ليبيا اليوم تقف عند مفترق طرق: إمَّا أن تُدرك قانون "الكليَّة"، حيث الوطن أكبر من الأقاليم، والدولة أسمى من المصالح العابرة، وإمَّا أن تستمرَّ في الدوران داخل حلقة التشظِّي واستنزاف الفرص. لقد منحتنا الجغرافيا الأرض، ومنحنا التاريخ الهويَّة، ومنحتنا التقنية وسائل الاتصال، ولم يبقَ إلا أن نمتلك إرادة البناء...
ليست ليبيا مجرَّد رقعةٍ جغرافيَّةٍ مرسومةٍ على الخرائط، ولا كيانًا سياسيًّا طارئًا أملته ظروفُ اللحظة أو حساباتُ القوى، بل هي حقيقةٌ تاريخيَّةٌ متجذِّرة، تشكَّلت عبر تفاعلٍ طويلٍ بين المكان والزمان، وبين الجغرافيا والتاريخ، حتى غدت وحدةً قائمةً بذاتها، لا يُمكن فهم حاضرها ولا استشراف مستقبلها إلا من خلال هذه الجدليَّة العميقة. فليبيا، في جوهرها، ليست جمعًا لأقاليم متباعدة، بل كيانٌ واحدٌ فرضته سنن التاريخ، ورسَّخته ضرورات البقاء، وأكَّدته وحدة المصير.
لقد حاولت بعض القراءات الجيوسياسيَّة تفسير الواقع الليبي من خلال مفهوم "الحتميَّة الجغرافيَّة"، الذي يرى في اتساع المسافات، وتفاوت التضاريس، واختلاف البيئات، أسبابًا طبيعيَّةً للتباعد والعزلة، بل وربما للتشظِّي والانقسام. غير أنَّ هذا التصوُّر، وإن كان يجد بعض سنده في التاريخ القديم، لم يَعُد صالحًا لتفسير الدولة الحديثة؛ إذ إنَّ فلسفة "الإمكانيَّة" قد تجاوزت منطق الحتميَّة، وأثبتت أنَّ الجغرافيا لا تُنتج مصيرًا نهائيًّا، بل تفتح احتمالاتٍ متعددة، يَصنعها الإنسان بإرادته ومؤسساته وقدرته على التنظيم.
فالمسافة اليوم لم تَعُد عائقًا وجوديًّا كما كانت في الأزمنة الغابرة، بل تحوَّلت بفعل ثورة الاتصالات، وشبكات النقل، والتقنيات الحديثة، إلى عنصرٍ قابلٍ للاحتواء والتجاوز. ولم يَعُد مقبولًا أن تُتَّخذ الجغرافيا ذريعةً لتبرير الانقسام، أو أن يُستدعى التفاوت المكاني لتسويغ التشظِّي السياسي؛ لأنَّ وحدة المصير الوطني تظلُّ الحقيقة الأرسخ، وما عداها مجرَّد أعراضٍ طارئةٍ قابلةٍ للمعالجة.
وتتجلَّى عبقريَّة ليبيا في اجتماع "الموقع" و"الموضع"؛ فهي من جهةٍ جسرٌ استراتيجيٌّ يربط بين إفريقيا وأوروبا، وبين المشرق والمغرب، وتُمثِّل نقطة ارتكازٍ في معادلات البحر المتوسط والصحراء الكبرى. ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ موضعها الطبيعي يختزن ثرواتٍ هائلة، لا يقتصر الحديث فيها على النفط والغاز، بل يمتد إلى إمكانات الطاقة الشمسيَّة التي تؤهِّلها لتكون مركزًا عالميًّا للطاقة المتجددة، فضلًا عن الثروة الحيوانيَّة، والزراعة البعليَّة، وتنوُّع المحاصيل بين الشمال والجنوب، بما يُرسِّخ مفهوم التكامل الاقتصادي، لا منطق التنافس الإقليمي الضيِّق.
إنَّ التاريخ الليبي نفسه يُفنِّد أوهام التجزئة؛ فحين طرق الاستعمار أبواب الوطن، لم تكن المواجهة شأنًا إقليميًّا محدودًا، بل تحوَّلت ليبيا كلُّها إلى خندقٍ واحد، تتكامل فيه الأدوار وتتوحَّد فيه الغاية. فالجبل الأخضر كان قلعة الصمود، وجبل نفوسة جبهة المقاومة الصلبة، وكانت فزَّان عمقًا استراتيجيًّا وسندًا لا ينقطع. ولم تكن الدماء التي سالت على امتداد التراب الليبي دماء مناطق متفرقة، بل كانت دم الوطن الواحد، تُعبِّر عن وعيٍ تاريخيٍّ عميق بأنَّ الدفاع عن الجزء هو حمايةٌ للكل، وأنَّ سقوط طرفٍ من الوطن إنما يُهدِّد بقاءه جميعًا.
