ملفات - عاشوراء

لماذا كانت ثورة الإمام الحسين إحياءً للدين؟

هل يموت الدين، وهل يمكن أن تموت الثورة؟

كان الدين موجودًا من حيث الشكل، لكن الممارسة السياسية والاجتماعية أخذت تبتعد عن قيمه. وكان يُراد للناس أن يعتادوا هذا التناقض، فيروا الظلم يُمارس باسم الدين، ثم يتعاملوا معه كأنه واقع طبيعي لا يجوز الاعتراض عليه. ولو سكت الإمام الحسين، بما يمثله من مكانة وقرب من رسول الله...

هل يموت الدين؟

قد يبدو هذا السؤال غريبًا؛ فالدين وحي من الله، والقرآن محفوظ، والصلاة قائمة، والمساجد عامرة. ومن هذه الناحية لا يموت الدين، لأن مصدره إلهي، ولأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

لكن الدين قد يموت في ضمير الإنسان، وقد يفقد أثره في المجتمع، مع بقاء نصوصه وشعائره. يموت عندما يصبح كلامًا لا يغير السلوك، وصلاة لا تمنع الظلم، وصيامًا لا يهذب النفس، وخطابًا لا يوقظ الضمير. وقد يبقى حاضرًا في المساجد والمجالس، لكنه يغيب عن السوق والمحكمة والدائرة الحكومية، وعن العلاقة بين القوي والضعيف.

لا يموت الدين باختفاء اسمه فقط، بل قد يموت وهو حاضر بكثرة في الشعارات. وربما كان هذا أخطر أنواع موته؛ لأن الناس يظنون أنهم يحفظونه، بينما لا يحفظون إلا صورته. فقد يتحدث المسؤول عن الدين ثم يظلم الناس، ويرفع التاجر شعاراته ثم يغشهم، ويقيم الموظف الشعائر ثم يأخذ الرشوة، ويدعو الإنسان إلى العدالة ثم يرفضها عندما تتعارض مع مصلحته.

عندئذ يبقى الدين على اللسان، لكنه يموت في الموقف.

ويموت الدين أيضًا عندما يُستخدم لتبرير الاستبداد، أو لحماية الفاسد، أو لإسكات من يطالب بالحق. ويموت عندما تتحول طاعة الله إلى طاعة عمياء للأشخاص، ويُطلب من الناس أن يقبلوا الظلم بحجة الاستقرار. فالخطر على الدين لا يأتي دائمًا ممن يحاربه، بل قد يأتي ممن يتحدث باسمه ثم يفرغه من العدل والرحمة والكرامة.

إن الدين الحي ليس الدين الذي تكثر مظاهره فحسب، بل الدين الذي يظهر أثره في سلوك الإنسان. هو الذي يجعل القاضي أكثر عدلًا، والتاجر أكثر أمانة، والموظف أكثر إخلاصًا، والمسؤول أكثر تواضعًا، والإنسان أكثر شعورًا بمعاناة الآخرين. فإذا انفصل الاعتقاد عن العمل، بقيت صورة الدين وغابت روحه.

كيف أحيا الإمام الحسين الدين؟

في هذا المعنى كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام إحياءً للدين. لم يخرج الحسين لأن الناس نسوا الصلاة والصيام، ولم يكن القرآن غائبًا عنهم، وإنما خرج لأن جوهر الدين كان مهددًا. كان الخطر أن يتحول الدين من قوة تحمي العدالة وكرامة الإنسان إلى غطاء يمنح السلطة شرعية الصمت والخضوع.

كان الدين موجودًا من حيث الشكل، لكن الممارسة السياسية والاجتماعية أخذت تبتعد عن قيمه. وكان يُراد للناس أن يعتادوا هذا التناقض، فيروا الظلم يُمارس باسم الدين، ثم يتعاملوا معه كأنه واقع طبيعي لا يجوز الاعتراض عليه.

