ما قد يبدو في ظاهره مواقف استثنائيَّة أو سلوكيات تفوق المألوف؛ إنَّما هو في حقيقته نتيجة طبيعيَّة لمنظومة فكريَّة متكاملة، تشكَّلت على أساس الوعي العميق بالإمام (عليه السلام)، وتقديم الحقِّ على الذَّات، والإدراك الدَّقيق للدَّور ضمن منظومة الإمامة. ومن هنا، فإنَّ السيِّدة أمّ البنين تمثِّل نموذجًا قابلًا للفهم والتَّحليل...

يمثِّل البحث في الشَّخصيات الرِّساليَّة إحدى أهم المداخل لفهم كيفيَّة تشكِّل الوعي الدِّيني في مستواه التَّطبيقي؛ إذ لا تقتصر هذه الشَّخصيات على كونها نماذج تاريخيَّة تُروى سيرتها، وتتجاوز ذلك لتكون تجسيدًا لمنظومات فكريَّة يمكن استحضارها في بناء الإنسان المعاصر. وفي هذا الإطار، تبرز شخصيَّة السيِّدة أمِّ البنين (عليها السلام) بوصفها نموذجًا فريدًا في تمثُّل "العقليَّة الرِّساليَّة"؛ حيث اندمج الوعي بالموقف، والتَّفكير بالسُّلوك، لتقدِّمَ صورة متكاملة عن الإنسان الذي يعيش للرِّسالة لا لذاته.

 وتكتسب دراسة هذه الشَّخصيَّة أهميَّة مضاعفة في ظلِّ التَّحولات الفكريَّة والاجتماعيَّة التي يشهدها العصر الحديث، والتي أدَّت إلى تصاعد النَّزعة الفرديَّة، وتراجع مركزيَّة القيم الكبرى في توجيه السُّلوك. ومن هنا، يصبح استحضار نموذج السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) ضرورة معرفيَّة وتربويَّة، لا بوصفها حالة استثنائيَّة معزولة؛ وإنَّما باعتبارها مثالًا يمكن بواسطته إعادة بناء الوعي على أُسُس رساليَّة متينة.

 وعليه، فإنَّ إعادة سرد سيرة أمِّ البنين (عليها السلام)، تشكِّل أساسًا لإعادة ترتيب الأولويات في حياة الفرد والمجتمع، وإعادة توجيه النَّظر نحو القيم العليا التي قامت عليها رسالة الإسلام.

المحور الأوَّل: الإطار المفاهيمي لعقليَّة السيِّدة أمِّ البنين (عليها السلام)

 لم تكن مواقف السيِّدة الجليلة أم البنين (عليها السلام) وليدة عاطفة آنيَّة أو ظروف طارئة؛ ولكن كانت ثمرة رؤية واعية قائمة على إدراك لوظيفتها ضمن المنظومة الرِّساليَّة المرتبطة بالإمام الحسين (عليه السلام).

أوَّلًا: تعريف العقليَّة الرِّساليَّة ومقوِّماتها

 يمكن تعريف "العقليَّة الرِّساليَّة" بأنَّها نمط من الوعي الإنساني يتشكَّل على أساس الانتماء إلى الغاية الإلهيَّة، بحيث تصبح حركة الإنسان، في تفكيره وسلوكه وقراراته، منسجمة مع أهداف الرِّسالة الإلهيِّة ومقاصدها العليا. فهذه العقليَّة لا تنظر إلى الحياة بوصفها ساحة لتحقيق المصالح الشَّخصيَّة، وإنَّما تراها ميدانًا للابتلاء وتحقيق العبوديَّة لله (تعالى) من خلال نصرة الحقِّ والوقوف مع أوليائه (عليهم السلام).

