في كل عام، ومع حلول شهر محرّم، تمتلئ المدن بالرايات السود، وتتعالى الأصوات بذكر الإمام الحسين عليه السلام، وتُستعاد تفاصيل واحدة من أكثر الوقائع حضوراً في الذاكرة الإنسانية. لكن وسط هذا الزخم الكبير، يبرز سؤال قد يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: هل تكمن قيمة عاشوراء في تذكّرها، أم في القدرة على تحويلها إلى سلوك يومي؟...

في كل عام، ومع حلول شهر محرّم، تمتلئ المدن بالرايات السود، وتتعالى الأصوات بذكر الإمام الحسين عليه السلام، وتُستعاد تفاصيل واحدة من أكثر الوقائع حضوراً في الذاكرة الإنسانية. لكن وسط هذا الزخم الكبير، يبرز سؤال قد يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: هل تكمن قيمة عاشوراء في تذكّرها، أم في القدرة على تحويلها إلى سلوك يومي؟

فالتاريخ مليء بالشخصيات والأحداث، غير أن القليل منها استطاع أن يتحول إلى مدرسة أخلاقية مستمرة عبر القرون. والحسين عليه السلام واحد من تلك النماذج النادرة التي تجاوزت حدود الزمن والجغرافيا والانتماءات الضيقة، لأن قضيته لم تكن قضية جماعة بعينها، وإنما قضية الإنسان حين يُوضع أمام امتحان الضمير.

البشر بطبيعتهم يبحثون عن النماذج. فكل مجتمع يحتاج إلى شخصيات يستلهم منها طريقه، وكل فرد يبحث عن تجربة تمنحه القدرة على فهم الحياة واتخاذ الموقف الصحيح. ولهذا بقيت الشخصيات العظيمة حاضرة في الوعي الإنساني، لأنها لم تقدّم أفكاراً مجردة فقط، وإنما قدّمت نماذج عملية لما يمكن أن يكون عليه الإنسان عندما ينسجم مع قِيَمه.

ومن هنا يمكن فهم سر الحضور المتجدد للحسين عليه السلام. فالرجل الذي وقف في كربلاء لم يكن يخوض معركة عسكرية بالمعنى التقليدي، وإنما كان يخوض معركة على معنى الإنسان نفسه. كان يدافع عن حق الإنسان في أن يكون حراً أمام الخوف، نزيهاً أمام الإغراء، صادقاً أمام الضغوط، ومتمسكاً بمبادئه حين تصبح المبادئ مكلفة.

ولهذا لم تنحصر عاشوراء في حدود واقعة تاريخية انتهت في يوم العاشر من محرّم، وإنما تحولت إلى ثقافة متكاملة تتمحور حول سؤال واحد: ماذا يفعل الإنسان حين يتعارض الحق مع المصلحة؟

هذه هي النقطة التي تمنح الثقافة العاشورائية خصوصيتها. فهي لا تدعو إلى التعاطف مع المظلومين فحسب، وإنما تدعو الإنسان إلى مراجعة موقعه من الظلم نفسه. هل يمارسه؟ هل يبرره؟ هل يصمت عنه؟ أم يقف ضده مهما كانت النتائج؟

في هذا المعنى تصبح عاشوراء ثقافة موقف قبل أن تكون ثقافة ذكرى.

المشكلة التي تواجه المجتمعات ليست في غياب المعرفة بالقيم، فمعظم الناس يعرفون معنى العدل والرحمة والصدق والأمانة. المشكلة تبدأ عندما تتحول القيم إلى شعارات تُقال أكثر مما تُمارس.

