أرادت كربلاء أن تكشف أنَّ المعركة الحقيقيَّة لم تقتصر بين سيف وسيف، وإنَّما بين وعي وغياب وعي، بين بصيرة وعمى، بين ثبات وانهيار خفي. وفي هذا الميزان، كان العبَّاس (عليه السلام) تجسيدًا لانتصار المعنى على الفوضى، ولانتصار اليقين على التَّردد، ولانتصار الانتماء الصَّادق على كلِّ أشكال الازدواج والالتباس...

في لحظات التَّاريخ الفاصلة، لا تُقاس العظمة بكثرة السُّيوف، ولا بعلوِّ الصَّوت، ولا بشدَّة الحضور في ساحة القتال؛ بل تُقاس بعمق الوعي الذي يسبق الحركة، وبنفاذ البصيرة التي تسبق الموقف. وهنا تحديدًا تتجلَّى شخصيَّة أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) بوصفه نموذجًا إنسانيًّا متكاملًا يعيد تعريف معنى البطولة من جذورها.

 إنَّ القراءة السَّطحيَّة للتَّاريخ قد تقتصر بالنَّظر إلى العبَّاس (عليه السلام) من زاوية الشَّجاعة وحدها، غير أنَّ النُّصوص المأثورة عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) تكشف أنَّ سرَّ هذه الشَّخصية يكمن في الوعي الذي أنجب ذلك الفعل. فقول الإمام الصَّادق (عليه السلام): "أَشْهَدُ...أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ"(1) تأسيس لرؤية كاملة ترى أنَّ الموقف يُولد من إدراك الحقيقة كما هي، من غير التباس ولا خداع.

 ومن هنا، ستنطلق هذه الكلمات لتعيد قراءة شخصيَّة العباس (عليه السلام) بوصفها مدرسة معرفيَّة وسلوكيَّة وروحيَّة متكاملة، تتدرج من البصيرة إلى الوفاء، ومن الوفاء إلى النَّصيحة، ومن النَّصيحة إلى الفناء في الهدف الإلهي. وهي في حقيقتها مشروع إنساني كامل يعيد صياغة سؤال الانتماء، ومعيار الثَّبات، ومعنى الصُّمود في لحظة الامتحان. فنحن أمام شخصيَّة لا تُقرأ كحدث تاريخي؛ ولكن تقرأ كميزان يُوزن به وعي الإنسان، وكمرآة تكشف مدى صدق الإنسان مع ما يؤمن به حين يصبح الإيمان ثمنًا لا شعارًا.

المحور الأوَّل: البصيرة قبل البطولة

 عند استحضار شخصيَّة أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام)، يبرز في الوعي الجمعي مشهد البطولة القتاليَّة بوصفه السِّمة الأكثر حضورًا. غير أنَّ النُّصوص المروية عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) تكشف عن مستوى أكبر من هذا التَّصور، حيث تُعيد بناء الشَّخصيَّة على أساس معرفي قبل أن تكون تجليًّا حركيًّا. ففي الزِّيارة المأثورة عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام)، تتحدَّد ملامح هذا البعد المعرفي الذي يشكِّل الإطار الحاكم لسلوكه ومواقفه.

 إنَّ هذه الزِّيارة تشير إلى حالة من الوعي الرِّسالي القائم على إدراك دقيق لطبيعة الموقف، وعمق الانتماء، وحقيقة المسار. ولهذا، يمكن القول: إنَّ شخصيَّة العبَّاس (عليه السلام) تمثِّل نموذجًا للإنسان الذي يتقدَّم فيه الوعي على الفعل، والإدراك على الحركة، بحيث تصبح البطولة نتيجة طبيعيَّة لرؤية واضحة، لا فعلًا منفصلًا عنها.

 في تحديد مفهوم البصيرة، يتبيّن أنَّها تضمُّ "معرفة باللّه تعالى(2)، وتحقُّق(3)، ويقين، وحجَّة قاطعة، لا على وجه التَّقليد"(4)، وهذا يبيِّن أنَّها حالة من الانكشاف لدى النَّفس للحقيقة؛ حيث يدرك الإنسان الواقع من دون التباس أو خداع. 

 وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (تعالى): (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(5)، وهو نص يضع البصيرة أصلًا في الدَّعوة، بما يعكس أنَّ الارتباط بالله (تعالى) يقوم على وعي راسخ يميِّز بين الحقِّ والباطل.

