ليس العراق اليوم في حاجة إلى وفرة الكلام بقدر حاجته إلى طهارة الكلمة، ولا إلى تضخم الشعارات بقدر حاجته إلى صدق المعنى. فقد مرّ على هذا البلد من الخطب ما يكفي لأن يُتعب السمع ويُرهق القلب، وعمران المجتمع يبدأ من استقامة اللسان، والتبين القرآني صمّام أمان اجتماعي...
ليس العراق اليوم في حاجة إلى وفرة الكلام بقدر حاجته إلى طهارة الكلمة، ولا إلى تضخم الشعارات بقدر حاجته إلى صدق المعنى. فقد مرّ على هذا البلد من الخطب والوعود والبيانات والاتهامات ما يكفي لأن يُتعب السمع ويُرهق القلب، حتى صار العراقي في كثير من الأحيان يميّز بين من يتكلم ومن يَصدق، وبين من يرفع العنوان ومن يحمل الأمانة، وبين من يستعير لغة الدين ومن يتأدب فعلًا بميزان القرآن وأهل البيت عليهم السلام.
ومن هنا فإن من أعمق ما يمكن أن يُكتب عن العراق اليوم، لا بوصفه ساحة أزمة فقط بل بوصفه أرض رسالة، هو الحديث عن أمانة الكلمة: الكلمة في البيت، والكلمة في المنبر، والكلمة في الإعلام، والكلمة في السياسة، والكلمة في القضاء، والكلمة في الخصومة، والكلمة في السلم الأهلي، بل والكلمة في تشكيل وعي الأجيال.
إن القرآن الكريم لم يتعامل مع الكلمة على أنها مجرد صوت يخرج من الفم ثم يتلاشى، بل جعل لها وزنًا أخلاقيًا ومصيريًا. يقول تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، ويقول سبحانه: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، ويقول جلّ شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}.
هذه الآيات لا ترسم فقط آداب التخاطب، بل تؤسس لفكرة كبرى، وهي أن عمران المجتمع يبدأ من استقامة اللسان، وأن فساد العلاقات كثيرًا ما يبدأ من كلمة غير مسؤولة، أو من وعد لا يُراد الوفاء به، أو من إشاعة تُطلق بطيش، أو من شهادة تُحرّف، أو من خطاب يهيّج الغرائز ويطفئ البصائر.
وفي المدرسة الشيعية، لا تُفهم الكلمة بمعزل عن الولاية والأخلاق.
فالإمام علي عليه السلام، وهو إمام البلاغة والعدل معًا، لم يكن ينظر إلى البيان على أنه مهارة لغوية فحسب، بل كان يربطه بالحق والورع والميزان. وقد رُوي عنه عليه السلام: «المرء مخبوء تحت لسانه»، وروي عنه أيضًا: «اللسان سبعٌ إن خُلّي عنه عقر». والكلمة هنا ليست أمرًا ثانويًا، لأن اللسان يكشف معدن الإنسان، ويعرّي ما في القلب، ويصنع في الوقت نفسه أثرًا يتجاوز صاحبه إلى أسرته وبيئته ومجتمعه.
لذلك لم يكن أئمة أهل البيت عليهم السلام يربّون أتباعهم على كثرة الكلام، بل على صدقه، وعلى أن يكون اللسان ترجمانَ عقلٍ وتقوى، لا أداةَ خصومةٍ وتهويلٍ وإفساد.
وحين نتأمل في واقع العراق، نجد أن كثيرًا من أزماته لا ترجع فقط إلى نقص الموارد أو تعقيد الإدارة أو آثار الحروب، بل ترجع أيضًا إلى أزمة في أخلاق الخطاب. فالبيت العراقي يتأذى حين تتحول الكلمة بين الزوج والزوجة إلى جرح دائم، وحين يفقد الأب حكمة التوجيه فيحلّ الصراخ محل التربية، وحين يكبر الطفل في بيئة يسمع فيها الإهانة أكثر مما يسمع الموعظة.
