ليستْ هناكَ في العلاقاتِ الدوليةِ نقطةُ لا عودةٍ بالمطلقِ، لأنَّ الأبوابَ التي لا تُستثمرُ في الوقتِ المناسبِ لا تبقى مفتوحةً للأبدِ، بل تضيقُ تدريجياً. إنَّ التحديَ الحقيقيَّ يكمنُ في الانتقالِ من نموذجِ إدارةِ الاشتباكِ إلى نموذجِ إدارةِ الاندماجِ، وتحويلِ الصمودِ إلى نقطةِ انطلاقٍ لإعادةِ بناءِ العلاقةِ مع العالمِ على أسسٍ جديدةٍ...
ليست هناك في العلاقات الدولية “نقطة لا عودة” بالمعنى المطلق، لأن الدول لا تتحرك وفق مشاعر ثابتة، بل وفق مصالح متغيرة، وما يبدو اليوم جداراً مغلقاً قد يتحول غداً إلى باب مفتوح إذا تغيّرت الحسابات، غير أن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها طمأنينة مجانية، لأن الأبواب التي لا تُستثمر في الوقت المناسب لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، بل تضيق تدريجياً حتى تتحول إلى مسارات شديدة الكلفة أو شبه مستحيلة.
في هذا السياق، يبرز السؤال: هل وصلت إيران إلى لحظة لا يمكن فيها تعديل مسارها، أم أن الباب ما زال مفتوحاً لإعادة التموضع داخل النظام الدولي؟ الجواب الواقعي هو أن الباب ما زال موجوداً، لكنه لم يعد واسعاً، وأن إيران تقف اليوم عند لحظة فاصلة بين خيارين: إما أن تستثمر ما تبقى من هامش المناورة لإعادة تعريف موقعها، أو أن تستمر في مسار يؤدي تدريجياً إلى تضييق هذا الهامش حتى يفقد معناه.
إن موقع إيران الحالي لا يمكن وصفه بالعزلة الكاملة، كما لا يمكن اعتباره اندماجاً في النظام الدولي، بل هو موقع وسيط يتسم بالتناقض، حيث تمتلك الدولة عناصر قوة داخلية وإقليمية واضحة، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطاً متراكمة تحدّ من قدرتها على تحويل هذه القوة إلى موقع مستقر في معادلة العالم. وهذا التناقض هو الذي يحدد طبيعة اللحظة الراهنة، لأنها ليست لحظة ضعف خالص، ولا لحظة قوة مستقرة، بل لحظة يمكن أن تنحرف في أي اتجاه بحسب القرار الذي يُتخذ.
إن تعديل السياسة الخارجية مع بقاء النظام القائم ليس أمراً مستحيلاً، فالتجارب الدولية تشير إلى أن الدول يمكن أن تعيد صياغة سلوكها دون أن تغيّر بنيتها السياسية بالكامل، لكن هذا التعديل لا يكون حقيقياً إلا إذا طال جوهر الاستراتيجية، لا مجرد تكتيكاتها، لأن المشكلة في العادة لا تكمن في الأدوات، بل في تعريف الدولة لدورها في العالم. فالدولة التي تُعرّف نفسها من خلال الصراع تجد نفسها محكومة بمنطقه، حتى عندما تحاول التخفيف منه، بينما الدولة التي تعيد تعريف نفسها من خلال الإنتاج والمعرفة تستطيع أن تغيّر سلوكها دون أن تفقد هويتها.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي، لأنه ليس خارجياً فقط، بل داخلي بالدرجة الأولى، إذ يتطلب الانتقال من نموذج قائم على إدارة الاشتباك إلى نموذج قائم على إدارة الاندماج إعادة نظر عميقة في الأولويات، وفي توزيع الموارد، وفي طبيعة الخطاب السياسي، وفي العلاقة بين الأيديولوجيا والمصلحة. إن العالم، بما فيه القوى الكبرى، لا يطلب بالضرورة تغيير الأنظمة بقدر ما يطلب تغيير السلوك الذي يُفسَّر بوصفه تهديداً، وهذا يعني أن الباب يمكن أن يبقى مفتوحاً إذا تم الانتقال من موقع “المشروع الصراعي” إلى موقع “الدولة القابلة للتنبؤ”، التي تعمل داخل قواعد اللعبة حتى وهي تختلف معها.
غير أن هذا الباب ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية، لأن الاستمرار في المسار الحالي يراكم عوامل عدم الثقة، ويزيد من كلفة أي تحول لاحق، ويجعل الخيارات المتاحة أكثر ضيقاً، حتى تصل الدولة إلى مرحلة يصبح فيها التغيير ممكناً نظرياً، لكنه مكلف إلى حد يصعب تحمله عملياً. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود الباب من عدمه، بل يتعلق بالزمن المتبقي قبل أن يصبح عبوره أكثر صعوبة، لأن التأخر في اتخاذ القرار الاستراتيجي لا يؤدي إلى تثبيت الوضع القائم، بل إلى تآكله تدريجياً.
إن اللحظة الراهنة تضع إيران أمام اختبار من نوع مختلف، ليس اختبار القدرة على الصمود في وجه الضغوط، بل اختبار القدرة على تحويل هذا الصمود إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء العلاقة مع العالم على أسس جديدة، تسمح بالحفاظ على الاستقلال دون الدخول في صراع مفتوح، وببناء القوة دون استنزافها في مسارات غير متكافئة. وهذا التحول لا يعني التخلي عن الهوية، بل يعني إعادة توظيفها في سياق حضاري يجعل من العلم والاقتصاد والمعرفة أدوات أساسية للقوة، بدلاً من الاقتصار على الأدوات العسكرية والسياسية التقليدية. إن الدولة التي تدرك لحظة التحول في الوقت المناسب تستطيع أن تغيّر مسارها دون أن تفقد توازنها، أما الدولة التي تتأخر في إدراك هذه اللحظة فإنها قد تجد نفسها مضطرة إلى التغيير تحت ضغط أكبر وفي ظروف أصعب.
ولهذا فإن السؤال الحاسم اليوم هو: هل سيتم اتخاذ القرار قبل أن يصبح طريق العودة أكثر كلفة مما يمكن تحمله؟ وفي ضوء هذا السؤال، تتحدد قيمة اللحظة الراهنة، لأنها ليست مجرد مرحلة عابرة في مسار طويل، بل نقطة مفصلية قد تحدد اتجاه هذا المسار لسنوات قادمة، إما نحو إعادة التموضع وبناء القوة، أو نحو تضييق الخيارات حتى حدودها القصوى. وهذا هو معنى أن يكون باب العودة مفتوحاً… لكنه لا ينتظر طويلاً.



اضف تعليق