 ثمَّ إذا راجعنا دلالة الآية ومصداقها سنعرف شيئًا من عظمة العبَّاس (عليه السلام)؛ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِي قَوْلِهِ (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (6)، قَالَ: "ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَوْصِيَاءُ مِنْ بَعْدِهِمَا" (7). وعند التَّأمل في هذا التَّحديد الرِّوائي، يتبيَّن أنَّ الاتِّباع على بصيرة هو انخراط في خطٍّ معرفي مخصوص، تمثِّله النُّخبة الاصطفائيَّة من الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) باعتبارهم الامتداد العملي للهدى الإلهي على أرض الواقع.

 ولهذا السَّبب؛ فإنَّ إدراج أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) ضمن هذا الإطار المفهومي يفهم بوصفه اشتراكًا في تجلِّي الأثر العملي لهذا الخط؛ أي: في كمال الانتماء التَّطبيقي لمنظومة البصيرة، حيث بلغ في الامتثال والاتِّباع درجة من الاندماج مع خط ِّالإمام الحسين (عليه السلام)، جعله نموذجًا نادرًا في تحقيق هذا المفهوم على مستوى السُّلوك العملي.

 وبهذا المعنى، يصبح قمر بني هاشم (عليه السلام) تجسيدًا تطبيقيًّا لمفهوم (الاتِّباع على بصيرة)، من حيث اكتمال شروط الاتِّباع الواعي الذي يتأسَّس على المعرفة، ويظهر في الطَّاعة المطلقة، ويُترجم في الموقف العملي في أشدِّ لحظات الاختبار.

 ومن هذا الفهم، تتَّضح قيمة البصيرة بوصفها معيارًا لقياس قيمة الفعل؛ إذ إنَّ الفعل مهما بلغ من القوَّة أو التَّضحية، يفقد قيمته إذا افتقد إلى الرُّؤية الصَّائبة. وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة في سياق آخر حين قال الله (سبحانه): (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)(8)، في إشارة إلى أنَّ الخلل يكمن في اتِّجاهه المعرفي، وليس في مقدار الجهد.

 وعند إسقاط هذا المفهوم على واقعة كربلاء، يظهر أنَّ الإشكال الجوهري لدى الطَّرف الآخر كان في اختلال الرُّؤية، وليس في مقدار الشَّجاعة. فقد امتلك جيش عمر بن سعد القدرة القتاليَّة، إلَّا أنَّه افتقد إلى البصيرة التي تكشف له حقيقة الموقف. وفي المقابل، كان العبَّاس (عليه السلام) يتحرَّك ضمن رؤية واضحة تستند إلى إدراك مقام الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفه حجَّة الله (تعالى) في أرضه. ومن هذا المنطلق، كان الوقوف مع الإمام (عليه السلام) تعبيرًا عن التزام متكامل.

 إنَّ هذا الوعي هو الذي يفسِّر حالة الثَّبات التي اتَّصف بها العبَّاس (عليه السلام)، والتي عبَّر عنها الإمام الصَّادق (عليه السلام) بقوله: "أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِنْ وَلَمْ تَنْكُلْ"(9). فالثَّبات هنا نتيجة مباشرة لوضوح الرُّؤية. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الارتباط بين الإيمان الواعي والثَّبات في قوله (تعالى): (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)(10)، حيث يُفهم من الآية أنَّ الثَّبات امتداد طبيعي لرسوخ المعرفة الإيمانيَّة.

 إنَّ الإشكاليَّة الأساسيَّة التي يواجهها الإنسان اليوم تكمن في اضطراب المعايير المعرفيَّة. فالحماسة قد تتوافر لدى كثير من الأفراد؛ وخاصَّة الشَّباب، غير أنَّ غياب البصيرة يجعل هذه الحماسة عرضة للانحراف أو التَّوظيف الخاطئ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء مفهوم التَّدين على أساس الوعي، بحيث يُقاس الانتماء بمدى القدرة على إدراك الحقائق والالتزام بها.

 وفي ضوء ذلك، يصبح الاقتداء بالعبَّاس (عليه السلام) مرتبطًا بتحقيق هذا المستوى من البصيرة؛ أي: أن يرى الإنسان الأمور ضمن إطارها الحقيقي، ويميِّز بين المواقف وفق معايير إلهيَّة، ويثبت على ذلك مهما تبدَّلت الظُّروف. وهذا ما تؤكِّده روايات أهل البيت (عليهم السلام)، حيث ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، ونَظَرَ فَأَبْصَرَ وانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيه الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي، والضَّلَالَ فِي الْمَغَاوِي"(11)، في إشارة إلى أنَّ البصيرة عمليَّة تفاعليَّة تجمع بين الإدراك والتَّأمل والاتِّعاظ.

