تُعدُّ الوحدةُ الوطنيةُ في العراقِ خياراً استراتيجياً وشرطاً أساسياً لبقاءِ الدولةِ، وليستْ مجردَ شعارٍ سياسيٍّ. إنَّ قدرةَ العراقيينَ على تغليبِ المصلحةِ الوطنيةِ ورفضِ تحويلِ بلادِهِم إلى ساحةِ صراعٍ بالوكالةِ هي الدرعُ الحقيقيُّ الذي يحمي العراقَ من عواصفِ المنطقةِ ومن تكرارِ مآسي الانقسامِ والحروبِ...

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، يقف العراق مرة أخرى عند مفترق طرق تاريخي، فمع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، واتساع دائرة الصراعات بين القوى الإقليمية والدولية، يبرز سؤال جوهري داخل المجتمع العراقي: كيف يمكن حماية البلاد من الانجرار إلى أتون حرب جديدة؟ الإجابة التي تتكرر في الأوساط السياسية والفكرية والشعبية تكاد تكون واحدة وهي الوحدة الوطنية.

يتمتع العراق بموقع جغرافي يجعله في قلب معادلات الشرق الأوسط، حيث يتوسط مجموعة من الدول ذات التأثير السياسي والعسكري الكبير، كما أنه يمتلك موارد طاقة هائلة وموقعاً استراتيجياً مهماً، هذه العوامل تجعل العراق في كثير من الأحيان ساحة للتجاذبات والصراعات غير المباشرة بين القوى المختلفة. ومع تزايد احتمالات المواجهات العسكرية في المنطقة، يخشى كثير من المراقبين أن يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة صراع بالوكالة، أو أن يجد نفسه مضطراً للتعامل مع تداعيات الحرب، سواء كانت أمنية أو اقتصادية أو سياسية.

التاريخ الحديث للعراق يقدم دروساً واضحة حول خطورة الانقسام الداخلي، فمنذ عام 2003 شهدت البلاد أزمات طائفية وسياسية حادة كادت أن تمزق النسيج الاجتماعي، وتضعف مؤسسات الدولة. وقد استغلت التنظيمات المتطرفة تلك الانقسامات لتوسيع نفوذها، كما حدث عندما سيطر تنظيم داعش على مساحات واسعة من الأراضي العراقية عام 2014. لكن في المقابل أظهرت التجربة أيضاً أن وحدة العراقيين قادرة على تغيير المعادلة، فقد شكلت اللحظة التي توحدت فيها مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية في مواجهة الإرهاب نقطة تحول حاسمة، حيث تمكنت القوات الأمنية مدعومة بالحشد الشعبي وبمساندة المجتمع الدولي من استعادة المدن التي احتلها التنظيم.

هذا المثال يعكس حقيقة أساسية، تتجسد بأن تماسك المجتمع العراقي، يُصعّب المهمة أمام أي قوة خارجية أو داخلية تحاول أو تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتهديد استقراره. إلا أن هذا لا يمنع أو يقلل من مخاطر الانجرار إلى صراع إقليمي، فالقلق الأكبر اليوم إضافة إلى اندلاع حرب إقليمية، يتمثل في احتمال جر العراق إلى تلك الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر. فوجود قواعد عسكرية أجنبية، وانتشار جماعات مسلحة مرتبطة بصراعات المنطقة، إضافة إلى علاقات العراق المتشابكة مع مختلف الأطراف، كلها عوامل قد تجعل البلاد عرضة لضغوط سياسية وعسكرية.

وفي حال غياب موقف وطني موحد، قد تتحول هذه الضغوط إلى مصدر انقسام داخلي، ما يضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية تحمي مصالحها، وهنا تأتي الوحدة الوطنية كخيار استراتيجي، لا بوصفها شعاراً سياسياً، فهي تعني -الوحدة الوطنية- اتفاق القوى السياسية والمجتمعية على مجموعة من المبادئ الأساسية؛ أهمها تقديم مصلحة العراق على أي انتماءات أخرى، كذلك رفض استخدام الأراضي العراقية كساحة صراع بين الدول، وأخيراً دعم مؤسسات الدولة الرسمية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة الأمن والسياسة الخارجية.

هذه المبادئ إذا تحولت إلى ممارسة سياسية حقيقية، يمكن أن تشكل جدار صد يحمي العراق من التدخلات الخارجية، مصحوبة بدور النخب السياسية والفكرية والتي تقع عليها مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة، فخطاب التحريض والانقسام قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية، بينما يسهم الخطاب الوطني المعتدل في تعزيز الثقة بين مكونات المجتمع. كما أن على القوى السياسية أن تدرك أن الصراعات الحزبية الضيقة قد تكون مكلفة جداً في وقت تواجه فيه البلاد تحديات إقليمية خطيرة، فالتاريخ يثبت أن الدول المنقسمة داخلياً تكون أكثر عرضة للضغوط والتدخلات الخارجية.

في المقابل وعلى الرغم من كل الأزمات التي مر بها العراق خلال العقود الماضية، فإن المجتمع العراقي لا يزال يمتلك قدرة كبيرة على التماسك، يساعده في ذلك العلاقات الاجتماعية بين مختلف المكونات التي ما زالت قائمة في كثير من المدن والقرى، كما أن الذاكرة المشتركة للحروب والأزمات خلقت لدى العراقيين رغبة عميقة في تجنب تكرار المآسي. هذه الروح المجتمعية يمكن أن تكون قاعدة صلبة لبناء وحدة وطنية حقيقية، إذا ما تم دعمها بسياسات حكومية عادلة تعزز الثقة بين المواطن والدولة.

في زمن الحروب والتوترات الإقليمية، تصبح الوحدة الوطنية أكثر من مجرد قيمة أخلاقية؛ إنها شرط أساسي لبقاء الدولة واستقرارها، في الوقت الذي يدرك فيه ساسة العراق الذي عانى طويلاً من الحروب والانقسامات أن ثمن الصراع الداخلي قد يكون باهظاً. لذلك فإن التحدي الأكبر أمام العراقيين اليوم ليس فقط تجنب الحرب، بل الحفاظ على تماسكهم الداخلي في مواجهة عواصف المنطقة، وعندما ينجح العراقيون في ترسيخ وحدتهم الوطنية، فإنهم يحمون بلدهم بالدرجة الأولى، ويرسلون أيضاً رسالة واضحة مفادها أن العراق لن يكون مرة أخرى ساحة لحروب الآخرين.

اضف تعليق