العالم يقف أمام منعطف حاسم في ملف الطاقة. فقد أظهرت الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز أن الاعتماد على الوقود الأحفوري لا يهدد المناخ فحسب، بل يهدد أيضا استقرار الاقتصادات وأمن المجتمعات. وفي المقابل، أثبتت الدول التي تمتلك مزيجا متنوعا من الطاقة، قدرة أكبر على مقاومة صدمات الأسعار...

تكشف صدمة الطاقة التي فجّرتها حرب الشرق الأوسط وإغلاق الممرات الحيوية أمام إمدادات النفط والغاز، هشاشة الاعتماد العالمي على الوقود الأحفوري، ليس فقط بوصفه مصدرا رئيسيا للانبعاثات، بل باعتباره نقطة ضعف اقتصادية وأمنية قابلة للانفجار مع كل أزمة جيوسياسية. وبينما دفعت الأسعار المرتفعة واضطرابات الإمداد دولا عديدة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة النظيفة، لجأت دول أخرى إلى الفحم والوقود التقليدي لتأمين حاجاتها العاجلة، ما جعل الأزمة اختبارا حقيقيا لحدود التحول الأخضر وقدرة العالم على الموازنة بين أمن الطاقة ومتطلبات المناخ.

مقدمة

يشهد العالم مرحلة مفصلية في النقاش المتعلق بمستقبل الطاقة، إذ لم يعد التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري مسألة بيئية محضة ترتبط بخفض الانبعاثات ومواجهة تغير المناخ، بل بات قضية اقتصادية وأمنية وسياسية تمس استقرار الأسواق، وقدرة الدول على حماية مواطنيها من تقلبات الأسعار، وضمان استمرار الإمدادات الحيوية. فقد كشفت أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق هرمز، هشاشة الاعتماد العالمي على النفط والغاز والفحم، وأعادت إلى الواجهة الدعوات إلى تسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة.

وفي هذا السياق، مثّل المؤتمر الدولي الذي عُقد في مدينة سانتا مارتا الكولومبية محطة لافتة في مسار النقاش العالمي بشأن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. فقد توافقت خمسون دولة على رؤية مشتركة حول هذا التحول، في محاولة لكسر الجمود السياسي الذي يطبع مفاوضات الأمم المتحدة بشأن المناخ. ورغم أن مخرجات المؤتمر لا تملك قوة إلزام قانوني، فإنها تعكس سعيا لبناء تحالف دولي جديد قادر على الدفع باتجاه سياسات أكثر جرأة في ملف الطاقة، بعيدا عن قيود الإجماع الكامل التي تحكم مؤتمرات المناخ الأممية.

تتزامن هذه التطورات مع ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وتزايد الضغوط التضخمية، وعودة بعض الدول مؤقتا إلى الفحم وزيت الوقود، في مقابل تسريع دول أخرى استثماراتها في الطاقة الشمسية والرياح والمركبات الكهربائية والنووية. وبين هذه المسارات المتباينة، يبرز سؤال جوهري: هل تؤدي أزمة الطاقة الحالية إلى تسريع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، أم أنها ستعمق الاعتماد على الوقود الأحفوري بذريعة أمن الإمدادات؟

أولا: قمة كولومبيا ومحاولة كسر الجمود الدولي

جاء مؤتمر سانتا مارتا في كولومبيا بوصفه أول تجمع دولي مخصص لمناقشة التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري خارج الإطار التقليدي لمفاوضات الأمم المتحدة. وقد شاركت فيه دول من أوروبا وأميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي والجزر الصغيرة في المحيط الهادئ، بينما غابت عنه القوى الكبرى الأكثر إنتاجا أو استهلاكا للوقود الأحفوري، مثل الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا ودول خليجية رئيسية.

هذا الغياب منح المؤتمر طابعا مختلفا عن مؤتمرات المناخ الكبرى، إذ سادت أجواء أكثر هدوءا وأقل توترا، وعبّر عدد من المشاركين عن شعورهم بالتحرر من ثقل الإجراءات البيروقراطية التي تميّز مفاوضات الأمم المتحدة. ففي تلك المفاوضات، يتطلب أي قرار موافقة ما يقرب من مئتي دولة، ما يجعل الوصول إلى توافقات واضحة بشأن الوقود الأحفوري مسألة شديدة الصعوبة، خصوصا في ظل نفوذ الدول المنتجة للنفط والغاز والفحم.

