يقدم الكاتب رؤية استراتيجية لإعادة تعريف مفهوم الشرق الأوسط بعيداً عن الخرائط التاريخية الاستعمارية، طارحاً نظرة وظيفية وحضارية تعتمد على التداخل الاقتصادي، الأمني، والجغرافي. ويرسم المقال معالم فضاء شرق أوسطي للمواطنة والمصالح والأمن المشترك يمتد بين حدود أربع محددة، مع التمييز الواضح بين القلب الجيوسياسي للإقليم ودوائر جواره الاستراتيجي...

حين نتحدث عن إقامة فضاء شرق أوسطي للمواطنة والمصالح والأمن المشترك، فإن السؤال الأول الذي ينبغي الإجابة عنه هو: ما الشرق الأوسط الذي نتحدث عنه؟ فمصطلح الشرق الأوسط لم يولد بوصفه مفهومًا جغرافيًا طبيعيًا ذا حدود متفق عليها، وإنما تشكل تاريخيًا في الأدبيات السياسية والاستراتيجية الغربية، وتغير نطاقه بتغير المصالح الدولية وموازين القوى. ولهذا فإن استخدامه في مشروع إقليمي جديد يقتضي إعادة تعريفه انطلاقًا من الجغرافيا والمصالح والترابط الاقتصادي والأمني، لا من الخرائط التي رسمتها القوى الكبرى في مراحل سابقة.

والنطاق الذي نقترحه للشرق الأوسط يمتد من باكستان شرقًا إلى مصر غربًا، ومن تركيا شمالًا إلى اليمن جنوبًا، مع اعتبار الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر وشرق المتوسط فضاءات مائية أساسية في تكوينه. ولا يعني ذلك الادعاء بأن جميع الدول الواقعة في هذا المجال تنتمي إلى هوية قومية أو دينية واحدة؛ فالعكس هو الصحيح. هذا فضاء متعدد القوميات والأديان والمذاهب واللغات والثقافات، لكن وحدته المقترحة تنشأ من الجوار والترابط والمصالح والمصير الأمني المشترك.

وقد يبدو إدخال باكستان في هذا النطاق غير مألوف وفق التعريف التقليدي للشرق الأوسط، لكنها تمثل حالة تستحق إعادة النظر في الحدود القديمة للمفهوم. فباكستان تجاور إيران مباشرة، وتطل على بحر العرب المتصل بالخليج ومضيق هرمز، وتتداخل مصالحها الأمنية مع إيران ودول الخليج، وترتبط بعلاقات عسكرية واقتصادية وثيقة بالسعودية، وأصبحت اليوم أحد الأعضاء المؤسسين لاتفاقية مكة مع السعودية وتركيا. وبذلك لم تعد باكستان مجرد دولة في جنوب آسيا بعيدة عن التوازنات الشرق أوسطية، بل أصبحت جزءًا مباشرًا من إحدى أهم البنى الأمنية الناشئة في المنطقة.

وهذا لا يعني أن الامتداد ينبغي أن يستمر شرقًا بلا حدود. فبنغلاديش مثلًا، رغم أنها كانت حتى عام 1971 جزءًا من باكستان تحت اسم باكستان الشرقية، تقع خارج النطاق الجيوسياسي الذي نتحدث عنه. فهي تنتمي جغرافيًا واستراتيجيًا إلى فضاء خليج البنغال وجنوب آسيا، وتفصلها الهند عن المجال الإيراني–الخليجي. ولذلك فإن اهتمامها المحتمل باتفاقية مكة قد يجعلها شريكًا في الاتفاق، لكنه لا يجعلها بالضرورة جزءًا من الإقليم الشرق أوسطي. وهنا يظهر الفرق بين حدود التحالف وحدود الإقليم.

أما في الغرب، فتشكل مصر الحد الطبيعي الآخر لهذا الفضاء. فمصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، وإنما هي عقدة استراتيجية تصل شرق المتوسط بالبحر الأحمر عبر قناة السويس، وتصل المشرق العربي بشمال أفريقيا، وتتحكم في أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ولذلك يصعب تصور منظومة اقتصادية أو أمنية شرق أوسطية مكتملة من دون مصر.

وفي الشمال تشكل تركيا الحد الجيوسياسي الطبيعي للإقليم، ليس فقط لأنها متداخلة تاريخيًا وسياسيًا مع سوريا والعراق وإيران، وإنما لأنها تمثل البوابة البرية الكبرى بين الشرق الأوسط وأوروبا، وتمتلك اقتصادًا وصناعة دفاعية وقوة عسكرية تجعلها إحدى القوى الرئيسية في أي توازن إقليمي مستقبلي.

