد احتكارها للقانون.

كرةُ ثلج أم أمطارُ صيف؟

غير أن التفاؤل وحده لا يصنع تحولًا تاريخيًا، كما أن التشاؤم الدائم لا يساعد على قراءة الواقع بموضوعية. فالدول لا تتغير بالشعارات، ولا تنهار بسبب الشكوك، وإنما تُقاس التحولات فيها بما تتركه من آثار مؤسسية يمكن ملاحظتها بعد سنوات، لا بعد أيام أو أسابيع.

ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما يجري اليوم، وإنما بما سيبقى غدًا.

هل ستنجح هذه الإجراءات في بناء مؤسسات قادرة على حماية المال العام حتى بعد تغير الحكومات؟ أم أنها ستظل مرتبطة بإرادة سياسية مؤقتة تنتهي بانتهاء الظرف الذي أوجدها؟ إن التاريخ السياسي الحديث، سواء في العراق أو في دول أخرى، يبين أن الحروب الناجحة ضد الفساد لم تبدأ بالاعتقالات، بل بدأت عندما أصبح القانون أقوى من النفوذ، وأصبحت الرقابة جزءًا من بنية الدولة، لا رد فعل على أزمة أو ضغط شعبي.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حملة لمكافحة الفساد هو أن تتحول إلى حدث إعلامي أكثر منها مشروعًا للإصلاح. فالمواطن قد يصفق لخبر اعتقال مسؤول، لكنه ينتظر ما هو أبعد من ذلك؛ يريد أن يرى مدرسة تُبنى من الأموال المستردة، ومستشفى يعمل بكفاءة، وطريقًا يُنجز في موعده، وخدمة عامة لا تحتاج إلى واسطة أو رشوة. عندها فقط يشعر أن مكافحة الفساد انتقلت من صفحات الأخبار إلى حياته اليومية.

إن الفساد في جوهره ليس مجرد سرقة للمال العام، بل هو سرقة للفرص. فهو يحرم الشاب من وظيفة يستحقها، ويؤخر علاج مريض، ويقلل جودة التعليم، ويضعف ثقة المستثمر، ويجعل التنمية أكثر كلفة وأبطأ إنجازًا. ولذلك فإن نجاح أي مشروع لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد الملفات المغلقة، وإنما بعدد الأبواب التي فُتحت أمام المواطنين ليعيشوا حياة أكثر عدالة واستقرارًا.

ومن زاوية أخرى، فإن العراق يقف اليوم أمام فرصة لا تتكرر كثيرًا. فارتفاع الحاجة إلى تنويع الاقتصاد، والسعي إلى جذب الاستثمارات، والإصلاحات المالية والإدارية التي تتحدث عنها الحكومة، كلها تجعل من مكافحة الفساد ضرورة اقتصادية قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا أو أخلاقيًا. فلا يمكن بناء اقتصاد تنافسي في بيئة يفتقد فيها المستثمر إلى اليقين القانوني، ولا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة إذا بقيت الموارد تتسرب عبر منافذ الفساد.

وفي الوقت نفسه، فإن هذه الفرصة تواجه اختبارًا صعبًا. فالمنظومات التي تشكلت خلال سنوات طويلة لا تتخلى بسهولة عن امتيازاتها، وغالبًا ما تمتلك القدرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة. ولهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون بين الدولة والفاسدين فحسب، بل بين مشروع بناء المؤسسات، ومشروع المحافظة على شبكات المصالح التي راكمت نفوذها عبر الزمن.

ومن هنا يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات للمستقبل القريب.

السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلًا، يتمثل في أن تستمر الإجراءات الحالية بوتيرة تصاعدية، مع تعزيز استقلال القضاء، وتوسيع نطاق الرقابة، وإقرار إصلاحات إدارية تقلل من فرص الفساد، بما يؤدي تدريجيًا إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية. عندئذ يمكن القول إن كرة الثلج بدأت بالفعل تتدحرج، وأنها ستكبر مع مرور الوقت لتحدث تحولًا حقيقيًا في بنية الدولة.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر تشاؤمًا، فيقوم على أن تتباطأ الإجراءات تحت ضغط التوازنات السياسية، أو أن تبقى محصورة في ملفات محددة، فتفقد زخمها تدريجيًا، ويعود المشهد إلى ما كان عليه، لتصبح الحملة فصلًا جديدًا من فصول الوعود التي لم تكتمل. عندها ستتحول "كرة الثلج" إلى "أمطار صيف"؛ تثير الغبار لحظة، ثم تجف الأرض سريعًا وكأن شيئًا لم يكن.

ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأقرب إلى الواقعية، أن تحقق الحملة نتائج جزئية؛ فتنجح في الحد من بعض مظاهر الفساد، وتفشل في اقتلاع جذوره بالكامل. وهذا السيناريو قد يكون بداية لمسار طويل، لأن بناء دولة المؤسسات لا يحدث بقرار واحد، وإنما عبر تراكم الإصلاحات واستمرار الإرادة السياسية والمجتمعية.

وفي جميع الأحوال، فإن العامل الحاسم لن يكون عدد المؤتمرات الصحفية، ولا حجم التغطية الإعلامية، وإنما قدرة الدولة على تحويل مكافحة الفساد من حملة استثنائية إلى ثقافة حكم. فحين تصبح الشفافية قاعدة، والمساءلة ممارسة يومية، وسيادة القانون حقيقة يشعر بها المواطن قبل المسؤول، عندها فقط يمكن القول إن العراق دخل مرحلة جديدة.

لقد علمتنا تجارب الأمم أن الإصلاح الحقيقي لا يولد من الضجيج، وإنما من الصبر والإصرار وتراكم الإنجازات الصغيرة التي تغير الواقع بصمت. كما علمتنا أن أخطر ما يواجه أي مشروع إصلاحي ليس قوة الفساد وحدها، بل استعجال النتائج، أو الاكتفاء بالمظاهر من دون معالجة الأسباب العميقة.

لذلك، فإن الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به لا تزال مفتوحة.

هل ما يجري اليوم كرة ثلج ستواصل التدحرج حتى تعيد رسم العلاقة بين الدولة والمال العام؟ أم أنه مطر صيفي سرعان ما يتبخر تحت حرارة المصالح والصراعات؟

لا أحد يستطيع أن يمنح جوابًا قاطعًا الآن.

غير أن المؤكد هو أن العراق يقف عند مفترق طريق حقيقي. وإذا استطاعت مؤسساته أن تنتقل من ملاحقة الفساد إلى منع صناعته، ومن رد الفعل إلى بناء منظومة حصينة للحوكمة والشفافية، فإن السنوات المقبلة قد تحمل بداية مرحلة مختلفة في تاريخ الدولة العراقية.

أما إذا بقي الإصلاح مرتبطًا بالأشخاص أكثر من ارتباطه بالمؤسسات، وباللحظة السياسية أكثر من ارتباطه بالرؤية الاستراتيجية، فإن التاريخ قد يعيد نفسه مرة أخرى.

وعندها لن يكون السؤال: لماذا فشلت الحملة؟ بل سيكون السؤال الأكثر إيلامًا: كم فرصة أخرى يستطيع العراق أن يخسرها قبل أن يدرك أن بناء الدولة يبدأ من حماية المال العام، وأن معركة النزاهة ليست معركة حكومة، بل معركة وطن بأكمله.

اضف تعليق