وقد وصفت وزيرة البيئة الكولومبية إيرين توريس المؤتمر بأنه محاولة للتعامل مع “تحديات العصر”، مؤكدة أن المشاركين أرادوا أن يتركوا أثرا سياسيا وأخلاقيا في مسار التحول الطاقي. ولا تكمن أهمية المؤتمر في قراراته المباشرة فقط، بل في كونه أنشأ مساحة سياسية جديدة تسمح للدول الراغبة في التخلي عن الوقود الأحفوري بتبادل الرؤى والخبرات، من دون أن تكون رهينة اعتراضات القوى الكبرى.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى مؤتمر سانتا مارتا باعتباره بديلا كاملا عن مفاوضات الأمم المتحدة. فهو لا يملك سلطة إلزامية، ولا يضم جميع الأطراف المؤثرة في أسواق الطاقة العالمية. غير أنه قد يشكل أداة ضغط موازية، تساعد على إدخال ملف التخلص من الوقود الأحفوري مجددا إلى قلب جدول الأعمال الدولي، خصوصا في ظل الاستعدادات لقمة المناخ المقبلة في أنطاليا بتركيا.

ثانيا: أزمة الطاقة كعامل تسريع للتحول

أعطت الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز زخما جديدا للنقاش العالمي حول أمن الطاقة. فقد أدى تعطّل جزء كبير من إمدادات النفط والغاز إلى ارتفاع كبير في الأسعار، ما وضع الحكومات أمام خيارات صعبة بين حماية المستهلكين، وضمان الإمدادات، والالتزام بأهداف المناخ.

ويرى مسؤولون دوليون أن هذه الأزمة كشفت بوضوح أن الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري يجعل الاقتصادات عرضة للتقلبات الجيوسياسية. وقد عبّر وزير الطاقة التركي مراد كوروم، المكلف برئاسة مؤتمر “كوب 31”، عن هذا المعنى حين أكد أن العالم يواجه إحدى أكبر أزمات الطاقة في تاريخه، وأن الاقتصاد العالمي بات بحاجة إلى تغيير نموذجه الطاقوي وتسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة.

من جانبه، أشار مدير الوكالة الدولية للطاقة فاتح بيرول إلى أن أسعار النفط المرتفعة تفرض ضغوطا كبيرة على العديد من الدول، فيما اعتبر الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سايمون ستيل أن المدافعين عن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري أسهموا، من حيث لا يقصدون، في تعزيز طفرة الطاقة المتجددة عالميا. فكلما ارتفعت كلفة النفط والغاز، زادت جاذبية مصادر الطاقة المحلية والمتجددة التي لا تخضع بالقدر نفسه لصدمات الأسواق والممرات البحرية والنزاعات الإقليمية.

غير أن الصورة ليست أحادية. فالأزمة دفعت بعض الدول إلى تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، لكنها دفعت دولا أخرى إلى زيادة استخدام الفحم أو زيت الوقود لتغطية العجز الفوري في الإمدادات. وهذا التناقض يوضح أن التحول الطاقي لا يتحقق بمجرد ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، بل يحتاج إلى بنية تحتية جاهزة، واستثمارات طويلة الأمد، وسياسات عامة مستقرة.

ثالثا: أوروبا بين الحماية النسبية والتعرض للصدمات

تقدم التجربة الأوروبية مثالا واضحا على العلاقة بين مزيج الطاقة وقدرة الدول على مقاومة صدمات الأسعار. فقد أظهرت الأزمة أن الدول التي تعتمد بدرجة أكبر على مصادر الطاقة المتجددة أو النووية كانت أكثر قدرة على تخفيف أثر ارتفاع أسعار النفط والغاز، مقارنة بالدول التي تعتمد بشكل واسع على الغاز المستورد.

ففي ألبانيا، على سبيل المثال، ساهم الاعتماد الكبير على الطاقة الكهرومائية في حماية سوق الكهرباء من الارتفاعات الحادة. إذ يوفر نهر درين وسدوده الكهرومائية أكثر من 90 في المئة من إنتاج الكهرباء في البلاد، ما ساعد على ضبط أسعار الجملة في وقت تشهد فيه الأسواق الأوروبية اضطرابات متزايدة.