وتستند هذه العقليَّة إلى جملة من المقوِّمات الأساسيَّة:

1. مركزيَّة "معرفة الإمام" بوصفها حجر الأساس في بناء الوعي الرِّسالي؛ إذ إنَّ الارتباط بالإمام المعصوم (عليه السلام) يهدي الإنسان إلى النَّهج الصَّحيح، ويمنحه معيار التَّمييز بين الحقِّ والباطل. وقد جاء في الحديث الشَّريف: "مَنْ ماتَ وَلَمْ يَعْرِفْ امامَ زَمانِهِ ماتَ ميتَةً جاهِلَيَّةَ"(1)، وهو نصٌّ يكشف أنَّ الجهل بالإمام انحراف في أصل الانتماء الرِّسالي.

2. تقديم "القضية" على "الذَّات"، بحيث تتراجع المصالح الفرديَّة أمام متطلبات الرِّسالة. وهذا المعنى يتجلَّى بوضوح في قوله (تعالى): (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(2)، حيث تتحوَّل حياة الإنسان بأكملها إلى مسار موجه نحو الله (عزَّ وجلَّ)، لا تحكمه النَّزعات الذَّاتيَّة.

3. الوعي بالتَّكليف الشَّرعي بوصفه مسؤوليَّة مستمرة، لا تخضع للظُّروف أو الحسابات الدُّنيويَّة. فالعقليَّة الرِّساليَّة تدرك أنَّ القيمة الحقيقيَّة للفعل تقاس بمدى انسجامه مع الأمر الإلهي. وفي هذا الإطار، يبرز قول الإمام الحسين (عليه السلام): "وأنّي لَم أخرُج أشِراً ولا بَطِراً ولا مُفسِداً ولا ظالِماً، وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ الإِصلاحِ في امَّةِ جَدّي صلَّى الله عليه وآله اريدُ أن آمُرَ بِالمَعروفِ وأنهى عَنِ المُنكَرِ، وأسيرَ بِسيرَةِ جَدّي مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وأبي عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام"(3)، ليؤكِّد أنَّ الحركة الرِّسالية تنطلق من تكليف، لا من رغبة شخصيَّة.

4. الاستعداد للتَّضحية؛ إذ لا يمكن للعقليَّة الرِّساليَّة أن تتحقق دون قابليَّة تقديم أغلى ما يملك الإنسان في سبيل الحقِّ. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (سبحانه): (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (4)، حيث يصبح الوفاء بالعهد الإلهي معيارًا لصدق الإيمان.

 ثانيًا: الفرق بين التَّفكير الذَّاتي والتَّفكير المرتبط بالقضية

 ينبغي التَّمييز بين نمطينِ من التَّفكير: التَّفكير الذَّاتي، والتَّفكير المرتبط بالقضية. فالتَّفكير الذَّاتي يتمحوَّر حول "الأنا"، ويقيس الأمور بميزان الرِّبح والخسارة الشَّخصيَّة، ويتأثَّر بالانفعالات والميول الفرديَّة. وهو تفكير قد يقود إلى اتِّخاذ مواقف متقلبة؛ إذ إنَّ مرجعيته الأساسيَّة هي المصلحة الآنيَّة، لا المبدأ الثَّابت.

 أمَّا التَّفكير المرتبط بالقضية، فينطلق من إدراك الإنسان لانتمائه إلى مشروع أوسع، فيُخضع رغباته وتطلعاته لمقتضيات هذا المشروع. وفي هذا النَّوع من التَّفكير، تصبح الأسئلة الجوهريَّة: ماذا يريد الله (سبحانه)؟

 وما هو الموقف الذي ينسجم مع خطِّ الإمام المعصوم (عليه السلام)؟

 لا: ماذا أريد أنا؟

 وقد جسَّد القرآن الكريم هذا التَّحول في الوعي في قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(5)، حيث تنتقل ملكيَّة النَّفس من الإنسان إلى الله (تعالى)، فيتحوَّل وجوده إلى أمانة تُدار وفق الإرادة الإلهيَّة.

 ومن هنا، فإنَّ الفارق الجوهري بين النَّمطينِ يكمن في طريقة التَّفكير والوعي؛ فالأوَّل وعي متمركز حول الذَّات، والثَّاني وعي متجاوز لها نحو الرِّسالة.