وفي الجنوب يمثل اليمن الحد العربي المطل على بحر العرب وباب المندب، ومن خلاله يتصل الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس. وما أثبتته أزمات السنوات الأخيرة هو أن الأمن الخليجي وأمن البحر الأحمر لا يمكن فصلهما عن اليمن، وأن باب المندب ليس ممرًا يمنيًا أو عربيًا فحسب، وإنما شريان اقتصادي عالمي يجعل استقرار اليمن جزءًا عضويًا من استقرار الإقليم كله.

وبين هذه الحدود الأربع يقع القلب الجيوسياسي للمنظومة: إيران، والعراق، والسعودية ودول الخليج، وسوريا، والأردن، ولبنان، وفلسطين. وهنا تتقاطع أهم مصادر الطاقة، والممرات البرية والبحرية، وأكبر التوترات السياسية والمذهبية والقومية، وفي الوقت نفسه أكبر إمكانات التكامل الاقتصادي والأمني.

ومن الضروري هنا التمييز بين النطاق الجيوسياسي للإقليم ودوائر جواره. فالقرن الأفريقي، مثلًا، لا ينبغي بالضرورة إدخاله في مفهوم المواطنة الشرق أوسطية، لكنه يمثل دائرة جوار استراتيجية لا يمكن تجاهلها. جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان تقع على الضفة الأخرى من البحر الأحمر وباب المندب، ولذلك يرتبط أمنها مباشرة بأمن الممر البحري الممتد إلى قناة السويس. وينطبق شيء مشابه على آسيا الوسطى والقوقاز وشرق المتوسط؛ فهي دوائر تتفاعل مع الإقليم من دون أن تكون كلها جزءًا من قلبه الجيوسياسي.

وهذا التعريف يسمح لنا أيضًا بتجنب خطأ أخطر، هو تحويل الشرق الأوسط إلى فضاء إسلامي. فالمعيار هنا ليس الدين. إيران ذات أغلبية شيعية، وتركيا وباكستان والسعودية ذات أغلبية سنية، وفي الإقليم مسيحيون ويهود وأيزيديون وصابئة ومكونات دينية وقومية متعددة. ولذلك فإن أي نظام إقليمي يبنى على الهوية المذهبية أو الدينية سيعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه.

أما فلسطين فتحتل موقعًا مركزيًا في هذا التصور، ولا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر مع إبقاء القضية الفلسطينية جرحًا مفتوحًا ومصدرًا دائمًا للحرب. ومن هنا يرتبط تصورنا بمشروع الدولة الواحدة في فلسطين الكبرى، التي تضمن المواطنة المتساوية والحقوق السياسية والإنسانية لسكانها، وتستطيع عندئذ أن تدخل النظام الإقليمي بوصفها دولة طبيعية خاضعة للقواعد نفسها التي تخضع لها بقية دوله، لا بوصفها قوة تتمتع باستثناء دائم من قواعد السيادة والأمن المشترك.

وبهذا يصبح تعريف الشرق الأوسط تعريفًا وظيفيًا حضاريًا بقدر ما هو جغرافي. فالإقليم ليس مجرد مجموعة دول متجاورة، وإنما مساحة تستطيع أن تتحول إلى شبكة مترابطة من البشر والأسواق والطاقة والموانئ والطرق والسكك الحديدية والصناعات والاستثمارات والمصالح الأمنية. ومن هنا تأتي فكرة المواطنة الشرق أوسطية بوصفها طبقة إضافية من الانتماء والتعاون لا تلغي المواطنة الوطنية، وتأتي المنظومة الاقتصادية لتخلق المصالح المشتركة، ثم تأتي المنظومة الأمنية لحماية تلك المصالح.

وهكذا يمكن رسم حدود المشروع بوضوح: باكستان شرقًا، مصر غربًا، تركيا شمالًا، واليمن جنوبًا؛ وفي القلب إيران والعراق والخليج وبلاد الشام وفلسطين، وحول هذا القلب دوائر جوار تتعاون معه من دون أن يلزم أن تصبح جزءًا منه.

هذه ليست محاولة لرسم خريطة سياسية جديدة أو تغيير حدود الدول، وإنما محاولة لإعادة اكتشاف الجغرافيا القائمة من زاوية المصالح المشتركة. فالشرق الأوسط الذي عانى طويلًا من كونه ساحة تتصارع عليها القوى الخارجية يستطيع أن يعيد تعريف نفسه بوصفه إقليمًا يمتلك مركزه الخاص، ومصالحه الخاصة، ومؤسساته الاقتصادية والأمنية الخاصة.

وعندها لا يكون السؤال: من ينتمي إلى أي محور؟ بل يصبح: من يعيش داخل هذا الفضاء، وما المصالح التي تجمع سكانه ودوله، وكيف نحول الجوار من مصدر للخوف والصراع إلى مصدر للقيمة والازدهار والأمن المشترك؟ وهذا، في جوهره، هو الأساس الجيوسياسي للمشروع الذي ندعو إليه.

اضف تعليق