القضية تتجاوز كونها مشاعر وطنية تغيّب الخلافات الداخلية لمواجهة التحديات الخارجية، الى مسألة وجودية يعيشها جميع افراد الشعب الايراني على طول الخط، فان كانت ثمة مطالبات شعبية بتحسين الخدمات، ومعارضة سياسية للنظام الحاكم، فان الرغبة تتجه الى التغيير بأيدي ايرانية بحتة...
عندما كنت أتابع ردود فعل المواطنين الايرانيين المتضررين من عمليات القصف الجوي "الصهيو اميركي"، تقفز الى ذهني ذكريات من أول رد فعل لهؤلاء إزاء أول كلمة جماهيرية يلقيها قائد ثورتهم الاسلامية ضد نظام الشاه في لقاء حاشد في مقبرة "جنة الزهراء" جنوب طهران، صبيحة اليوم الاول من شهر شباط عام 1979 بعد ساعات من وصوله الى ايران قادماً من باريس، فيما كانت مؤسسات نظام الشاه ما تزال قائمة تلفظ انفاسها الاخيرة.
الامام الخميني، وهي الكنية التي أطلقها الناس عليه منذ بدايات أحداث الثورة، وتمسكوا بها حتى اليوم، تحدث بكلام طويل عن اسباب اندلاع الثورة، ومعارضته لنظام الشاه، كما تحدث عن بطولات الشعب الايراني، والكلمة الأبرز ذات الدلالة: "أريد أن أجعل من المواطن الايراني سيداً بعد أن حوله الشاه عبداً"، فهبّ الناس بالتصفيق الحار، ولكن المحيطين بالامام الخميني على منصّة الخطاب، استدركوا الموقف موجهين الناس باستبدال التصفيق بهتافات "الله أكبر"، ليتحول هذا الهتاف لغةً لمشاعر الشعب الايراني حيال أي خطاب حماسي يدغدغ عواطفهم ويلامس شغاف قلوبهم.
منذ ذلك الحين والعالم يتابع احداث ايران بوجهين: الدولة ومؤسساتها الرسمية، والثورة وقيمها وشعاراتها مع ابنائها واحفادها، ولعل ما ميّز الحدث الايراني عالمياً خلال أيام الحرب التي وضعت أوزارها أخيراً؛ هذه الثنائية الفريدة، الى جانب آثار الحرب على الاقتصاد والأمن العالميين، فالاعلام والسياسة في العالم تتعامل حيناً مع تصريحات وزير الخارجية؛ عباس عراقجي، فيما تبحث أجهزة المخابرات عن قادة البلد لتحديد مواقعهم واستهدافهم، وحيناً آخر تشاهد عبر مقاطع الفيديو مشاهد غير مألوفة لأطفال يتبرعون بما جمعته صناديق توفيرهم من اوراق نقدية للمجهود الحربي، أو نساء يصرخن بالهتاف ضد الولايات المتحدة واسرائيل، وهنّ بين متشحة بالعباءة أو مطلقة شعرها دون غطاء، وهذه بحد ذاتها تعد نقطة تحول اجتماعي كبير ليس نحو الحرية وتوظيفها السياسي المعهود، بقدر ما هو توحيد للمشاعر الوطنية في الشارع.
المشهد الاول سهل التعامل معه، بيد أن المشهد الثاني يصعب تفسيره، فما الذي جمع المعارضين والمؤيدين للنظام الحاكم تحت خيمة الصمود والتحدي للعدوان العسكري عليهم؟
إنه ليس سوى تلكم القيم التي ورثها الاحفاد من الاجداد طوال حوالي سبعة و اربعين سنة، وللعلم فان استذكار هذا الرقم من قبل الرئيس ترامب بين فترة واخرى لم يأت اعتباطاً، كما أن معظم تصريحاته لم تأت هي الأخرى اعتباطاً او هذراً، بقدر ما تعبر عن محاولات حثيثة في مراكز الابحاث والدراسات الخاصة بالمجتمع الايراني لفهم طبيعة ما يجري داخل ايران بالضبط، فالذي يقود ايران ليس شخصاً أو اشخاصاً من الدبلوماسيين او ضباط من حرس الثورة او غيرهم فقط، وهم في الواجهة قطعاً، بل القيادة الحقيقية في الشارع لشخصية الانسان الايراني العنيد، والصبور، والذكي الذي يتصرف بعيداً عن الضجيج والتهور، وهذه الصفات وغيرها يعدها ضمن حزمة صفات أخلاقية تجعله أصيلاً ذو هوية حضارية خاصة.