ثالثًا: خصوصيَّة شخصيَّة أمّ البنين (عليها السلام)

 في ضوء ما تقدَّم، يمكن الاقتراب من فهم خصوصيَّة شخصيَّة السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام)، التي تمثِّل تجسيدًا للعقليَّة الرِّساليَّة في أرقى صورها. فهي لم تدخل بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصفها زوجة فحسب؛ وإنَّما باعتبارها عنصرًا واعيًا لدورها في خدمة الامتداد الحسيني.

 وتكشف مواقفها التَّاريخيَّة عن وعي عميق بهذه الوظيفة؛ "ويستفاد قوَّة إيمانها وتشيِّعها أنَّ بشر كلَّما نعى إليها بعد وروده المدينة أحدًا من أولادها الأربعة، قالت ما معناه: أخبرني عن أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) فلمَّا نعى إليها الأربعة. قالت: قد قطعت نياط قلبي، أولادي ومن تحت الخضراء كلّهم فداء لأبي عبد اللّه الحسين (عليها السلام) أخبرني عن الحسين (عليها السلام) فإنَّ علقتها بالحسين (عليها السلام) ليس إلَّا لإمامته (عليه السّلام) وتهوينها على نفسها موت مثل هؤلاء الأشبال الأربعة إن سلم الحسين (عليه السلام)..."(6)، وهو تعبير صريح عن أنَّ مركز اهتمامها لم يكن الأبناء بوصفهم امتدادًا ذاتيًا؛ بل بوصفهم جنودًا في مشروع الحسين (عليه السلام).

 إنَّ هذه المواقف هي انعكاس لمنظومة فكريَّة رساليَّة ترى أنَّ القيمة الحقيقيَّة للأبناء تكمن في موقعهم من القضية، لا في كونهم أبناءً فحسب. ومن هنا، تصبح أمُّ البنين (عليها السلام) نموذجًا فريدًا في تحويل الرَّوابط الطَّبيعيَّة (كالأمومة) إلى أدوات في خدمة الرِّسالة، لا عوائق أمامها.

المحور الثَّاني: البعد التَّربوي في سلوك السيِّدة أمِّ البنين (عليها السلام)

 يمثِّل البعد التَّربوي في شخصيَّة السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) أحد أبرز تجليات عقلها الرِّسالي؛ إذ كانت تربيتها لأبنائها مشروعًا واعيًا يهدف إلى صناعة جيل منسجم مع خطِّ الإمامة، وقادر على تحمُّل أعباء النصرة في أحلك الظُّروف. ولهذا السَّبب، فإنَّ دراسة منهجها التَّربوي تكشف عن رؤية عميقة لطبيعة الإنسان، وآليات بناء الوعي، ودور الأسرة في تشكيل الانتماء الرِّسالي. 

1. غرس الولاء للإمام (عليه السلام) بوصفه أصل التَّربية

 تقوم التَّربية الرِّساليَّة، في جوهرها، على بناء علاقة الإنسان بالإمام المعصوم (عليه السلام)، بوصفه الامتداد الحي للهداية الإلهيَّة. وقد أدركت مولاتنا أمّ البنين (عليها السلام) أنَّ أيَّ بناء تربوي لا يستند إلى هذا الأصل يظلُّ عرضة للانهيار أمام الفتن والتَّحديات، لذلك جعلت من الولاء للإمام الحسين (عليه السلام) محورًا أساسيًّا في تربية أبنائها.

 وهذا المنهج ينسجم مع ما أكَّدت عليه النُّصوص الشَّريفة من مركزيَّة هذا الارتباط، فقد جاء في الحديث عن الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "أَهْلِ بَيْتِي كَسَفِينَةِ نُوحٍ: مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ" (7)، وهو تعبير يرسم بوضوح أنَّ النَّجاة لا تتحقَّق إلَّا بالانتماء الواعي إلى خطِّ أهل البيت (عليهم السلام).