ولو سكت الإمام الحسين، بما يمثله من مكانة وقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله، لأمكن أن يُفهم سكوته قبولًا، وأن يتحول الانحراف إلى واقع يكتسب شرعيته بمرور الزمن. لذلك لم يكن موقفه طلبًا لمنصب أو مجد شخصي، بل دفاعًا عن معنى الدين نفسه.

وقد أوضح غاية خروجه بقوله: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" والإصلاح هنا لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل إعادة الصلة بين الدين والعدل، وبين الإيمان والمسؤولية، وبين العبادة وكرامة الإنسان. أراد الحسين ألا يصبح الباطل حقًا لأن صاحبه قوي، وألا تتحول السلطة إلى جهة فوق المحاسبة لأنها تتحدث باسم الدين.

أحيا الحسين الدين عندما أعلن أن الطاعة ليست خضوعًا مطلقًا للبشر، وأن امتلاك القوة لا يجعل صاحبها ممثلًا للحق. فالشرعية لا تصنعها السيوف، وإنما يصنعها العدل وحفظ حقوق الناس. وكل سلطة تريد من الدين أن يمنحها الطاعة، لكنها ترفض أن يحاسبها، تريد دينًا بلا ضمير.

وأحيا الدين عندما أعاد إلى الإنسان معنى المسؤولية. فالمؤمن لا ينجو بنفسه ويترك مجتمعه يسقط من حوله، والإيمان ليس علاقة فردية تنتهي عند أبواب المسجد، بل يظهر في موقف الإنسان من الظلم، ومن المال العام، ومن الفقير، ومن الضعيف الذي تُهدر حقوقه أمامه.

كما أحيا معنى الحرية؛ فالحرية ليست مجرد التحرر من حاكم ظالم، بل تحرر الإنسان من الخوف والطمع. فقد يكون الإنسان حرًا في ظاهره، لكنه عبد لمنصب يخشى فقدانه، أو لمال يطمع فيه، أو لجماعة يخاف مخالفتها. أما الحسين فكان حرًا لأنه لم يسمح للخوف على حياته ولا لمغريات الدنيا أن تحدد موقفه.

ولم تكن ثورته طلبًا للموت، بل دفاعًا عن حياة لا تفقد كرامتها. فقد أدرك أن سلامة الجسد لا تكفي إذا كان ثمنها موت الضمير، وأن كلفة الصمت على مستقبل الأمة قد تكون أشد من كلفة المواجهة.

استطاع خصوم الحسين أن يحسموا المعركة عسكريًا، لكنهم لم يستطيعوا أن يحسموا معناها. امتلكوا أرض المعركة، لكنه امتلك ضمير التاريخ. لقد أعادت ثورته تعريف الانتصار؛ فقد ينتصر المظلوم إذا حفظ مبدئه، وقد ينهزم صاحب القوة إذا فقد شرعيته وإنسانيته.

وهكذا أحيا الإمام الحسين الدين لأنه أعاده من أيدي السلطة إلى ضمير الإنسان، وربط العبادة بالعدل، والإيمان بالموقف، والكلمة بالفعل. لم يسمح للدين أن يتحول إلى ستار يغطي الظلم، بل أعاده قوة تكشفه وتقاومه.

هل يمكن أن تموت الثورة؟

الثورة بوصفها حدثًا تاريخيًا تنتهي بانتهاء زمانها، أما بوصفها فكرة وقيمة فقد تبقى حية عبر القرون. وثورة الإمام الحسين لم تبقَ لأن الناس حفظوا تفاصيل معركة الطف فقط، بل لأنها عبّرت عن صراع يتكرر في كل عصر: الصراع بين الحق والباطل، وبين الكرامة والمصلحة، وبين الإنسان الحر والإنسان الذي يبيع موقفه خوفًا أو طمعًا.

ومع ذلك، يمكن أن تموت الثورة فينا، حتى ونحن نحيي ذكراها.

تموت عندما تتحول إلى كلمات لا تغير السلوك، وإلى دمعة لا تمنع ظلمًا، وإلى شعار يُرفع في الشوارع ولا يدخل إلى المؤسسات. وتموت عندما نتحدث عن عدالة الحسين ثم نظلم من هم تحت سلطتنا، ونمدح شجاعته ثم نصمت أمام الفساد، ونعلن الولاء له ثم نبرر أخطاء القريب والمنتمي إلى جماعتنا.