وهذه ليست المرة الاولى التي ينتصر فيها الشعب الايراني بهذا المشاعر الوطنية والحضارية في هذه الحرب المفروضة، إنما جرب الانتصار في حرب مفروضة سبقتها في ثمانينات القرن الماضي، واستمرت ثمان سنوات، أوهم فيها صدام نفسه وفق الحسابات العسكرية والسياسية أنه انتصر بإجبار ايران على القبول بالقرار الأممي رقم (598) لوقف إطلاق النار، بيد أن المنتصر الحقيقي كان الشعب الايراني في البداية، ثم سجلت الدولة الايرانية انتصارها بعد مضي عامين فقط عندما عاد صدام وسلّم انتصاره الموهوم اليهم باعترافه باتفاقية الجزائر التي مزقها بيده عام 1980، وبعد أن لحقت الهزيمة المنكرة بالشعب العراقي أولاً، ثم بنظام صدام فيما بعد وليتحول الى خبر كان، بينما الشعب الايراني انتقل من أجواء الحرب الى البناء والإعمار والازدهار، فيما حلق النظام السياسي نحو العالم في اتفاقيات ومعاهدات اقتصادية وسياسية، بينما العراق بدأ انحداره نحو الجوع والتخلف والموت البطيء حتى عام 2003.
صحيح ان الشعب الايراني قدم تضحيات جسام طيلة العقود الخمسة الماضية، لكنه أدرك أن تضحياته تعد ثمنا لابد له لمواجهة قوى تتربص به لاعادته الى عهد العبودية والميوعة والتخلف.
هذه المعنويات العالية قائمة على معادلة دقيقة تنظم العلاقة الايجابية بين المجتمع والنظام الحاكم الخالية من مشاعر الكراهية والقلق والخوف بين الجانبين كما نشهده في العلاقة بين الشعوب العربية وحكامها الطغاة طيلة العقود الماضية، فالشعب الايراني لم يتعرض للتسفير، ثم الإبادة الجماعية كما صنع صدام بالشعب العراقي، ولم يتعرض للاعتقالات كما صنع حسني مبارك مع الشعب المصري، ولم يتعرض للكبت والارهاب كما صنع بشار الأسد مع الشعب السوري، ولم يتعرض للتمييز الطائفي كما يصنع حكام البحرين والسعودية، وما يزالون، بل العكس تماماً؛ حرص النظام السياسي في ايران على وحدة وتماسك الشعب الايراني المتعدد الاعراق والقوميات والاديان، و ضخّ روح الثقة والاعتداد بالنفس تحت عنوان الدين والعقيدة تارةً، وتحت عنوان الوطن والحضارة تارةً اخرى، بلى؛ حصلت اعتقالات للمعارضين السياسيين، فالثورة في ايران لم تنتج نظاماً سياسياً يطبق نظرية "المدينة الفاضلة"، كما أن هذه الاعتقالات لم تكن لتعبر عن نظام بوليسي وجمهورية رعب تطرق ابواب بيوت الناس جميعاً.
فالقضية تتجاوز كونها مشاعر وطنية تغيّب الخلافات الداخلية لمواجهة التحديات الخارجية، الى مسألة وجودية يعيشها جميع افراد الشعب الايراني على طول الخط، فان كانت ثمة مطالبات شعبية بتحسين الخدمات، ومعارضة سياسية للنظام الحاكم، فان الرغبة تتجه الى التغيير بأيدي ايرانية بحتة، كما حصل عام 1979، وليس بأيدي وأموال خارجية كما يحصل في بلدان عديدة بالعالم، بمعنى أن المواطن الايراني يأبى لنفسه ان يكون مرتزقاً ينفذ اجندات خارجية مقابل الحصول على بعض المصالح الشخصية او الفئوية او حتى القومية كما يحصل في بلدان اخرى.
وأجد من المناسب تذكير القارئ العزيز بموقف المرشح لرئاسة الجمهورية في ايران؛ مير حسين موسوي خلال أزمة الشكوك بنتائج الانتخابات عام 2009، وما أعقبها من أحداث عنف بين مؤيدين له ولاتهامه الجهات الحكومية بتزوير النتائج، وبين المؤسسة الامنية والقضائية، وفي ردّه على تلميحات خارجية بدعمه اعلامياً وسياسياً مقابل التخلّي عن البرنامج النووي السلمي، فكان ردّه بالرفض القاطع في خطاب جماهيري في حينها، علماً أنه تعرض للاعتقال مع رموز سياسيين مناصرين له بتهمة التحريض على زعزعة الامن في البلاد.
وعليه نقول: الى جانب التغيرات الكبيرة على الصعيد الجيوسياسي التي افرزتها الحرب الاخيرة، فان تغيرات كبيرة جداً اخرى حصلت على الصعيد الاجتماعي داخل ايران، فبعد أن جرّب المجتمع الايراني تضييق الفوارق الطبقية خلال الحرب العراقية –الايرانية لاحتواء آثار الحصار الاقتصادي العالمي على بلدهم، يجربون اليوم وبنجاح تضييق الفوارق الثقافية بين المرأة صاحبة الثقافة الدينية –مثلاً- ونظيرتها صاحبة الثقافة المتحررة وغير الملتزمة بالحجاب، وبين من يقدس القائد الأوحد، وبين معارض لهذه الثقافة، كما حصل مع عودة مخرج سينمائي معروف عالمياً (جعفر بناهي)، الى ايران رغم صدور حكماً بالسجن عليه لتحريضه على نظرية "ولاية الفقيه"، ومعارضته الشديدة للنظام السياسي الحاكم، ونساء ورجال آخرين قدموا من الغرب الى ايران مؤكدين أنهم يعارضون الحكومة، لكنهم لا يعارضون وطنهم وأرضهم.



اضف تعليق