 وفي هذا الإطار، كان الولاء في تربية مولاتنا أمِّ البنين (عليها السلام) وعيًا متجذرًا يحدِّد الموقف والسُّلوك. فقد ربَّت أبناءها على أنَّ الإمام (عليه السلام) هو محور الحقِّ، وأنَّ قيمتهم الحقيقيَّة تكمن في مدى قربهم منه وخدمتهم له (عليه السلام). ومن هنا، تشكَّل لديهم استعداد مبكر للتَّضحية.

2. صناعة الوعي الرِّسالي لدى الأبناء

 لم تقتصر تربية السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) على غرس الولاء، وامتدَّت إلى بناء وعي عميق بطبيعة الصِّراع بين الحقِّ والباطل، وهو ما يمكن تسميته بـ"الوعي الرِّسالي". فهذا النَّوع من الوعي يدرك ويربط القيم بالواقع، ويمنح الإنسان القدرة على اتِّخاذ موقف صحيح في اللحظة الحرجة.

 وقد أشار القرآن الكريم إلى أهميَّة هذا الوعي في قوله (تعالى): (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (8)، حيث تُعدُّ "البصيرة" شرطًا محوريًّا في العمل الرِّسالي؛ لأنَّها تمنع الانخداع بالمظاهر، وتمنح الإنسان القدرة على رؤية الحقيقة كما هي.

 وفي ضوء ذلك، يمكن فهم مواقف أبناء مولاتنا أمِّ البنين (عليها السلام) في كربلاء بوصفها نتيجة لهذا البناء الواعي؛ إذ لم يترددوا في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولم يتزعزعوا أمام كثرة الأعداء؛ لأنَّهم كانوا يمتلكون رؤية واضحة لطبيعة المعركة. وقد تجلَّى هذا الوعي في كلماتهم ومواقفهم، حيث عبَّروا عن إدراكهم بأنَّ الوقوف مع الإمام الحسين (عليه السلام) هو الوقوف مع الحقِّ المطلق، بغضِّ النَّظر عن النَّتائج.

 فهذا سيِّدنا جعفر (عليه السلام) يرتجز، ويقول:

إِنِّي أَنَا جَعْفَرٌ ذُو الْمَعَالِي * ابْنُ عَلِيِّ الْخَيْرِ ذُو النَّوَالِ

ذَاكَ الْوَصِيُّ ذُو السَّنَا وَالْوَالِي * حَسْبِي بِعَمِّي جَعْفَرٍ وَالْخَالِ

أَحْمِي حُسَيْناً ذَا النَّدَى الْمِفْضَالِ (9).

وهذا سيِّدنا عثمان (عليه السلام) سمي عثمان بن مضغون (رصوان الله عليه) (10) يرتجز، ويقول:

إِنِّي أَنَا عُثْمَانُ ذُو الْمَفَاخِرِ * شَيْخِي عَلِيٌّ ذُو الْفَعَالِ الطَّاهِرِ

هَذَا حُسَيْنٌ سَيِّدُ الْأَخَايِرِ * وَسَيِّدُ الصِّغَارِ وَالْأَكَابِرِ

بَعْدَ النَّبِيِّ وَالْوَصِيِّ النَّاصِرِ (11).

 إنَّ هذا المستوى من الوعي لا يمكن أن يُكتسب في لحظة؛ ولكن هو ثمرة تربية مستمرة، اعتمدت على ترسيخ المفاهيم، وربط الأبناء بالأهداف العظيمة، وتعويدهم على النَّظر إلى الأحداث من زاوية الرِّسالة، لا من زاوية المصلحة الشَّخصيَّة.

3. إعداد الأبناء ليكونوا امتدادًا للإمام الحسين (عليه السلام)

 إعداد الأبناء ليكونوا "امتدادًا للإمام" من أرقى مستويات التَّربية الرِّسالية، ولا يقتصر الهدف هنا على إنتاج أفراد صالحين، ويتجاوز ذلك إلى صناعة شخصيات قادرة على تجسيد أهداف الإمام (عليه السلام) في الواقع. وقد نجحت السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) في تحقيق هذا الهدف بدرجة لافتة، حيث أصبح أبناؤها من أبرز أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة كربلاء.