 وخلاصة القول: إنَّ سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام) تقدِّم نموذجًا متكاملًا للإنسان الذي يتأسَّس فعله على وعي عميق، بحيث تتلاشى الفجوة بين المعرفة والسُّلوك. وعند هذه النُّقطة، تصبح البطولة تعبيرًا عن رؤية ممتدَّة، تتجاوز حدود الزَّمان والمكان. ومن هنا يمكن فهم سرِّ خلود هذه الشَّخصيَّة؛ إذ إنَّ الفعل المرتكز على البصيرة يكتسب بعدًا يتجاوز اللحظة التَّاريخيَّة، ليبقى حاضرًا في الوعي الإنساني بوصفه مثالًا للتَّوافق بين الإدراك والموقف.

المحور الثَّاني: أركان الوفاء

 تقدِّم زيارة أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام)، المروية عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام)، بناءً مفاهيميًّا متدرّجًا للقيم الإيمانيَّة، يتجاوز حدود العرض الوصفي إلى رسم مسار تكويني للإنسان في حركته نحو الكمال. ففي قوله (عليه السلام): "أَشْهَدُ لَكَ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْوَفاءِ وَالنَّصِيحَةِ" (12)، نلحظ نسقًا تصاعديًّا تتوالد فيه كلُّ مرتبة من سابقتها، ضمن علاقة سببيَّة معرفيَّة وسلوكيَّة، تنتهي إلى حالة عليا من الإخلاص يمكن توصيفها بـ"النَّصيحة" بمعناها الأشمل. وهذا التَّدرُّج يكشف عن وفاء ينتج بسبب تراكم حالات من الوعي والانقياد واليقين، وصولًا إلى الذَّوبان الكامل في إرادة الحقِّ.

 في المرتبة الأولى، يتجلَّى مفهوم "التَّسليم" بوصفه نقطة الانطلاق في هذا المسار. والتَّسليم، في الرُّؤية القرآنيَّة والرِّوائيَّة، يعبِّر عن أعلى درجات الانسجام مع الإرادة الإلهيَّة، حيث يتجاوز الإنسان نزعة الاعتراض حتَّى لو كان نفسيًّا، ليبلغ حالة من الرِّضا الواعي. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قول الله (تعالى): (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(13)، حيث يرتبط كمال الإيمان بإزالة الحرج، لا بمجرَّد الامتثال الظَّاهري.

 وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في تفسير هذِهِ الْآيَةَ: "لَوْ أَنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَحَجُّوا الْبَيْتَ، وَصَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَهُ اللَّهُ أَوْ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَلَّا صَنَعَ خِلَافَ الَّذِي صَنَعَ، أَوْ وَجَدُوا ذلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، لَكَانُوا بِذلِكَ مُشْرِكِينَ... ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَعَلَيْكُمْ بِالتَّسْلِيمِ"(14). وفي ضوء هذا المفهوم، يظهر أنَّ تسليم العبَّاس (عليه السلام) كان حالة راسخة سبقت الفعل الخارجي، بحيث انطلقت حركته من قلب منسجم تمامًا مع ما يريده الله (جلَّ جلاله).

 أمَّا المرتبة الثَّانية، وهي "التَّصديق"، فتشكِّل تثبيتًا لهذا التَّسليم على مستوى اليقين المعرفي. والتَّصديق هنا يشير إلى حالة من الرُّسوخ التي لا تتزعزع أمام التَّحديات. وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذا المستوى بقوله (تعالى): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(15)؛ أي: أنَّهم تجاوزوا مرحلة التَّردد إلى حالة من الاطمئنان المعرفي الكامل. ويمكن من هذه النُّقطة فهم ثبات العبَّاس (عليه السلام) أمام مختلف الضُّغوط، سواء كانت عسكريَّة أو نفسيَّة أو اجتماعيَّة، بوصفه انعكاسًا ليقين مستقر لا يخضع لمعادلات الظَّرف.

 وفي المرتبة الثَّالثة، يتجسَّد "الوفاء" بوصفه الامتداد العملي للتَّسليم والتَّصديق. فالوفاء، هو ترجمة القناعة إلى موقف ثابت، خصوصًا في لحظات الكلفة العالية. وقد أكَّد القرآن الكريم هذا البعد حين قال الله (تبارك وتعالى): (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)(16)، حيث يُفهم من الآية أنَّ معيار الصِّدق يكمن في الثَّبات عند الامتحان. ومن ذلك، يتَّضح أنَّ وفاء العبَّاس (عليه السلام) كان مرتبطًا بالحقيقة التي آمن بها، الأمر الذي جعله يحتفظ بموقفه من دون تراجع أو مساومة، على الرَّغم من تصاعد التَّحديات.