وفي فرنسا، لعبت الطاقة النووية دورا مماثلا في الحد من تقلبات الأسعار، إذ تعتمد البلاد على المحطات النووية في الجزء الأكبر من إنتاج الكهرباء. أما إسبانيا، التي رفعت بسرعة حصة الطاقة المتجددة إلى مستويات مرتفعة، فقد تمكنت من تسجيل انخفاض في الأسعار رغم الأزمة. في المقابل، شهدت إيطاليا وألمانيا ارتفاعات أكبر في أسعار الكهرباء، نتيجة الاعتماد الكبير على الغاز ونقص الإمدادات.

ومع ذلك، تواجه أوروبا تحديات بنيوية في مسار التحول. فالاعتماد المتزايد على الطاقة الشمسية يتطلب تطوير قدرات تخزين طويلة الأجل، وتحديث شبكات الكهرباء، وإدارة ما يعرف بـ“منحنى البطة”، حيث تنخفض الأسعار في منتصف النهار بسبب وفرة الإنتاج الشمسي، ثم ترتفع بشدة في الصباح الباكر وآخر النهار. وهذا يعني أن الطاقة المتجددة لا تكفي وحدها، ما لم تُدعَم بمنظومات تخزين وشبكات مرنة ومصادر احتياطية منخفضة الانبعاثات.

وقد دفعت الأزمة المفوضية الأوروبية إلى بحث إجراءات لتخفيف العبء عن المستهلكين، منها خفض الضرائب على الكهرباء. لكن هذه التدابير، رغم أهميتها الاجتماعية، قد تفرض تكاليف مالية كبيرة على الحكومات، خصوصا إذا طال أمد الأزمة.

رابعا: سياسات وطنية متسارعة للتحول الطاقي

أعلنت عدة دول، في ضوء الأزمة، مراجعات أو إجراءات جديدة لتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة. ففي بريطانيا، أكد وزير الطاقة إد ميليباند أن عصر الاعتماد على الوقود الأحفوري قد انتهى، مشيرا إلى أن الطاقة النظيفة أصبحت الطريق الوحيد لتحقيق الأمن المالي وأمن الطاقة والأمن الوطني. وشملت الإجراءات البريطانية تسهيل تركيب شواحن السيارات الكهربائية، وتوسيع استخدام الألواح الشمسية، واستغلال الأراضي المهجورة والمواقع الصناعية وأراضي السكك الحديد في مشاريع الطاقة المتجددة.

وفي فرنسا، أعلنت الحكومة تدابير لتوسيع شبكة الكهرباء في قطاعات البناء والنقل والصناعة، بهدف خفض حصة الوقود الأحفوري من 60 في المئة إلى 29 في المئة بحلول عام 2035. أما السويد، فطرحت حوافز للأسر والمؤسسات العامة لاستخدام بدائل كهربائية ومصادر متجددة، مع التأكيد أن الكهرباء هي مستقبل أمن الطاقة.

وفي الصين، دعا الرئيس شي جين بينغ إلى بناء منظومة طاقة جديدة أكثر تنوعا ومرونة وصداقة للبيئة، مع التركيز على الطاقة الكهرومائية والنووية. أما الهند، فرغم اعتمادها الكبير على الفحم في توليد الكهرباء، فقد أعلنت تسريع منح تراخيص طاقة الرياح وأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات. كما اتخذت كمبوديا خطوات لخفض الرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية ومواقد الطهي الكهربائية وأنظمة الطاقة الشمسية، في محاولة لتشجيع التحول في الاستهلاك اليومي للطاقة.

وفي بربادوس وكينيا والفلبين واليابان، برزت سياسات مشابهة تجمع بين تعزيز الطاقة المتجددة، وزيادة قدرات التخزين، والبحث عن دور أكبر للطاقة النووية. وتكشف هذه الأمثلة أن الأزمة لم تؤد إلى استجابة عالمية واحدة، بل إلى حزمة واسعة من السياسات تختلف باختلاف الموارد، والقدرات المالية، والبنية التحتية، ومستوى الاعتماد على الواردات.