 ويقوم هذا النَّوع من الإعداد على تحويل القيم إلى سلوك عملي، بحيث تصبح التَّضحية، والشَّجاعة، والوفاء، جزءًا من تكوين الشَّخصيَّة، لا مجرَّد شعارات. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النُّموذج في قوله (تعالى): (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (12)؛ حيث يتحوَّل العهد إلى ممارسة عمليَّة تجسِّد الصِّدق في أعلى مستوياته. كما أنَّ هذا الإعداد كان قائمًا على ربط الأبناء بالله (تعالى)، وتعزيز الشُّعور بالمسؤوليَّة أمامه، وهو ما يمنح السُّلوك ثباتًا واستمراريَّة، بعيدًا عن التَّقلبات النَّفسيَّة.

 لقد ربَّتهم (عليهم السلام) على أن يكونوا جاهزين لتحمُّل تكليف النُّصرة، مهما كان الثَّمن. وهذا ما تجلَّى بوضوح في مواقفهم يوم عاشوراء، فإنَّ إقدامهم بثبات وإخلاص يكشف عن عمق البناء الذي خضعوا له، ومستوى الوعي الذي تشكَّل في نفوسهم (عليهم السلام).

4. التَّكامل بين العاطفة والعقل في التَّربية

 من السِّمات البارزة في منهج السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين العاطفة والعقل في العمليَّة التَّربويَّة. فهي، بوصفها أمًّا، لم تُلغِ عاطفتها اتِّجاه أبنائها؛ لكنَّها لم تسمح لهذه العاطفة أن تتحوَّل إلى عائق أمام تحقيق الهدف الرِّسالي. وهذا التَّوازن يتجلَّى في تحويل العاطفة إلى قوَّة دافعة نحو الحقِّ، بدل أن تكون عنصرًا معيقًا له. 

المحور الثَّالث: تجليَّات العقليَّة الرِّسالية في موقف كربلاء

 تمثِّل واقعة الطَّف لحظة كاشفة لحقائق النُّفوس، حيث تظهر مراتب الوعي والولاء بأوضح صورها. وفي هذا السِّياق، تبرز مواقف السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) بعد الفاجعة بوصفها نموذجًا تطبيقيًّا للعقليَّة الرِّساليَّة التي سبق تحليل أصولها؛ إذ تحوَّلت تلك المرتكزات الفكريَّة إلى سلوك عملي يكشف عن أعلى درجات الانسجام بين المعرفة والموقف.

1. أولويَّة السُّؤال عن الإمام الحسين (عليه السلام)

 من أبرز المواقف التي نُقلت عنها (عليها السلام) أنَّها عند وصول خبر كربلاء، لم تبدأ بالسُّؤال عن أبنائها، وكان سؤالها الأوَّل عن الإمام الحسين (عليه السلام). ويُعدُّ هذا الموقف من النَّاحية التَّحليلية مؤشِّرًا بالغ الدلالة على طبيعة ترتيب القيم في وعيها، حيث تقدَّم "الإمام" بوصفه محور القضية على كلِّ الرَّوابط الأخرى، بما فيها رابطة الأمومة.

 إنَّ هذا السُّلوك لا يمكن تفسيره ضمن الإطار العاطفي الطَّبيعي؛ لأنَّ الفطرة الإنسانيَّة تميل إلى تقديم الأبناء في مثل هذه المواقف، غير أنَّ أمَّ البنين (عليها السلام) قد أعادت تشكيل هذه الفطرة في ضوء وعيها الرِّسالي، بحيث أصبح الإمام (عليه السلام) هو مركز الاهتمام الأوَّل بوصفه تجسيدًا للحقِّ الإلهي في الأرض.

 ويجد هذا الموقف جذوره في الرُّؤية القرآنيَّة التي تجعل الارتباط بالله (تعالى) ورسوله الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) وأوليائه فوق كلِّ ارتباط آخر، كما في قوله (تعالى): (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(13)، حيث يُعاد ترتيب سلَّم الأولويات بما ينسجم مع مقتضيات الإيمان الحقيقي.