 أمَّا المرتبة الرَّابعة، وهي "النَّصيحة"، فتمثِّل الذَّروة في هذا البناء. والنَّصيحة لها معانٍ كثيرة في اللغة(17)، وتتجاوز معنى الإرشاد اللفظي، لتشير إلى الإخلاص(18) الذي يخلو من أيِّ شائبة. 

 وفي هذا المستوى، يصبح الإنسان مندمجًا بالكامل في القضية التي ينتمي إليها، بحيث لا يبقى لذاته حضور مستقل. وإذا عرفنا هذا، يمكن التَّمييز بين مستويينِ من الانتماء الإيماني: مستوى "المؤمن" الذي يرتبط بالحقِّ عبر القناعة، ومستوى "النَّاصح" الذي يتجاوز ذلك إلى حالة الفناء في الحقِّ، بحيث تصبح كلُّ طاقاته مكرَّسة له دون تردُّد. وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى هذا المعنى بقوله: "لَا إِخْلَاصَ كَالنُّصْحِ"(19)، وعنه (عليه السلام): "النُّصحُ ثمرةُ المَحبَّة"(20). بما يدل على أنَّ النَّصيحة تمثِّل أقصى تجليات الارتباط القلبي. فنستنتج من هذا: أنَ كثيرًا من الممارسات الإيمانيَّة تقف عند حدود القبول النَّظري أو الالتزام الجزئي، دون أن ترتقي إلى مستوى الاندماج الكلِّي. ولهذا فإنَّ استلهام تجربة العبَّاس (عليه السلام) يقتضي الانتقال من التَّدين الشَّكلي إلى التَّدين الواعي الذي يجمع بين الانقياد، واليقين، والالتزام العملي، والإخلاص التَّام.

المحور الثَّالث: النَّصيحة التي تُكلِّف الوجود

 يأتي في نصِّ زيارة أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) عن الإمام الصَّادق (عليه السلام) تعبير بالغ الدلالة: "أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بالَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ وَأَعْطَيْتَ غايَةَ المَجْهُودِ"(21)، وهذه العبارة، على إيجازها، تكشف عن مستوى من الفهم الإيماني يؤسِّس لمفهوم متكامل للإخلاص، تتجاوز فيه النَّصيحة معناها المعتاد إلى مرتبة الفناء في الهدف الإلهي. وتتحوَّل إلى حالة من صفاء العلاقة مع الحقِّ، تنعدم فيها الاعتبارات الذَّاتية، وتخلو من أيِّ حضور للمصلحة الشَّخصيَّة. وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "مِنْ أَحْسَنِ الدِّينِ النُّصْحُ"(22)، وهو تعبير يؤسِّس لفكرة أنَّ جوهر الدِّين لا ينفصل عن الإخلاص الشَّامل في القول والعمل والنيَّة، بحيث يصبح الإنسان في حالة التزام دائم اتِّجاه الحقيقة.

 ومن هنا، فإنَّ توصيف الإمام (عليه السلام) بأنَّ العباس (عليه السلام) "بالغ في النَّصيحة" يشير إلى انتقال نوعي في مستوى الوجود الإنساني نفسه. فالمبالغة(23) هنا تعني تجاوز الحدّ الطَّبيعي الذي يقف عنده الإنسان عادةً، حيث يبقى الفعل مرتبطًا بحسابات الذَّات وحدود الطَّاقة. أمَّا في هذا المقام، فإنَّ الفعل يتحرَّر من هذه الحدود، ويتحوَّل إلى اندفاع كامل نحو الغاية، من دون احتفاظ بأيِّ جزء من الذَّات في دائرة الحياد أو التَّردُّد.

 وفي هذا السِّياق، يصبح مفهوم "غاية المجهود" تعبيرًا عن بلوغ أقصى ما يمكن أن تقدِّمه الطَّاقة الإنسانيَّة في مقام التَّضحية. إلَّا أنَّ اللافت في شخصيَّة العبَّاس (عليه السلام) أنَّ هذا البذل لم يكن نتيجة ضغط خارجي أو لحظة انفعال؛ وإنَّما كان تعبيرًا عن تكامل بين المعرفة والإرادة، حيث اندمجت الذَّات مع الهدف إلى درجة لم يعد فيها للفصل بينهما معنى. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النَّمط من الإخلاص في قوله (تعالى): (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)(24)، حيث يتحوَّل الإنسان إلى حالة من البذل الكلي الذي لا يُبقي شيئًا لنفسه خارج دائرة القرب الإلهي.