ويمكن أن تموت الثورة بالطقوس نفسها إذا انفصلت الطقوس عن معانيها. فالطقوس تحفظ الذاكرة، وتربط الأجيال بالحسين، وتمنح المناسبة عمقها الوجداني، لكنها ليست غاية في ذاتها. فإذا تحولت إلى بديل عن الإصلاح، ومنحت الإنسان شعورًا بأنه أدى واجبه لمجرد المشاركة فيها، فإنها لا تعود وسيلة لإحياء الثورة، بل تصبح قادرة على أن تُميت الثورة.

قد يبكي الإنسان على الحسين ثم يظلم عاملًا ضعيفًا، ويرفع رايته ثم يأخذ رشوة، ويردد كلمات الحرية ثم يمارس الاستبداد داخل أسرته أو مؤسسته. هنا تبقى الثورة حاضرة في المجلس، لكنها تغيب عن الحياة، وتتحول الطقوس إلى ستار يخفي التناقض بين القول والعمل.

لم يستشهد الإمام الحسين لكي نكتفي بالحزن عليه، بل لكي نرفض الأسباب التي صنعت المأساة. فالبكاء الصادق هو الذي يجعل الإنسان أكثر إحساسًا بالمظلوم، وأكثر رفضًا للفساد، وأشد حرصًا على حقوق الناس. أما دمعة لا تمنع صاحبها من أكل حق الآخرين، فلا تحمل من رسالة الحسين إلا صورتها.

وليس الامتحان أن نقول إننا كنا سنقف مع الحسين لو كنا في كربلاء؛ فالماضي لا يطالبنا اليوم بثمن. الامتحان الحقيقي هو موقفنا من كربلاء الحاضر: عندما يُظلم موظف، أو يُحرم فقير، أو يُسرق المال العام، أو يُعاقب إنسان لأنه قال الحقيقة، أو يُطلب منا أن نصمت عن فساد نعرفه.

قد لا تظهر في هذه المواقف الرايات والأسماء التاريخية، لكن جوهر الامتحان واحد: مصلحة تدعو إلى الصمت، وضمير يدعو إلى الموقف. وهنا نعرف إن كانت الثورة حية فينا أم تحولت إلى عادة موسمية.

إن ثورة الحسين لا تموت في التاريخ، لأنها متصلة بحاجة الإنسان الدائمة إلى العدل والحرية والكرامة، لكنها قد تموت في مجتمع يكثر من الحديث عنها ويقل فيه العمل بمعانيها. وقد تكون راياتها مرفوعة، بينما يكون العدل غائبًا والفساد منتشرًا وحقوق الضعفاء مهدرة.

ولهذا فإن حماية الثورة من الموت لا تكون بكثرة الطقوس وحدها، بل بتحويلها إلى طاقة أخلاقية وإصلاحية. فالطقس الذي لا يقود إلى موقف، والحزن الذي لا ينتج مسؤولية، والولاء الذي لا يمنع الظلم، قد يتحول إلى قشرة تحجب الثورة بدل أن تحفظها.

تبقى ثورة الحسين حية في أمانة الموظف، وعدل القاضي، وصدق التاجر، وإنصاف الأستاذ، وتواضع المسؤول، وشجاعة من يقول الحق. وتبقى حية عندما نرفض فساد القريب كما نرفض فساد الخصم، وننصر المظلوم ولو لم يكن من جماعتنا، ونحفظ المال العام ولو غابت الرقابة.

لقد أحيا الإمام الحسين الدين بموقفه، ومسؤوليتنا ألا نُميت ثورته بطقوس منفصلة عن قيمها. فالحسين لا يريد منا ذاكرة تبكي فقط، بل ضميرًا يستيقظ، وإنسانًا يتغير، ومجتمعًا يجعل العدل أعلى من الخوف والمصلحة.

اضف تعليق