2. دلالات تقديم الإمام (عليه السلام) على الأبناء

 يكشف تقديم أمِّ البنين (عليها السلام) للسُّؤال عن الإمام الحسين (عليه السلام) على أبنائها عن جملة من المعاني الفكريَّة:

- لم تكن السيِّدة أمُّ البنين (عليها السلام) ترى أبناءها مجرَّد أبناءٍ لها؛ وإنَّما كانت تراهم جنودًا للإمام الحسين (عليه السلام). لذلك كانت قيمة وجودهم (عليهم السلام) مرتبطةً بموقعهم من الإمام (عليهم السلام)، وكلَّما اقتربوا من خدمته ازدادت قيمتهم. ولهذا كان بذلهم أرواحهم بين يديه تحقيقًا للرِّسالة التي نشؤوا عليها، وبلوغًا للغاية التي كرَّست حياتها (عليها السلام) لتربيتهم من أجلها.

- أنَّ هذا الموقف يعكس درجة متقدِّمة من "تجريد الذَّات"، حيث تنحسر النَّزعة الفرديَّة لصالح الانتماء الكلي إلى الرِّسالة. وهذا المعنى يتَّفق مع ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(14)، حيث يصبح الإنسان بكامل وجوده في دائرة التَّكليف الإلهي.

- أنَّ هذا التَّرتيب يكشف عن وعي دقيق بطبيعة المعركة في كربلاء؛ فهي لم ترَ الحدث بوصفه مأساة شخصيَّة؛ وإنَّما بوصفه صراعًا بين الحقِّ والباطل.

3. امتداد الموقف للمنظومة التَّربويَّة

 لا يمكن فصل موقف مولاتنا أمّ البنين (عليها السلام) بعد كربلاء عن منهجها التَّربوي الذي سبق بيانه، فما ظهر في لحظة الفاجعة كان نتيجة طبيعيَّة لبناء طويل قائم على غرس الولاء وصناعة الوعي.

 فكما ربَّت أبناءها على تقديم الإمام (عليه السلام) على أنفسهم، جسَّدت هي هذا المبدأ في سلوكها؛ لتكون قدوة عمليَّة تؤكِّد صدق ما غرسته في نفوسهم. وهذا الانسجام بين القول والفعل يُعدُّ من أهمِّ عناصر التَّأثير التَّربوي؛ لأنَّه يحوِّل القيم من مجرَّد مفاهيم نظريَّة إلى واقع معاش.

 ومن هذه النُّقطة يفهم، أنَّ استشهاد أبنائها في كربلاء لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا البناء؛ فقد كانوا ثمرة تربية قائمة على إدراك أنَّ النُّصرة الحقيقيَّة للإمام تتطلَّب الاستعداد للتَّضحية القصوى، وهو ما تحقَّق في مواقفهم يوم عاشوراء.

4. البعد الإعلامي في موقفها (عليها السلام) بعد الطَّف

 لم يتوقف دور أمِّ البنين (عليها السلام) عند حدود التَّفاعل مع الحدث، وامتدَّ إلى أداء وظيفة إعلاميَّة مهمَّة في نقل مأساة كربلاء إلى المجتمع. فقد كانت تخرج إلى البقيع، وتبكي أبناءها، وتقول:

لا تَدْعُونِّي وَيْكِ أُمَّ البَنِينِ * تُذَكِّرِينِي بِلِيُوثِ الْعَرِينِ

كانَتْ بَنُونَ لِي أُدْعى بِهِمْ * وَاليَوْمَ أَصْبَحْتُ وَلا مِنْ بَنِينِ

أَرْبَعَةٌ مِثْلُ نُسُورِ الرُّبى * قَدْ واصَلُوا المَوْتَ بِقَطْعِ الوَتِينِ

تَنازَعَ الخِرْصانُ أَشْلاَهُمْ * فَكُلُّهُمْ أمْسى صَرِيعاً طَعِين

يا لَيْتَ شِعْرِي أَكَما أَخْبَرُوا * بِأَنَّ عَبّاساً قَطِيعُ الَّيمِينِ (15).