خامسا: التباين بين المناخ والتنمية في الدول المنتجة

رغم الحماسة التي أظهرها عدد من الدول المشاركة في مؤتمر كولومبيا، فإن النقاش كشف عن تباين عميق بين متطلبات المناخ واحتياجات التنمية، خصوصا لدى الدول النامية الغنية بالنفط والغاز. فقد أكدت دول إفريقية مشاركة أنها ستواصل استخراج الوقود الأحفوري لتمويل برامج التنمية، مع التشديد على أن أي انتقال يجب أن يكون تدريجيا وعادلا.

ويعكس موقف نيجيريا هذا التعقيد بوضوح. فاقتصادها يرتبط جزئيا بقطاع النفط والغاز، ويؤمّن هذا القطاع وظائف وإيرادات حيوية للدولة. ولذلك، فإن تفكيك الاقتصاد القائم على الوقود الأحفوري لا يمكن أن يحدث بصورة فجائية، لأن ذلك قد يؤدي إلى فقدان وظائف واضطرابات اجتماعية. وهنا يبرز مفهوم “الانتقال العادل”، أي أن تتحمل الدول الغنية جزءا من كلفة التحول، وأن توفر تمويلا وتقنيات تساعد الدول النامية على تنويع اقتصاداتها وحماية العاملين في القطاعات المتضررة.

ولا يقتصر الأمر على نيجيريا. فدول مثل العراق والكويت والسعودية تعتمد بدرجات كبيرة على عائدات النفط، بينما ترى دول أخرى مثل البرازيل وأنغولا والمكسيك أن مواردها الأحفورية لا تزال جزءا مهما من استراتيجياتها التنموية. ومن دون آليات تمويل دولية واضحة، سيبقى الحديث عن التخلي السريع عن الوقود الأحفوري صعب التطبيق في هذه الدول.

سادسا: لماذا يصعب التخلي عن الوقود الأحفوري؟

رغم الاعتراف المتزايد بخطورة تغير المناخ، يبقى التخلي عن الوقود الأحفوري تحديا معقدا لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية. فالنفط والغاز والفحم ليست مجرد مصادر طاقة، بل هي أصول مالية وصناعية ترتبط بسلاسل إنتاج عالمية، وبميزانيات دول، وبأسواق عمل، وبمصالح شركات كبرى.

اقتصاديا، يؤدي أي اضطراب مفاجئ في قطاع الوقود الأحفوري إلى آثار واسعة على الأسواق المالية، والتجارة، وأسعار الغذاء والنقل والصناعة. لذلك يحذر خبراء من أن إغلاق هذا القطاع بين ليلة وضحاها قد يتسبب في صدمة اقتصادية عالمية. ومن هنا فإن التحول لا بد أن يكون منظما ومخططا، لا مجرد استجابة انفعالية لأزمة مؤقتة.

سياسيا، تفتقر كثير من الدول إلى الإرادة اللازمة لاتخاذ قرارات مكلفة على المدى القصير. ففي دول عديدة، تعود الخطابات المؤيدة للتوسع في استخراج النفط والغاز والفحم، إما بدافع حماية الوظائف، أو خفض الأسعار، أو تعزيز السيادة الطاقية. كما أن صعود قوى سياسية محافظة في بعض البلدان يضعف الزخم المناخي، ويعيد تقديم الوقود الأحفوري بوصفه ضمانة للنمو والأمن.

إضافة إلى ذلك، تتمتع جماعات ضغط النفط والغاز بنفوذ واسع في السياسات الوطنية والدولية. فقد نجحت هذه الجماعات لعقود في تأخير التحولات الكبرى، أو تخفيف صرامة الالتزامات المناخية، أو ربط الانتقال الطاقي بمخاطر اقتصادية واجتماعية. وهذا النفوذ يجعل أي مسار للتخلص من الوقود الأحفوري معركة سياسية بقدر ما هو مسار تقني أو بيئي.

سابعا: الطاقة المتجددة بين الفرصة والقيود

تستفيد الطاقة المتجددة من الأزمة الحالية لأنها تقدم للدول وعدا مزدوجا: خفض الانبعاثات وتحسين أمن الطاقة. فالطاقة الشمسية والرياح والكهرومائية لا تعتمد على ممرات بحرية ضيقة ولا على واردات من مناطق مضطربة. كما أن كلفة إنتاجها انخفضت كثيرا خلال السنوات الماضية، ما جعلها خيارا اقتصاديا منافسا في عدد متزايد من الأسواق.

