إن هذه الحرب لا تتجه، وفق معطياتها الحالية، إلى نصر حاسم لأي طرف، بل إلى واحدة من نهايتين: إما تسوية خشنة يولدها التعب المتبادل والخوف من التوسع، أو تصعيد أكبر يفرض لاحقاً تسوية أكثر إيلاماً، وفي كلتا الحالتين فإن ما يجري ليس مجرد صراع عسكري، بل لحظة إعادة تشكيل للتوازنات في الشرق الأوسط...
بعد نحو ثلاثين يوماً من الحرب، يُطرح السؤال الملح في الشرق الأوسط: كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب من دون أن تتحول إلى حريق إقليمي شامل؟ فالمواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجاوزت منذ أيامها الأولى منطق “الضربة الحاسمة”، ودخلت في منطق أكثر تعقيداً: صراع الإرادات، وقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة، قبل قدرته على تحقيق النصر.
الخيار الأول، وهو استسلام إيران للإرادة الأميركية والإسرائيلية، يبدو اليوم أبعد الخيارات عن التحقق، ليس فقط بسبب ما أظهرته إيران من قدرة على الصمود خلال شهر كامل من الحرب، بل لأن طبيعة الأنظمة التي تخوض حروباً بهذا الحجم لا تسمح لها بالانكسار السريع، إذ إن الاستسلام في هذه الحالة لا يعني خسارة عسكرية فحسب، بل يهدد البنية السياسية والرمزية للنظام نفسه، ولهذا فإن الرهان الإيراني لم يكن يوماً على التفوق العسكري المباشر، بل على الصبر الاستراتيجي، وعلى إطالة أمد الصراع إلى الحد الذي تصبح فيه كلفته على الخصوم أعلى من قدرتهم على تحمّله، ومع ذلك فإن استبعاد الاستسلام لا يعني استبعاد التراجع الجزئي، فالتاريخ يُظهر أن الدول قد ترفض الهزيمة الشاملة لكنها تقبل بتسويات مؤلمة تحفظ بقاءها وتمنع انهيارها.
أما الخيار الثاني، وهو تحوّل الحرب إلى حرب استنزاف طويلة، فهو الخيار الذي بدأ يتحقق فعلياً، لأن الحرب فقدت طابعها الخاطف وأصبحت اختباراً مفتوحاً للقدرة على الاحتمال، فإيران تراهن على الزمن، وعلى اضطراب أسواق الطاقة، وعلى حساسية الرأي العام في الغرب تجاه الحروب الطويلة، وعلى هشاشة التوازنات في المنطقة، في حين تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على تفوقهما العسكري والتكنولوجي، وعلى إمكانية إنهاك القدرات الإيرانية تدريجياً، غير أن هذا الخيار يحمل في داخله تناقضه الخاص، فهو قابل للاستمرار لكنه غير قابل للاستقرار، لأن كل يوم إضافي في حرب الاستنزاف يرفع احتمال انزلاقها إلى مواجهة أوسع، سواء عبر اتساع رقعة الاشتباك إقليمياً، أو عبر خطأ في الحسابات يقود إلى تصعيد غير محسوب، ولهذا فإن حرب الاستنزاف ليست نهاية، بل ممر بين نهايتين: إما تسوية سياسية، أو انفجار أكبر.
الخيار الثالث، وهو التوصل إلى اتفاق (تسوية سياسية؟) لا يحقق نصراً حاسماً لأي طرف، بل يوقف إطلاق النار ويعيد الإقليم إلى حالة أقل توتراً، يبدو الأكثر واقعية من حيث المنطق الاستراتيجي، لكنه الأكثر تعقيداً من حيث الشروط، لأن كل طرف يحتاج إلى “رواية انتصار” داخلية حتى وهو يذهب إلى التسوية، فالولايات المتحدة تحتاج إلى إقناع جمهورها بأنها فرضت ثمناً على إيران وقلّصت تهديدها، وإيران تحتاج إلى إظهار أنها صمدت ولم تُكسر، وإسرائيل تحتاج إلى ضمانات بأن هذه الجولة لن تعيد إنتاج التهديد نفسه في وقت قريب، وهذا النوع من الاتفاقات لا يُنهي الصراع، بل يعيد تنظيمه ويؤجله، وهو أقرب إلى نزع فتيل الأزمة منه إلى صناعة سلام حقيقي.
غير أن المشهد لا يكتمل بهذه الخيارات الثلاثة وحدها، فهناك احتمال رابع غالباً ما يسبق التسويات الكبرى، وهو “التصعيد الأخير قبل التفاوض”، حيث يلجأ أحد الأطراف، أو كلاهما، إلى رفع مستوى العنف في لحظة معينة، ليس بهدف الحسم، بل لتحسين موقعه على طاولة التفاوض، فالتاريخ الحديث للحروب يُظهر أن كثيراً من الاتفاقات لا تولد في لحظات التهدئة، بل بعد جولات تصعيد حادة يسعى فيها كل طرف إلى تسجيل “نقطة أخيرة” قبل الانتقال إلى السياسة.
الخلاصة أن هذه الحرب لا تتجه، وفق معطياتها الحالية، إلى نصر حاسم لأي طرف، بل إلى واحدة من نهايتين: إما تسوية خشنة يولدها التعب المتبادل والخوف من التوسع، أو تصعيد أكبر يفرض لاحقاً تسوية أكثر إيلاماً، وفي كلتا الحالتين فإن ما يجري ليس مجرد صراع عسكري، بل لحظة إعادة تشكيل للتوازنات في الشرق الأوسط، حيث يتحدد ليس فقط من يربح هذه الحرب، بل كيف ستُدار صراعات المنطقة في السنوات القادمة.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم هو: من سيقتنع أولاً بأن كلفة الاستمرار في الحرب أصبحت أعلى من كلفة التوقف عنها، لأن الحروب الكبرى في عالم اليوم لا تنتهي دائماً بانتصار كامل، بل كثيراً ما تنتهي حين يصل الجميع إلى هذه القناعة.



اضف تعليق