 ممَّا أسهم في ترسيخ الوعي العام بحقيقة ما جرى. وهذا السُّلوك يعكس فهمًا عميقًا لدور "الكلمة" في حفظ القضية، حيث تتحوَّل المشاعر إلى خطاب مؤثِّر يوقظ الضَّمير الجمعي. وهو ما ينسجم مع التَّوجيهات القرآنيَّة التي تؤكِّد على أهميَّة التَّذكير وإحياء القيم، كما في قول الله (تعالى): (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (16). وعليه، فإنَّ مواقف مولاتنا أمِّ البنين (عليها السلام) بعد واقعة الطف تمثِّل تجلّيًّا عمليًّا للعقليَّة الرِّساليَّة في أعلى مستوياتها، حيث يظهر وضوح الرُّؤية، وثبات الموقف، ودقَّة ترتيب القيم، في لحظة تُعدُّ من أشدِّ لحظات الابتلاء.

 وبعد هذه الرِّحلة في رحاب هذه السيِّدة الجليلة تكشف لنا شخصيَّة السيدة أمّ البنين (عليها السلام) أنَّ ما قد يبدو في ظاهره مواقف استثنائيَّة أو سلوكيات تفوق المألوف؛ إنَّما هو في حقيقته نتيجة طبيعيَّة لمنظومة فكريَّة متكاملة، تشكَّلت على أساس الوعي العميق بالإمام (عليه السلام)، وتقديم الحقِّ على الذَّات، والإدراك الدَّقيق للدَّور ضمن منظومة الإمامة. ومن هنا، فإنَّ السيِّدة أمّ البنين (عليها السلام) تمثِّل نموذجًا قابلًا للفهم والتَّحليل، ومن ثمَّ للاستلهام والتَّطبيق.

 وقد تبيَّن أنَّ هذه العقليَّة قد ظهرت في ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى فكري يقوم على مركزيَّة القضية، ومستوى تربوي يسعى إلى صناعة جيل منسجم مع هذه المركزيَّة، ومستوى عملي ظهر بأوضح صوره في مواقف كربلاء وما بعدها. وهذا التَّداخل يكشف عن وحدة الرُّؤية والسُّلوك، حيث تتحوَّل القيم من مجرَّد مفاهيم نظريَّة إلى ممارسات واقعيَّة تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل.

 وعليه، فإنَّ القيمة الحقيقيَّة لهذه الدِّراسة تكمن في في قدرتها على تحويل هذا التَّحليل إلى أداة لفهم الحاضر وصناعة المستقبل. فحين تتحوَّل أمّ البنين (عليها السلام) من "شخصيَّة تاريخيَّة" إلى "منهج وعي"، يصبح بالإمكان استعادة البعد الرِّسالي في حياة الإنسان، وإعادة توجيه مساره نحو الغاية التي خُلق من أجلها.

......................................

الهوامش:

1. ينابيع المودة، القندوزي: ج3، ص372. الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة: ص89. 

2. سورة الأنعام/ الآية: 162.

3. تسلية المجالس: ج2، ص160، بحار الأنوار: ج44، ص، مقتل الحسين (عليه السلام) (الخوارزمي): ج1، ص188.

4. سورة الأحزاب/ الآية: 23.

5. سورة التوبة/ الآية: 111.

6. ينظر: تنقيح المقال في علم الرجال (ط. ق): ج3، ص70.

7. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: ج1، ص83.

8. سورة يوسف/ الآية: 108.

9. المناقب: ج4، ص107.

10. كان من الأصحاب الأخيار، وقد توفي في زمن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم). قال الإمام علي (عليه السلام): "إنَّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون". مقاتل الطالبيين: ص55.

11. المناقب: ج4، ص107.

12. سورة الأحزاب/ الآية: 23.

13. سورة التوبة/ الآية: 24.

14. سورة التوبة/ الآية: 111.

15. مقتل الحسين (عليه السلام) (أبو مخنف الأزدي): ص181. 

16. سورة الذاريات/ الآية: 55.

اضف تعليق