الحكم في العراق لا يمكن اعتباره منصباً سياسياً ينتهي بمغادرة القصر الحكومي، إذ يتحول إلى محكمة شعبية مفتوحة يحاكم فيها الناس الحاكم على ما تركه في حياتهم من أثر، لا على ما قاله في خطاباته؛ فالأثر الإنساني والوطني هو الذي يخلد، والمجد الحقيقي تصنعه العدالة والخدمة والنزاهة والرحمة...
الحكم في العراق يبدو مختلف تماما عن البلدان الأخرى، فلا يمكن اعتباره منصب سياسي ينتهي بتسليم السلطة أو مغادرة القصر الحكومي، اذ يتحول مع مرور الزمن إلى محكمة شعبية مفتوحة، يحاكم فيها الناس الحاكم على ما تركه في حياتهم من أثر، لا على ما قاله في خطاباته أو رفعه من شعارات.
ولهذا فإن أغلب من تعاقبوا على حكم العراق في العهد الحديث، خرجوا من مناصبهم وهم يجرون خلفهم غضب الناس وسخط الشارع، حتى أصبح كثير منهم يُذكر مقرونا بالفشل أو القمع أو الفساد أو الخراب.
وفي المقابل يبقى القليل فقط ممن استطاعوا أن يتركوا ذكرا حسنا في وجدان الشعب، لأنهم أدركوا أن السلطة زائلة، لكن الأثر الإنساني والوطني هو الذي يخلد في ذاكرة الأمم.
الشعوب ومن بينها العراقيين بطبيعتها لا تكره الحاكم لمجرد أنه حاكم، لكنها تريد من يشعر بآلامهم ويحفظ كرامتهم ويوفر لهم حياة تليق بيهم وبتاريخ البلد "العراق مثلا"، ولذلك نجد أن أي مسؤول يقترب من الناس بصدق ويعمل لمصلحتهم ويحترم معاناتهم، يبقى حاضرا في ذاكرتهم حتى بعد رحيله عن المنصب، بينما يتحول غيره إلى صفحة سوداء يطويها الناس باللعنات والدعوات الساخطة.
لقد مر على العراق خلال العقود الأخيرة رؤساء حكومات وقادة كُثر، بعضهم امتلك القوة المطلقة، وبعضهم حكم في ظروف استثنائية ومعقدة، لكن المحصلة النهائية لم تكن بعدد سنوات الحكم ولا بحجم النفوذ، فقد كانت في ما تحقق للمواطن البسيط، فالناس لا تتذكر مواكب المسؤولين، ولا القصور التي يسكنوها، لكنها لا يمكن ان تنسى من بنى مدرسة أو أصلح شارعا، أو حفظ دماء العراقيين، أو وقف مع الفقراء في الأزمات.
وفي مجتمعات أنهكتها الحروب والأزمات، يصبح الذكر الحسن عملة نادرة، فالمواطن العراقي لم يعد يبحث عن الخطب الرنانة، بقدر بحثه عن مسؤول يترك أثرا طيبا بعد رحيله، ولهذا السبب نجد أن كثيرا من الحكام ما إن يغادروا السلطة حتى تتبدل حولهم الهتافات، لأن العلاقة التي بُنيت على الخوف أو المصالح لا يمكن أن تدوم.
أما القائد الذي يزرع احترامه في قلوب الناس، فإنه لا يحتاج إلى جيوش إلكترونية ولا إلى حملات دعائية كي يبقى حاضرا، فالشعوب تحفظ أسماء من خدمها بصدق، حتى وإن اختلفت معهم سياسيا، والتاريخ العراقي مليء بشخصيات سياسية وإدارية بقيت محل تقدير بسبب مواقفها الإنسانية أو نزاهتها أو قربها من الناس، رغم اختلاف الظروف والعصور.
ولعل المشكلة الكبرى لدى كثير من الساسة في العراق أنهم انشغلوا بتثبيت سلطتهم أكثر من انشغالهم بتثبيت مكانتهم في قلوب الناس، ظنا منهم أن القوة كافية لصناعة المجد، بينما أثبتت التجارب أن المجد الحقيقي تصنعه العدالة والخدمة والنزاهة والرحمة.
وعلى المسؤول ان يدرك ان الشعوب قد تصبر طويلا على الأزمات، لكنها لا تنسى من تسبب بها، كما لا تنسى من حاول تخفيفها عنها، ولهذا فإن الذكر الحسن ليس أمرا عابرا أو ترفا أخلاقيا، انما هو خلاصة العلاقة بين الحاكم وشعبه، وعنوان للحقيقة التي لا يمكن تزويرها مهما تغيرت الروايات السياسية.
يبقى السؤال الذي يلاحق كل من يجلس على كرسي السلطة في العراق: كيف يريد أن يتذكره الناس بعد الرحيل؟ فإما أن يكون اسما يمر على الألسن بالدعاء والاحترام، أو ذكرى ثقيلة تستحضر معها اللعنات والخيبات.



اضف تعليق