إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم لا يتمثل في تغيير الحكومات أو إعادة توزيع السلطة بين القوى السياسية، بل في الانتقال إلى مرحلة جديدة من التفكير في بناء الدولة الحضارية الحديثة؛ دولة تقوم على العلم والإدارة الرشيدة والإنتاج الاقتصادي الحقيقي، وتستند إلى منظومة قيم عليا تشمل الحرية والعدالة والمساواة والمسؤولية والإتقان والتضامن والتسامح والسلام والإبداع....
يمثل ٩ نيسان ٢٠٠٣ لحظة مفصلية في التاريخ العراقي الحديث. ففي هذا اليوم سقطت دكتاتورية استمرت عقودًا طويلة، وكان إسقاطها حلمًا يراود كثيرين منذ عودة حزب البعث إلى الحكم في ١٧ تموز ١٩٦٨. فقد كشفت التجربة المبكرة مع هذا الحزب عام ١٩٦٣ طبيعته الفكرية والسياسية، بوصفه حزبًا بدائيًا في نظرته إلى الدولة والمجتمع، بعيدًا عن قيم الحداثة السياسية والديمقراطية والحياة الحضارية. ولهذا لم تكن عودته إلى السلطة عام ١٩٦٨ تحمل أي بشارة خير لمستقبل العراق.
وعلى مدى خمسة وثلاثين عامًا حاول كثيرون، في الداخل والخارج، بل ومن داخل النظام نفسه أحيانًا، إسقاط الدكتاتورية التي تمركزت في شخص صدام حسين بعد أن استولى على الحزب والدولة معًا. لكن تلك المحاولات لم تفلح، حتى بدأ يتشكل خوف حقيقي من أن يتحول الحكم إلى ملكية وراثية غير معلنة، عبر انتقال السلطة إلى أحد أبناء صدام.
وفي النهاية جاءت لحظة السقوط في ٩ نيسان ٢٠٠٣ على يد الولايات المتحدة لأسباب تتعلق باستراتيجيتها ومصالحها، ودخل العراق بعدها في مرحلة الاحتلال التي انتهت رسميًا في ٢٨ حزيران ٢٠٠٤ مع حل سلطة الائتلاف المؤقتة ورحيل الحاكم المدني بول بريمر.
كان الأمل الذي انعقد يومها أن يشكل سقوط الدكتاتورية بداية طريق نحو الحرية والحياة الطيبة في ظل نظام ديمقراطي وحكومة رشيدة. غير أن ما حدث بعد ذلك كشف أن إزالة الدكتاتورية لا تعني بالضرورة قيام الدولة السليمة. فقد ارتكبت أخطاء جسيمة من أطراف متعددة، من الولايات المتحدة إلى القوى السياسية العراقية إلى قطاعات اجتماعية مختلفة، فتشكلت تدريجيًا طبقة سياسية ضعيفة الكفاءة ومثقلة بالفساد، وانحدرت الدولة إلى مستويات متدنية في الإدارة والخدمات والاقتصاد والثقة العامة.
لكن المشكلة العراقية أعمق من مجرد فساد أو سوء إدارة. فهذه الظواهر ليست سوى أعراض لمرض أعمق هو التخلف الحضاري. والمقصود بالتخلف هنا ليس مجرد التأخر الاقتصادي أو التقني، بل الخلل الحاد في البنية الحضارية التي يقوم عليها المجتمع والدولة.
فقيام أي دولة حديثة يحتاج إلى ما يمكن تسميته المركب الحضاري الذي يتكون من خمسة عناصر أساسية: الإنسان، والأرض، والزمن، والعلم، والعمل. وعندما يختل التوازن بين هذه العناصر أو تضعف فعاليتها، تدخل المجتمعات في حالة من العجز البنيوي عن إنتاج دولة مستقرة وفاعلة.
وقد عاش العراق، مثل كثير من بلدان المنطقة، قرونًا طويلة من الانقطاعات الحضارية والاحتلالات والصراعات التي عطلت التراكم التاريخي الضروري لبناء مؤسسات حديثة مستقرة. ولهذا فإن سقوط الدكتاتورية في ٢٠٠٣ كان شرطًا ضروريًا لبداية التحول، لكنه لم يكن شرطًا كافيًا لتحقيقه.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم لا يتمثل في تغيير الحكومات أو إعادة توزيع السلطة بين القوى السياسية، بل في الانتقال إلى مرحلة جديدة من التفكير في بناء الدولة الحضارية الحديثة؛ دولة تقوم على العلم والإدارة الرشيدة والإنتاج الاقتصادي الحقيقي، وتستند إلى منظومة قيم عليا تشمل الحرية والعدالة والمساواة والمسؤولية والإتقان والتضامن والتسامح والسلام والإبداع.
غير أن هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق بقرارات حكومية أو إصلاحات إدارية جزئية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى نقاش وطني فكري عميق حول طبيعة الدولة التي يريدها العراقيون لمستقبلهم، وهو نقاش لم يتبلور بعد بالصورة التي تليق بحجم التحدي.
ومن هنا يمكن فهم الطبيعة المركبة لذكرى ٩ نيسان في الوجدان العراقي. فهي لحظة فرح بسقوط دكتاتورية قاسية، لكنها في الوقت نفسه لحظة تأمل في الطريق الطويل الذي ما يزال ينتظر العراقيين لبناء الدولة الحضارية التي تليق بتاريخ هذا البلد ودوره في مسيرة الحضارة الإنسانية.
ولهذا يبقى السؤال الذي يطرحه ٩ نيسان بعد أكثر من عقدين على حدوثه سؤالًا مفتوحًا: كيف ينتقل العراق من مرحلة إسقاط الدكتاتورية إلى مرحلة بناء الدولة الحضارية الحديثة؟ هذا السؤال، في جوهره، هو السؤال الحقيقي لمستقبل العراق.



اضف تعليق