 ومن زاوية أخرى، يمكن التَّمييز بين مستويات متعدِّدة من الفعل الدِّيني: فهناك من يتحرَّك ضمن إطار الواجب، وهناك من يتحرَّك ضمن إطار المحبَّة، وهناك من يندفع بدافع الانتماء. إلَّا أنَّ "النَّاصح" في المفهوم الذي يجسِّده العبَّاس (عليه السلام) يتجاوز هذه المستويات جميعًا، ليصل إلى حالة من الاندماج مع القضية، بحيث لا يعود السُّؤال: ماذا يجب أن أفعل؟؛ ولكن يصبح السُّؤال: ماذا تبقَّى منِّي لم يُبذل بعد؟

 ولهذا، فإنَّ كلَّ المواقف التي تجلَّت في كربلاء، من امتناع العبَّاس (عليه السلام) عن شرب الماء على الرَّغم من اشتداد العطش، إلى ثباته في لحظة انكشاف المصير، لا يمكن قراءتها بوصفها أفعالًا منفصلة؛ وإنَّما باعتبارها تجليات لموقف واحد متكامل هو الإخلاص المطلق للحقيقة.

 وفي ضوء هذا الفهم، تتجلَّى خطورة الواقع المعاصر، حيث قد يمارس الإنسان أفعالًا دينيَّة أو أخلاقيَّة متعدِّدة، إلَّا أنَّ هذه الأفعال تبقى في كثير من الأحيان محكومة بحسابات الذَّات، سواء على مستوى الاعتبار الاجتماعي أو المصلحة الشَّخصيَّة أو الفرح بالإنجاز. ومن هنا، تظهر الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم النَّصيحة بوصفها حالة من التَّجرُّد الكامل، لا مجرَّد أداء وظيفي محدود.

 إنَّ نموذج العبَّاس (عليه السلام) يقدِّم معيارًا دقيقًا لهذا التَّحول، فيعود الفعل مرتبطًا بما يتخلَّى عنه من ذاته في سبيل الحقِّ. وكلَّما ازداد التَّخلِّي عن الذَّات، ازداد صدق الانتماء، حتَّى يبلغ الإنسان مرحلة لا يرى فيها لنفسه حضورًا مستقلًا أمام الهدف الذي يعيش له.

 وخلاصة هذا المحور: إنَّ ما جرى في كربلاء هو تجلٍّ لمستوى من الوعي الإيماني الذي تتحوَّل فيه النَّصيحة إلى بذل شامل، يذوب فيه الإنسان في غايته. ومن هذا المنظور، يصبح العبَّاس (عليه السلام) معيارًا معرفيًّا وسلوكيًّا في آنٍ واحد، يقاس به صدق الإنسان في انتمائه، من خلال مقدار ما يقدِّمه من ذاته دون انتظار مقابل.

المحور الرَّابع: الإنسان الذي لا ينهزم

 يأتي في وصف الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام) لأبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) تعبير دقيق في معناه النَّفسيّ والسُّلوكيّ: "أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِنْ، وَلَمْ تَنْكُلْ" (25). وهذا النَّص هو تحليل لمستوى متقدِّم من الثَّبات، حيث يُقدَّم لنا نموذج الإنسان الذي لا ينهزم من الدَّاخل مهما اشتدَّت عليه الظُّروف.

 فالمفهومان "الوهن"(26) و"النكل"(27) في هذا السِّياق يتجاوزان ظاهر اللغة إلى عمق النَّفس في لحظات الاختبار؛ إذ إنَّ "الوهن" يعبِّر عن حالة الانكسار التي تصيب الإرادة والمعنى والدَّافع، بحيث يفقد الإنسان قدرته على الاستمرار على الرَّغم من بقاءه في موقع الفعل الظَّاهري. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (تعالى): (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)(28)، حيث يرتبط النَّهي عن الوهن بالحفاظ على تماسك الرُّوح قبل الجسد، باعتبار أنَّ الانهيار الحقيقي يبدأ من الدَّاخل.

