إن الدول لا تسقط عادة بسبب الفساد الفردي، وإنما بسبب تحوّل الفساد إلى نظام. وعندما يصبح الوصول إلى السلطة طريقاً للوصول إلى الثروة، ويصبح الاحتفاظ بالثروة وسيلة للاحتفاظ بالسلطة، تدخل الدولة في دائرة مغلقة تهدد الديمقراطية والتنمية والاستقرار في آن واحد؛ فالدولة التي تتحول إلى أداة لتوزيع الغنائم تسير نحو استنزاف نفسها من الداخل...

من بين المصطلحات السياسية التي أخذت تتردد كثيراً في الدراسات المعاصرة مصطلح الكليبتوقراطية (Kleptocracy)، وهو مصطلح يعني حرفياً «حكم اللصوص»، أي النظام الذي تتحول فيه السلطة السياسية إلى أداة منظمة للاستيلاء على الثروة العامة وتحويلها إلى منافع خاصة للنخبة الحاكمة أو للمحيطين بها.

ولا يعني هذا المصطلح مجرد وجود فساد مالي أو إداري، فالفساد موجود بدرجات متفاوتة في معظم دول العالم، وإنما يشير إلى مرحلة أكثر خطورة يصبح فيها الفساد جزءاً من بنية النظام نفسه، وتصبح الدولة وسيلة لإعادة توزيع الثروة الوطنية لمصلحة القوى المتحكمة بالسلطة والنفوذ.

وعندما نتأمل التجربة العراقية خلال السنوات الماضية نجد أن من الظلم وصف العراق بأنه دولة كليبتوقراطية مكتملة الأركان، فالعراق ما زال يمتلك انتخابات دورية، وتعددية سياسية، وإعلاماً قادراً على كشف ملفات الفساد، وأجهزة رقابية وقضائية تعمل بدرجات مختلفة من الفاعلية. غير أن من الخطأ أيضاً تجاهل المؤشرات التي تدفع باتجاه هذا المنحدر الخطر.

لقد شهد العراق خلال العقود الأخيرة تضخماً هائلاً في الفساد المالي والإداري، وتحولت بعض المؤسسات والمواقع الحكومية إلى ساحات للصراع على الموارد والمنافع، وأصبح النفوذ السياسي في كثير من الأحيان طريقاً إلى النفوذ الاقتصادي، فيما أخذت الثروة والسلطة تتداخلان بصورة تثير القلق بشأن مستقبل الدولة.

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في وجود فاسدين أو شبكات فساد فحسب، بل في وجود بيئة سياسية تسمح بإعادة إنتاج هذه الظاهرة بصورة مستمرة. فحين تغيب المسؤولية السياسية الواضحة، وتتوزع السلطة بين أطراف متعددة داخل حكومات ائتلافية واسعة، وتضعف المعارضة البرلمانية القادرة على الرقابة والمساءلة، يصبح من الصعب تحديد المسؤول عن النجاح أو الفشل، وعن الإنجاز أو الفساد.

ومن هنا فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه العراق ليس الكليبتوقراطية بوصفها واقعاً قائماً بشكل كامل، بل احتمال التحول التدريجي إليها إذا استمرت البنية السياسية الحالية في إنتاج الظروف ذاتها التي تغذي الفساد وتحميه من المحاسبة.

إن الدول لا تسقط عادة بسبب الفساد الفردي، وإنما بسبب تحوّل الفساد إلى نظام. وعندما يصبح الوصول إلى السلطة طريقاً للوصول إلى الثروة، ويصبح الاحتفاظ بالثروة وسيلة للاحتفاظ بالسلطة، تدخل الدولة في دائرة مغلقة تهدد الديمقراطية والتنمية والاستقرار في آن واحد.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة ضد أشخاص بعينهم، بل هي معركة من أجل إصلاح البنية السياسية التي تسمح بنشوء هذه الظواهر. فالعراق يحتاج إلى نظام سياسي يضمن وجود حكومة أغلبية واضحة تتحمل المسؤولية أمام الشعب، ومعارضة حقيقية تمارس الرقابة والمساءلة، ومؤسسات مستقلة قادرة على حماية المال العام، وقوانين انتخابية تساعد على تداول السلطة بصورة فعلية لا شكلية.

إن التحذير من الكليبتوقراطية ليس ترفاً فكرياً ولا مبالغة سياسية، بل هو تنبيه مبكر إلى خطر يمكن أن يهدد مستقبل الدولة إذا تُرك من دون معالجة. فالدولة التي تُبنى لخدمة المواطنين تستطيع أن تتقدم رغم الصعوبات، أما الدولة التي تتحول إلى أداة لتوزيع الغنائم فإنها تسير، ولو ببطء، نحو استنزاف نفسها من الداخل.

وما يزال أمام العراق متسع من الوقت لتجنب هذا المصير، لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية وإرادة إصلاحية حقيقية تضع مصلحة الدولة فوق مصالح القوى والأحزاب، وتعيد توجيه النظام السياسي نحو هدفه الأصلي: خدمة المجتمع وبناء الدولة، لا اقتسام مواردها.

اضف تعليق