فكم من شخص يتحدث عن الحسين عليه السلام ثم يظلم موظفاً أو عاملاً أو مراجعاً يحتاج إلى حقه؟

وكم من مسؤول يشارك في إحياء الشعائر ثم يستخدم موقعه لتحقيق منفعة شخصية على حساب الآخرين؟

وكم من تاجر يرفع راية الولاء للحسين عليه السلام ثم يغش في البيع أو يستغل حاجة الناس؟

وكم من موظف أو طبيب أو معلم أو إعلامي يؤكد انتماءه لعاشوراء، لكنه يتعامل مع الناس بطريقة تناقض جوهر الرسالة التي خرج الحسين من أجلها؟

هنا بالتحديد يظهر الفرق بين ثقافة عاشوراء بوصفها معرفة، وثقافة عاشوراء بوصفها ممارسة.

فالانتماء الحقيقي لأي فكرة لا يُقاس بحجم الكلمات التي تُقال عنها، وإنما بمقدار حضورها في السلوك اليومي. لذلك لم تكن رسالة الحسين عليه السلام دعوة إلى الحزن المجرد، وإنما دعوة إلى بناء إنسان أكثر عدلاً ونزاهة وشجاعة.

وحين ننظر إلى واقعنا المعاصر، نجد أن المجتمعات لا تعاني من نقص الشعارات بقدر ما تعاني من نقص التطبيق. فالجميع تقريباً يتحدث عن القيم، لكن الحياة اليومية تكشف فجوة واسعة بين ما يؤمن به الناس وما يمارسونه فعلياً.

ولهذا تبقى عاشوراء حدثاً متجدداً؛ لأنها تعيد طرح السؤال ذاته في كل عصر: ماذا تفعل عندما تصبح صاحب قرار؟ كيف تتعامل مع من هم أضعف منك؟ كيف تستخدم السلطة التي تمتلكها، مهما كانت صغيرة؟ كيف تتصرف حين تكون مصلحتك الشخصية في جهة، والحق في جهة أخرى؟

إن جوهر الثقافة العاشورائية لا يبدأ في ساحات المعارك، وإنما يبدأ في تفاصيل الحياة اليومية. يبدأ من احترام حقوق الآخرين، ومن الصدق في العمل، ومن الأمانة في المسؤولية، ومن رفض استغلال النفوذ، ومن القدرة على قول كلمة الحق عندما يكون الصمت أكثر راحة.

ولعل أعظم ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم هو الانتقال من مرحلة الاحتفاء بالقيم إلى مرحلة تجسيدها. فالحسين عليه السلام لم يتحول إلى رمز خالد لأنه تحدث عن العدالة، وإنما لأنه دفع ثمنها. ولم يصبح مدرسة للأحرار لأنه وصف الكرامة، وإنما لأنه جسّدها في أصعب الظروف.

لهذا فإن عاشوراء في معناها العميق ليست مناسبة تُستذكر أياماً ثم تنتهي، وإنما مشروع أخلاقي مفتوح يدعو الإنسان إلى مراجعة نفسه باستمرار.

فكلما ازداد التطابق بين ما نقوله وما نفعله، اقتربنا من روح الحسين عليه السلام.

وكلما اتسعت المسافة بين الشعارات والسلوك، ابتعدنا عن جوهر الرسالة مهما كثرت الكلمات.

وفي النهاية، تبقى عاشوراء واحدة من أهم المحطات الأخلاقية في التاريخ الإنساني، لأنها تذكّر الإنسان بحقيقة بسيطة وعظيمة في آن واحد: أن قيمة المبدأ لا تظهر عندما نتحدث عنه، وإنما عندما نعيش وفقه.

فالثقافة العاشورائية ليست معرفة الحق فقط، وإنما القدرة على الوقوف معه.

وليست محبة الحسين عليه السلام بالقول وحده، وإنما بتحويل مبادئه إلى عدالة في التعامل، ورحمة في السلوك، ونزاهة في العمل، وكرامة في الموقف.

عندها فقط يتحقق الانسجام بين الفحوى والتطبيق، وبين عاشوراء التي نحملها في الذاكرة، وعاشوراء التي ينبغي أن نحملها في الحياة.



اضف تعليق