كما أنَّ التنوُّع الاجتماعي والإثني في ليبيا لم يكن يومًا سببًا أصيلًا للتفكك، بل كان أحد عناصر ثرائها الحضاري. فالعرب، والأمازيغ، والتوارق، والتبو، وغيرهم من المكوِّنات الاجتماعيَّة، لم يعيشوا بوصفهم جزرًا منفصلة، بل انصهروا في بوتقة الانتماء الوطني، وشكَّلوا معًا الهويَّة الليبيَّة الجامعة. وقد أدرك المجتمع الليبي، بفطرته التاريخيَّة، أنَّ قوة الدولة لا تقوم على نفي التعدُّد، بل على إدارة هذا التعدُّد ضمن إطار الوحدة. ومن هنا ظلَّت القبيلة، في كثيرٍ من المراحل، عنصرَ توازنٍ اجتماعيٍّ وصمَّام أمان، وإن كانت قد تعرَّضت أحيانًا لتوظيفٍ سياسيٍّ أضرَّ بوظيفتها الطبيعيَّة، وحوَّلها من أداة استقرار إلى وسيلة استقطاب وصراع.
غير أنَّ الأزمة الليبيَّة الراهنة لا يمكن قراءتها من داخل الجغرافيا وحدها، ولا من خلال التاريخ وحده، بل من خلال تفاعل الداخل مع الخارج. فالانقسام المؤسسي، وتعدُّد مراكز الشرعيَّة، وتآكل الثقة بين الفاعلين السياسيين، ليست سوى نصف المشهد؛ أمَّا نصفه الآخر فيتمثَّل في التدخلات الإقليميَّة والدوليَّة التي جعلت ليبيا ساحةً مفتوحةً لتصارع المصالح والنفوذ. وهنا تكمن الخطورة الحقيقيَّة؛ إذ تتحوَّل هشاشة الداخل إلى مدخلٍ لهيمنة الخارج، ويصبح القرار الوطني رهينةً لحسابات الآخرين.
ولهذا، فإنَّ الحديث عن ليبيا الموحَّدة لا ينبغي أن يبقى في حدود الخطاب العاطفي أو الحنين التاريخي، بل يجب أن يتحوَّل إلى مشروع دولةٍ واضح المعالم. فالوحدة لا تُصنع بالشعارات، بل ببناء عقدٍ دستوريٍّ جامع، يُؤسِّس لشرعيَّةٍ متوافقٍ عليها، ويُعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف على أساس العدالة لا الهيمنة. كما أنَّ توحيد المؤسَّسات السياديَّة، وفي مقدِّمتها المؤسَّسة العسكريَّة والأمنيَّة، يظلُّ شرطًا لازمًا لقيام الدولة، إلى جانب مشروع تنميةٍ مكانيَّةٍ متوازنة، يُعيد توزيع الفرص والخدمات والثروة بين الأقاليم، ويمنع تحوُّل التفاوت التنموي إلى وقودٍ دائمٍ للأزمات.
ولا يقلُّ عن ذلك أهميَّةً مشروعُ مصالحةٍ وطنيَّةٍ حقيقيَّة، لا يقوم على التسويات المؤقتة، بل على الاعتراف المتبادل، وجبر الضرر، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. كما أنَّ تحييد التدخل الخارجي، واستعادة القرار الوطني المستقل، ليسا ترفًا سياسيًّا، بل شرطًا وجوديًّا لبقاء الدولة نفسها؛ إذ لا يمكن بناء وطنٍ مستقرٍّ بإرادةٍ مستعارة.
إنَّ ليبيا اليوم تقف عند مفترق طرق: إمَّا أن تُدرك قانون "الكليَّة"، حيث الوطن أكبر من الأقاليم، والدولة أسمى من المصالح العابرة، وإمَّا أن تستمرَّ في الدوران داخل حلقة التشظِّي واستنزاف الفرص. لقد منحتنا الجغرافيا الأرض، ومنحنا التاريخ الهويَّة، ومنحتنا التقنية وسائل الاتصال، ولم يبقَ إلا أن نمتلك إرادة البناء. فليبيا القويَّة الموحَّدة ليست مجرَّد خيارٍ سياسي، بل ضرورةٌ وجوديَّةٌ في عالمٍ لا يَعترف إلا بالكيانات المتماسكة والدول القادرة على حماية نفسها وصناعة مستقبلها.



اضف تعليق