والمجتمع العراقي يتأذى حين تتحول المجالس إلى مصانع للغيبة، وحين تتوسع دائرة السخرية والاتهام وسوء الظن، وحين يصبح نقل الكلام بين الناس نوعًا من التسلية اليومية، مع أن الشريعة ربطت النميمة بالإفساد المباشر، لا بالخطأ الهامشي. والدولة كذلك تتأذى حين تُبنى العلاقة بين المسؤول والناس على خطاب لا يطابق الواقع، أو على وعود تُطلق لتهدئة الشارع لا لخدمته، أو على مفردات كبيرة تُستهلك حتى تفقد معناها.
ومن أخطر ما أصاب المجتمعات في هذا العصر أن الكلمة لم تعد حبيسة المجالس الخاصة، بل صارت تنتقل في لحظات عبر الهاتف والشاشة والمنصة، فتتسع دوائر أثرها واتساع ضررها. وهنا يصبح الميزان القرآني أكثر إلحاحًا، لا أقل. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}.
هذه الآية لم تُكتب لزمن الرسائل الورقية فقط، بل هي اليوم أشد حياة من أي وقت مضى. كم من بيت عراقي اضطرب بسبب خبر كاذب؟ وكم من سمعة إنسان شُوّهت بسبب مقطع مجتزأ أو صورة مبتورة أو اتهام مرسل؟ وكم من خصومة عشائرية أو اجتماعية أو دينية اشتعلت لأن أحدهم لم يتثبت من كلمة سمعها ثم جعلها مادةً للانتقام؟ إن التبين في الوعي القرآني ليس مجرد فضيلة معرفية، بل صمّام أمان اجتماعي. والمجتمع الذي يفقد هذا الخلق يعيش دائمًا على حافة الشائعة والانفعال والظلم.
ومن هنا فإن العراق، إذا أراد أن يحمي نسيجه من التآكل، يحتاج إلى أن يعيد بناء فقه الكلمة في وجدانه العام. وليس المقصود بالفقه هنا المعنى الاصطلاحي الضيق فقط، بل الفهم العميق الذي يجعل الإنسان يعرف متى يتكلم، وكيف يتكلم، ولماذا يتكلم، ولأي غاية يوجّه عبارته. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُقال في كل مقام، وليس كل حق يُطرح بطريقة صالحة للإصلاح. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا». وهذه الرواية على وجازتها تختصر بابًا كاملًا من المسؤولية الأخلاقية؛ لأن المنتسب إلى أهل البيت عليهم السلام لا يُطالب فقط بصحة العقيدة، بل أيضًا بحسن التمثيل. فإذا كان اللسان فظًّا، كاذبًا، مهينًا، متهورًا، فإن الضرر لا يبقى شخصيًا، بل ينعكس على صورة الانتماء نفسه.
وفي العراق، حيث يمتزج الديني بالاجتماعي امتزاجًا عميقًا، تكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة. فالكلمة التي تُقال على المنبر ليست كالكلمة التي تُقال في الطريق، والكلمة التي تُبث باسم الدين ليست كأي خطاب آخر؛ لأنها تدخل مباشرة إلى ضمير الناس، وتستطيع أن تبني وعيًا أو تفسده، أن تُطفئ فتنة أو توقدها، أن تُقرّب بين القلوب أو توسّع هوة الانقسام. ولهذا كان من أوجب الواجبات أن تُصان المنابر من التسرع، وأن تُصان اللغة الدينية من التحريض الرخيص، وأن يُربّى الجيل على أن نصرة الحق لا تعني ظلم المخالف، وأن الغيرة على المذهب لا تعني سقوط العدل، وأن الحماسة إذا انفصلت عن الحكمة انقلبت من خدمة للدين إلى عبء عليه.