 وفي ضوء هذا الفهم، يتَّضح أنَّ العبَّاس (عليه السلام) لم يدخل أصلًا في حالة الانكسار؛ لأنَّ نفسه كانت قائمة على وضوح الهدف، وصدق الانتماء، بحيث لم يكن للاضطراب مجال للتَّسلل إلى قراره أو موقفه. ومن هنا، فإنَّ "لم تهن" تعني أنَّ الإرادة بقيت متماسكة، وأنَّ المعنى ظلَّ حاضرًا، وأنَّ الاتِّصال بالغاية لم ينقطع في أيِّ لحظة.

 أمَّا "النكل"، فيحمل دلالة التَّراجع بعد الإقدام؛ أي: حالة الانسحاب النَّفسي أو العملي عند مواجهة الضَّغط أو الامتحان. غير أنَّ العبَّاس (عليه السلام)، بحسب هذا الوصف، لم يعرف هذا النَّمط من التَّحول؛ لأنَّ قراره كان امتدادًا لقناعة راسخة تشكَّلت على أساس بصيرة مكتملة، كما ورد في الزِّيارات الشَّريفة من توصيف مساره بأنَّه كان قائمًا على وعي لا يتبدل بتبدُّل الظًّروف.

 ويمكن القول: إنَّ الانهيار الدَّاخلي أخطر بكثير من الهزيمة الخارجيَّة؛ لأنَّ الإنسان قد يخسر في الواقع الخارجي معركة أو موقفًا؛ لكنَّه يحتفظ بتماسكه الدَّاخلي، بينما قد يحقِّق نجاحًا ظاهريًّا؛ لكنَّه يعيش تفككًا داخليًّا يفرغ الإنجاز من معناه. والإمام الصَّادق (عليه السلام)، في هذا الوصف، يكشف أنَّ العبَّاس (عليه السلام) جمع بين الثَّباتينِ: ثبات الفعل، وثبات الوجدان، فلا اختلال في الخارج، ولا تصدُّع في الدَّاخل.

 وفي اللحظات الحرجة من واقعة كربلاء، حيث تتزايد عناصر الضَّغط النَّفسي: من عطش، وقلَّة النَّاصر، وقرب النِّهاية، يتجلَّى هذا النَّمط من الثَّبات بوصفه حالة وعي تتجاوز التَّفاعل اللحظي مع الألم أو الخوف. فكلُّ المعطيات الخارجيَّة كانت تدفع نحو الانهيار، إلَّا أنَّ النَّفس بقيت محافظة على وقارها؛ لأنَّ المرجعيَّة لم تكن متغيِّرة؛ بل كانت محدَّدة وواضحة.

 ولذلك، فإنَّ استحضار نموذج العبَّاس (عليه السلام) يقدِّم معيارًا لفهم الصُّمود النَّفسي بوصفه حالة من التوافق بين المعرفة والقرار، وليس مجرَّد ردِّ فعل أمام الأحداث.

 إنَّ أهمَّ ما يميِّز هذا النُّموذج هو أنَّ وضوح العلاقة مع الهدف يُنتج استقرارًا نفسيًّا لا يتأثَّر بتقلبات الواقع، فكلَّما كان الإنسان يعرف مع من هو، ولماذا هو موجود، وإلى أين يتَّجه، تقلصت مساحة الانهيار لديه. وهذه المعادلة الثلاثيَّة تشكِّل أساس الثَّبات في سيرة العبَّاس (عليه السلام): وضوح الانتماء، ووضوح الهدف، ووضوح النِّهاية.

المحور الخامس: مع من تقف؟

 في زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، المروية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، يرد قوله: "أَشْهَدُ... أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ مُقْتَدِياً بِالصّالِحِينَ، وَمُتَّبِعاً لِلنَّبِيّينَ" (29). وهذه العبارة، تحمل في عمقها إعادة صياغة شاملة لمفهوم الانتماء، إذ تنتقل به من كونه حالة شعوريَّة أو ميلًا وجدانيًّا إلى كونه خيارًا يُحسم في لحظة الاختبار.

 فالانتماء، في الفهم الشَّائع، يُختزل غالبًا في دائرة العاطفة، كالمحبَّة أو الميل أو القرب النَّفسي. إلَّا أنَّ هذا التَّصور لا يصمد أمام المنطق القرآني والرِّوائي الذي يربط الانتماء بالفعل والموقف، لا بالشُّعور فقط. وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بقول الله (تعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (30)، حيث يتحوَّل الانتماء إلى وجود عملي يترجم في الموقع والسُّلوك والاتِّجاه.