وقد شهدت أوروبا زيادة في الطلب على أنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح، بينما سجلت دول مثل باكستان قفزة في مبيعات المركبات الكهربائية. وفي الصين، ارتفع الاهتمام بشركات الطاقة الخضراء عقب صدمة النفط، رغم أن المصنعين الصينيين للألواح الشمسية يرون أن زيادة الطلب لن تكون كافية وحدها لمعالجة مشكلة فائض القدرة الإنتاجية في القطاع.

وتكشف هذه النقطة أن الطاقة المتجددة تواجه تحدياتها الخاصة. فالفائض الإنتاجي في صناعة الألواح الشمسية يضغط على أرباح الشركات، ويثير توترات تجارية. كما أن زيادة الطلب لا تعني تلقائيا بناء منظومات طاقة مستقرة، لأن ذلك يتطلب شبكات نقل حديثة، وتخزينا كافيا، وإدارة ذكية للطلب، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية.

كذلك، لا تستطيع الطاقة المتجددة وحدها تلبية جميع احتياجات القطاعات الصعبة مثل الطيران والشحن والصناعات الثقيلة، ما يفسر عودة الاهتمام بالوقود الحيوي والهيدروجين والطاقة النووية. غير أن هذه البدائل أيضا لها حدود، سواء من حيث الكلفة أو الموارد أو الآثار البيئية.

ثامنا: الوقود الحيوي كاستجابة جزئية للأزمة

أعاد ارتفاع أسعار النفط الاهتمام بالوقود الحيوي، خصوصا في آسيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط من الشرق الأوسط. فالوقود الحيوي، المصنوع من مواد عضوية مثل الذرة وقصب السكر وزيت النخيل، يصبح أكثر جاذبية اقتصاديا عندما ترتفع أسعار النفط. كما أنه يساعد في تقليل فاتورة الاستيراد، ويمنح المزارعين أسواقا إضافية لمحاصيلهم.

وقد أعلنت فيتنام تسريع الانتقال إلى البنزين المخلوط بالإيثانول، بينما تعتزم إندونيسيا رفع نسبة مزج الديزل الحيوي المصنوع من زيت النخيل. كما تدرس الهند وتايلاند خيارات مشابهة. غير أن هذا المسار يثير جدلا قديما حول العلاقة بين الغذاء والوقود، إذ يمكن أن يؤدي تخصيص مساحات واسعة لإنتاج محاصيل الوقود الحيوي إلى ضغط على أسعار الغذاء، خصوصا في فترات ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والأسمدة.

وتبقى مساهمة الوقود الحيوي محدودة عالميا، إذ لا يلبي إلا جزءا صغيرا من الطلب على وقود النقل. كما أن بناء مصانع جديدة يتطلب وقتا واستثمارات، فضلا عن القيود المرتبطة بتوافر المواد الأولية وحدود المزج في الوقود التقليدي. لذلك يمكن القول إن الوقود الحيوي قد يخفف بعض الضغوط، لكنه لا يمثل حلا شاملا لأزمة الطاقة أو بديلا كاملا عن النفط.

تاسعا: الغاز بين الفرصة الضائعة واحتمال تراجع الطلب

تطرح الأزمة الحالية تحديا خاصا لصناعة الغاز الطبيعي. فمن جهة، كان الغاز يُقدَّم في السنوات الماضية باعتباره وقودا انتقاليا أقل تلويثا من الفحم والنفط. ومن جهة أخرى، أظهرت الحرب أن أسواق الغاز لا تقل هشاشة أمام الاضطرابات الجيوسياسية، خصوصا عندما تعتمد الدول على واردات من مناطق محدودة.

وقد حذر الأمين العام لمنتدى الدول المصدرة للغاز من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تغييرات مستدامة في الطلب على الغاز، إذا لجأت الحكومات إلى تسريع البدائل المتجددة أو العودة المؤقتة للفحم. كما أشار إلى أن الدول الإفريقية المنتجة للغاز لم تستغل الفرصة لسد فجوة الإمدادات، بسبب ضعف البنية التحتية وعدم الإنتاج بكامل الطاقة.