ولعل من أجمل ما تورثه مدرسة أهل البيت عليهم السلام في هذا الباب أنها لا تكتفي بطلب الصدق بوصفه حكمًا أخلاقيًا، بل تزرعه في القلب بوصفه طريق نجاة. فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام: «إن الله عز وجل جعل للشر أقفالًا، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شرٌّ من الشراب»، وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: «انظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فإن ذلك شيء اعتاده، فلو تركه استوحش، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته». وهذه الروايات شديدة الأهمية للعراق اليوم؛ لأنها تعيد ترتيب الأولويات. فالدين ليس مظهرًا فقط، وليس صورةً شعائريةً فحسب، بل هو صدق في الحديث وأداء في الأمانة. وما أكثر ما يتعب الناس حين يرون التناقض بين المظهر والجوهر، وبين الكلام والفعل، وبين الادعاء والسلوك.
إن المجتمع العراقي بطبيعته مجتمع عاطفي، سريع التفاعل، شديد التعلق بالرموز، قوي الاستجابة للخطاب الوجداني، وهذه ميزة عظيمة إذا وُجهت بالحق، لكنها قد تتحول إلى ثغرة خطيرة إذا تُركت للشائعات والمبالغات والتحريض. من هنا فإن المسؤولية لا تقع على السياسي وحده، ولا على رجل الدين وحده، ولا على الإعلامي وحده، بل على الجميع: على الأم التي تربي أبناءها على ألا يكذبوا ولو مازحين، وعلى الأب الذي يرفض أن يجعل من الشتيمة لغة يومية في بيته، وعلى المدرس الذي يعلم طلابه أن احترام الحقيقة جزء من الإيمان، وعلى الخطيب الذي لا يسمح لعاطفة الجمهور أن تدفعه إلى خطاب غير منضبط، وعلى الكاتب الذي يعرف أن الحبر قد يتحول إلى أذى إن خلا من التقوى.
وليس المقصود من الدعوة إلى أمانة الكلمة أن يصير المجتمع ساكتًا عن الباطل، أو خائفًا من النقد، أو عاجزًا عن المكاشفة. على العكس تمامًا؛ فإن القرآن نفسه علّم المؤمنين أن يشهدوا بالقسط، وأن يقولوا الحق ولو على أنفسهم. لكن الفرق كبير بين كلمة الإصلاح وكلمة الهدم، بين النقد المسؤول والتشهير، بين النصيحة والفضيحة، بين الغيرة على الصالح العام وتصفية الحسابات بلباس أخلاقي. العراق بحاجة إلى الكلمة الجريئة، نعم، ولكن الكلمة الجريئة التي تعالج ولا تنتقم، التي تكشف الخلل ولا تستثمره لإغراق المجتمع في اليأس، التي تدعو إلى التغيير ولا تهدم ثقة الناس بكل شيء حتى يفقدوا القدرة على النهوض.
ومن هنا تبرز قيمة المفهوم القرآني البديع: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}.
فالكلمة الطيبة ليست مجرد تهذيب اجتماعي، بل عبادة تصعد إلى الله. وما أعظم أن يشعر العراقي، في بيته وعمله ومنبره وشارعه، أن عبارته ليست حركة هواء، بل شيء يُكتب، ويُوزن، ويصعد، ويشهد له أو عليه. وإذا ترسخ هذا المعنى في القلوب، تغيّر الكثير من سلوكنا اليومي. سنكفّ عن الاستهانة بالسخرية، وعن تطبيع البذاءة، وعن تبرير الكذب بالمصلحة، وعن تغليف القسوة باسم الصراحة. وسنفهم أن اللسان قد يكون أداة عبادة كما يكون أداة هلاك، وأن من جاهد نفسه على الصدق والعدل في كلامه فقد بدأ فعلًا مسيرة الإصلاح.