 ومن هذا المنظور، يظهر أنَّ الانتماء الحقيقي ما يختاره الإنسان حين تتزاحم القيم، وتتعارض المصالح. فالسُّؤال الجوهري الذي يكشف حقيقة الإنسان ليس: ماذا يحب؟

 وإنَّما: مع من يقف عندما تتباين الطُّرق، وتتكشف الحقائق؟

 وفي هذا السِّياق، تقدم واقعة كربلاء نموذجًا لإعادة تعريف الانتماء. فهي فضاء اختبار كاشف للانتماءات العميقة، حيث تتمايز المواقع بوضوح بين من ينحاز إلى الحقِّ، ومن ينحاز إلى المصلحة، ومن يتأرجح بين الاثنين. وقد مثَّل أبو الفضل العبَّاس (عليه السلام) النُّموذج الأعلى في حسم هذا التَّردُّد، إذ اختار موقعه النِّهائي بوعي كامل لا لبس فيه، فكان وقوفه مع الإمام الحسين (عليه السلام) تعبيرًا عن انتماء تحكمه الحقيقة.

 أمَّا مفهوم "الاقتداء بالصَّالحين" الوارد في الزِّيارة، فهو امتداد لخط الحقِّ عبر التَّاريخ. فالاقتداء هنا يعني إدخال الذَّات في سلسلة القيم الإلهيَّة الممتدَّة من النَّبيين إلى الصَّالحين، بحيث يصبح الإنسان حلقة في مسار معرفي وسلوكي واحد، لا كيانًا منفصلًا أو معزولًا. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (تعالى): (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ)(31)، بما يدل على أنَّ الاقتداء هو التحاق بالمسار الإلهي لا مجرَّد التَّشبه الخارجي.

 ومن أخطر الإشكالات التي تعالجها هذه الرُّؤية محاولة الإنسان الجمع بين متطلبات متناقضة: الحقّ من جهة، والمصلحة أو الرَّاحة أو القبول الاجتماعي من جهةٍ أخرى. إلَّا أن منطق كربلاء يكشف أنَّ لحظة الحقيقة لا تقبل هذا التَّعدد؛ لأنَّ الموقف النِّهائي يتطلَّب تحديدًا واضحًا للموقع، دون إمكانيَّة الجمع بين الاتِّجاهات المتعارضة.

 وفي ضوء هذا الفهم، يمكن قراءة سيرة قمر بني هاشم (عليه السلام) بوصفها نموذجًا لتحديد الموقع النِّهائي للإنسان، حيث تُقاس القيمة بمدى صدقه في اختيار الجهة التي ينتمي إليها. فلم يكن هدفه موقعًا اجتماعيًّا أو امتيازًا دنيويًّا أو حضورًا رمزيًّا؛ بل كان معيار اختياره مرتبطًا بالإخلاص المطلق لله (تعالى)، بما يجعل موقفه تجسيدًا عمليًّا للانتماء إلى الحقِّ في صورته المطلقة.

 إنَّ ما تقدِّمه سيرة العبَّاس (عليه السلام) في هذا الإطار هو نموذج للثَّبات في الموقع، حيث تتحوَّل الهوية إلى قرار مستمر، لا إلى حالة متغيِّرة. وكلَّما اتَّضح الانتماء، تقلصت مساحة التَّشتت، وكلَّما تشوَّش الانتماء، ازدادت قابليَّة الانهيار. وعند هذه النقطة، يتَّضح أنَّ الخلود الذي ناله كان نتيجة قرار نهائي حسم فيه موقعه من الوجود، فصار مثالًا يُقاس به صدق الانتماء، ومعيارًا يُكشف به ثبات الموقف في مواجهة الحقيقة المطلقة.

 إنَّ ما تكشفه سيرة أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) من تاريخ كربلاء منظومة متكاملة تعيد تعريف الإنسان من الدَّاخل. فالبصيرة التي تحكَّمت في وعيه، والتَّسليم الذي شكَّل انطلاقته، والوفاء الذي صاغ موقفه، والنَّصيحة التي بلغت ذروة بذله، والصُّمود الذي حفظ توازنه… كلها حلقات في بناء واحد، يجعل من هذه الشَّخصيَّة معيارًا لفهم الإنسان حين يبلغ أقصى درجات صدقه مع نفسه ومع ربِّه (سبحانه).

 لقد أرادت كربلاء أن تكشف أنَّ المعركة الحقيقيَّة لم تقتصر بين سيف وسيف، وإنَّما بين وعي وغياب وعي، بين بصيرة وعمى، بين ثبات وانهيار خفي. وفي هذا الميزان، كان العبَّاس (عليه السلام) تجسيدًا لانتصار المعنى على الفوضى، ولانتصار اليقين على التَّردد، ولانتصار الانتماء الصَّادق على كلِّ أشكال الازدواج والالتباس.