هذا الوضع يعكس مفارقة مهمة. ففي أوقات الأزمات، قد تكون الدول المنتجة للغاز قادرة نظريا على توسيع حصتها في الأسواق، لكنها تحتاج إلى بنية استثمارية وإنتاجية مسبقة. ومن دون هذه الجاهزية، تذهب الفرص إلى منتجين آخرين، مثل الولايات المتحدة وكندا، أو تتحول الدول المستوردة إلى بدائل مختلفة تماما.

عاشرا: العدالة المالية وضريبة الأرباح الاستثنائية

أثارت الارتفاعات الكبيرة في أسعار النفط والغاز نقاشا جديدا حول الأرباح الاستثنائية التي تحققها شركات الطاقة. فقد دعت لجنة “إكريكت” الدولية، التي يشارك في رئاستها جوزيف ستيغليتز، إلى فرض ضريبة فورية على الأرباح الزائدة في قطاعات النفط والغاز والأسمدة، معتبرة أن ذلك إجراء اقتصادي فعال وواجب أخلاقي في مواجهة الأعباء غير المتكافئة للأزمة.

وتستند هذه الدعوة إلى أن ارتفاع الأسعار ينقل الثروة من العمال والمزارعين والدول المستوردة إلى عدد محدود من الشركات والدول المنتجة. كما أن التضخم الناجم عن صدمة الطاقة ينتشر عبر سلاسل الإمداد، ويرفع تكاليف الإنتاج والغذاء والنقل، ما يهدد بتباطؤ اقتصادي واسع. ومن ثم، فإن فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية يمكن أن يوفر موارد مالية لدعم المستهلكين وتمويل التحول الطاقي، من دون أن يمس الاستثمارات المنتجة.

وقد أبدت عدة دول أوروبية، منها ألمانيا والنمسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال، رغبة في تبني مثل هذه الإجراءات. غير أن نجاح هذه السياسات يعتمد على تصميمها بدقة، بحيث تستهدف الأرباح الناتجة عن الصدمة السعرية لا الأرباح المرتبطة بالاستثمار الحقيقي، وتمنع في الوقت نفسه انتقال العبء إلى المستهلك النهائي.

خاتمة

تكشف التطورات الأخيرة أن العالم يقف أمام منعطف حاسم في ملف الطاقة. فقد أظهرت الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز أن الاعتماد على الوقود الأحفوري لا يهدد المناخ فحسب، بل يهدد أيضا استقرار الاقتصادات وأمن المجتمعات. وفي المقابل، أثبتت الدول التي تمتلك مزيجا أكثر تنوعا من الطاقة، خصوصا المتجددة والنووية والكهرومائية، قدرة أكبر على مقاومة صدمات الأسعار.

لكن الانتقال بعيدا عن الوقود الأحفوري لا يزال مسارا صعبا ومعقدا. فهناك دول تعتمد ماليا على صادرات النفط والغاز، ودول تحتاج إلى الطاقة الرخيصة لتمويل التنمية، وشركات تمتلك نفوذا كبيرا، وأسواق عالمية لا تزال مرتبطة بعمق بالأصول الهيدروكربونية. لذلك فإن النجاح في هذا التحول يتطلب أكثر من الدعوات السياسية؛ إنه يحتاج إلى تمويل دولي، وتخطيط عادل، واستثمارات ضخمة في الشبكات والتخزين والتقنيات النظيفة، وآليات لحماية العمال والمستهلكين والدول الأكثر هشاشة.

لقد أظهر مؤتمر كولومبيا أن مجموعة من الدول مستعدة لكسر الجمود وبناء مسار جديد للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. غير أن تعميم هذا التوجه على العالم سيظل مرهونا بقدرة هذه الدول على تحويل الرؤية إلى خارطة طريق عملية، وبقدرة المجتمع الدولي على التوفيق بين ضرورات المناخ وأمن الطاقة والعدالة الاقتصادية. وفي ضوء الأزمات المتكررة، لم يعد السؤال ما إذا كان التحول ضروريا، بل كيف يمكن تنفيذه بسرعة كافية وعدالة كافية لتجنب أزمات أكبر في المستقبل.

اضف تعليق