وفي العراق خصوصًا، حيث الجراح كثيرة والذكريات الثقيلة لم تبرح النفوس، تصبح الكلمة الرحيمة جزءًا من العلاج الوطني. البلد الذي مرّ بالحروب والحصار والعنف والنزوح والإرهاب لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إعادة إعمار النفس. والكلمة هنا تلعب دورًا مصيريًا: كلمة تصبّر الأرملة، كلمة ترفع معنويات اليتيم، كلمة تجمع بين متخاصمين، كلمة تنصف مظلومًا، كلمة تمنع فتنة، كلمة تعيد الثقة لشاب كاد يضيع، كلمة تذكّر الناس بأن بينهم مشتركات أوسع من انقساماتهم، وأن الدين إذا صُدق معه كان جسرًا للرحمة لا وقودًا للخصام.
ولهذا فإن النهضة الحقيقية في العراق لا تبدأ فقط من المشاريع الكبرى، بل تبدأ أيضًا من أن يستعيد المجتمع احترامه للكلمة. أن يشعر الطالب أن الغش كذبٌ لا مهارة، وأن يشعر التاجر أن التدليس خيانة لا شطارة، وأن يشعر الموظف أن التوقيع الكاذب شهادة زور، وأن يشعر الخطيب أن الرواية التي لا يتيقن منها أمانة لا يجوز أن يعبث بها، وأن يشعر الإعلامي أن السبق الصحفي لا يبرر تشويه الناس، وأن يشعر الناشط في الفضاء الإلكتروني أن إعادة النشر مشاركة في المسؤولية. حينئذ فقط يتحول الصدق من فضيلة فردية إلى بنية حضارية.
ومن المنظور الشيعي الروائي، لا يمكن فصل هذا كلّه عن التهيؤ لعصر العدل الإلهي. فالمجتمع الذي ينتظر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس مجتمعًا يعيش على التمنّي، بل مجتمعًا يُفترض أن يربي نفسه على شروط النصرة، وأولى تلك الشروط طهارة اللسان واستقامة الكلمة. كيف يتهيأ الإنسان لنصرة القائم وهو يظلم الناس بلسانه؟ وكيف يرجو دولة الحق من يروّج الباطل إذا وافق هواه؟ وكيف يطلب الفرج من لم يتأدب بأبسط آداب الصدق في حديثه اليومي؟ إن الانتظار، في جوهره، تربية على الانضباط الأخلاقي، وعلى أن يكون الإنسان في كل تفاصيله مشروعَ نصيرٍ للحق، لا مجرد متمنٍّ له.
إن العراق الذي حفظ القرآن في مدارسه، وحفظ نهج البلاغة في وجدانه، وربّى أجيالًا على المنبر الحسيني، قادرٌ على أن يجعل من الكلمة مشروع إنقاذ. لا لأن الكلام وحده يكفي، بل لأن كل إصلاح يبدأ من معنى، وكل معنى يولد في عبارة، وكل عبارة إذا صدقت تحولت إلى موقف، ثم إلى عادة، ثم إلى ثقافة، ثم إلى واقع. وما أحوجنا اليوم إلى أن ننتقل من ثقافة الضجيج إلى ثقافة الصدق، ومن شهوة الانتصار في الجدل إلى شرف الأمانة في البيان، ومن فوضى التراشق إلى سكينة الكلمة المسؤولة.
وفي خاتمة المطاف، فإن العراق لا يفتقر إلى الأصوات، بل يفتقر إلى الأصوات التي تخاف الله فيما تقول. لا يفتقر إلى الخطب، بل إلى الخطب التي تداوي ولا تجرح. لا يفتقر إلى الحماسة، بل إلى الحماسة المؤدبة بالقرآن، الموزونة بميزان علي وأبنائه عليهم السلام. فإذا استقام لسان المجتمع، استقام شيء كثير من أمره، وإذا فسدت الكلمة، تسرب الفساد إلى الضمائر والعلاقات والمؤسسات. وهكذا تبقى أمانة الكلمة واحدة من أعظم الواجبات الرسالية على العراقي المؤمن: أن يقول حقًا، ويقصد خيرًا، ويبتغي إصلاحًا، ويذكر دائمًا أن الله يسمع، وأن أهل البيت عليهم السلام أرادوا لأتباعهم أن يكونوا ألسنة نور، لا ألسنة نار.



اضف تعليق