 ومن هنا، يبقى سؤال هذه السِّيرة حاضرًا لكلِّ إنسان في كلِّ زمان: حين تتكاثر الطُّرق وتختلط الأصوات وتضطرب المعايير… مع من تقف؟

 والإجابة عن هذا السُّؤال هي التي تصنع ملامح الإنسان، وتحدِّد موقعه من الحقيقة، وتكشف أنَّ كان يعيش بقلبٍ ثابت، أم بوعيٍ متردِّد، أم بانتماءٍ لم يُحسم بعد.

 وهكذا، لا تنتهي سيرة العبَّاس (عليه السلام) عند حدود كربلاء؛ وإنَّما تبدأ منها، لتبقى معيارًا مفتوحًا يُقاس به صدق الإنسان كلَّما وُضع في موضع الاختبار.

..........................................

الهوامش:

1. كامل الزيارات: ص442.

2. التفسير الكبير (تفسير القران العظيم):ج3، ص512.

3. المفردات في غريب القران: ص49

4. تفسير مجمع البيان: ج5، 464.

5. سورة يوسف/ الآية: 108.

6. سورة يوسف/ الآية: 108.

7. تفسير العياشي: ج2، ص201.

8. سورة الكهف/ الآيتان: 103-104.

9. كامل الزيارات: ص442.

10. سورة إبراهيم/ الآية: 27.

11. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص213.

12. كامل الزيارات: ص440.

13. سورة النساء/ الآية: 65.

14. الكافي (دار الحديث): ج4، ص166.

15. سورة الحجرات/ الآية: 15.

16. سورة الأحزاب/ الآية: 23.

17. النَّاصحُ: الخالص من العسل وغيره. وكل شيءٍ خَلَصَ... والنُّصْح: نقيض الغِشّ مشتق منه نَصَحه وله نُصْحاً ونَصِيحة ونَصاحة ونِصاحة ونَصاحِيةً ونَصْحاً... ومعنى النصيحة لله: صحة الاعتقاد في وحدانيته وإِخلاص النيَّة في عبادته. والنصيحة لكتاب الله: هو التصديق به والعمل بما فيه. ونصيحة رسوله: التصديق بنبوّته ورسالته والانقياد لما أَمر به ونهى عنه...". لسان العرب: ج2، ص616.

18. لسان العرب: ج2، ص615. نَصَحَ الشيءُ: خَلَصَ.

19. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص225.

20. مستدرك الوسائل: ج12، ص429.

21. كامل الزيارات: ص441.

22. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص225.

23. بلغ: بَلغَ الشيءُ يَبْلُغُ بُلُوغاً وبَلاغاً: وصَلَ وانْتَهَى. وتَبَلَّغَ بالشيء: وصَلَ إِلى مُرادِه، وبَلَغَ مَبْلَغَ فلان ومَبْلَغَتَه. والمُبالَغةُ: أَن تَبْلُغَ في الأَمر جُهْدَك. لسان العرب: ج8، ص419.

24. سورة البقرة/ الآية: 207.

25. كامل الزيارات: ص442.

26. الضَّعْف في العمل والأمْر، وكذلك في العَظْم ونحوه. تهذيب اللغة: ج6، ص234.

27. نكل: نَكَلَ عنه يَنْكِل ويَنْكُل نُكولاً ونَكِلَ: نَكَصَ. يقال: نَكَل عن العدوّ وعن اليمين يَنْكُل، بالضم، أَي: جَبُنَ، ونَكَّله عن الشيء: صرفه عنه. ويقال: نكَل الرجل عن الأَمر يَنْكُل نُكولاً إِذا جَبُنَ عنه، ولغة أُخرى نَكِل، بالكسر، يَنْكَل، والأُولى أَجود. الليث: النّكل اسم لما جعلْته نَكالاً لغيره إِذا رآه خاف أَن يعمل عمله. الجوهري: نَكَّل به تَنْكِيلاً إِذا جعله نَكالاً وعِبْرة لغيره. ويقال: نَكَّلْت بفلان إِذا عاقبته في جُرْم أَجرمه عُقوبةُ تَنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله. وأَنْكَلْت الرجلَ عن حاجته إِنْكالاً إِذا دفعته عنها. لسان العرب: ج11، ص677.

28. سورة آل عمران/ الآية: 139.

29. كامل الزيارات: ص442.

30. سورة التوبة/ الآية: 119.

31. سورة الإنعام/ الآية: 90.

اضف تعليق