لعقود من الزمن، ركزت الجهود الأمنية الدولية في الشرق الأوسط على منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. بيد أن إغلاق مضيق هرمز، سواء بسبب الألغام البحرية أو الصراع العسكري المستمر، قد يجلب أضرارا مدنية على نطاق مماثل من خلال تعطيل أنظمة الغذاء والطاقة العالمية، فضلا عن إشعال شرارة أزمة مياه...
مكسيكو سيتي/واشنطن العاصمة ــ منذ بدأت الحملة الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، لم تتمكن من عبور مضيق هرمز سوى قِلة من السفن المائة التي كانت تعبره يوميا. والآن، مع ما يُقال عن إقدام إيران على زرع ألغام بحرية في الممر المائي الضيق، لم يَـعُد احتمال إغلاقه لعدة أيام ــ أو حتى أشهر ــ مجرد افتراض.
الواقع أن موجات الصدمة بدأت تنساب بالفعل عبر أسواق الطاقة العالمية، لكن العواقب الأكثر مباشرة وخطورة التي ستترتب على إغلاق الممر لفترة طويلة قد تظهر على مائدة العشاء، وليس عند محطات الوقود. ذلك أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر ملاحي لناقلات النفط؛ بل هو شريان حيوي للنظام الغذائي العالمي. تمر المواد الغذائية الأساسية ــ بما في ذلك القمح، والذرة، والأرز، وفول الصويا، والسكر، وعلف الحيوانات ــ عبر المضيق في طريقها إلى دول الخليج، ويعتمد المزارعون في مختلف أنحاء العالم على ما يخرج عبره من الأسمدة والوقود.
ودول الخليج، التي تعتمد بشدة على الأغذية المستوردة، معرضة للخطر بشكل خاص. فلتأمين الحبوب، والأرز، وعلف الحيوانات، وزيت الطهي، تعتمد هذه الدول على الممرات المائية المفتوحة والتدفق المستمر من الشحنات الدولية.
وكما أظهرت جائحة كوفيد-19، فإن هشاشة سلاسل الإمداد ليست مجرد مشكلة تنشأ في أوقات الحرب. على مدار السنوات القليلة الأخيرة، اتخذت دول عديدة في الخليج خطوات لتعزيز أنظمتها الغذائية، من خلال توسيع الاحتياطيات الاستراتيجية والاستثمار في الإنتاج المحلي. كما استكشفت طرق شحن بديلة، حيث تُـنقَل بعض البضائع برا أو عبر موانئ تتجاوز مضيق هرمز، مثل ميناء جدة الإسلامي في المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر.
نجحت هذه التدابير في تحسين المرونة، لكنها من غير الممكن أن تعوض بالكامل عن إغلاق طويل الأمد للخليج الفارسي. يمر ما يقرب من 70% من الأغذية التي تُـستَـهلَك في البحرين، والكويت، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والعراق عبر مضيق هرمز. وبحسب قاعدة البيانات الإحصائية التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAOSTAT)، فإن الاستعاضة عن الواردات الـمُعَطَّلة في هذه الدول، التي يبلغ مجموع سكانها نحو 100 مليون نسمة، يتطلب نقل ما يقرب من 191.3 مليون رطل من الأغذية إلى المنطقة كل يوم.
وعلى هذا فإن إمداد دول الخليج تحت الحصار يتطلب عملية إنسانية غير مسبوقة، وربما عبر مجال جوي متنازع عليه. على سبيل المقارنة، نجح برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تسليم 15 مليون رطل فقط في المتوسط يوميا من المواد الغذائية يوميا إلى 81 مليون شخص في 71 دولة في عام 2024.
الحصار الكامل سيضر بإيران بقدر ما يضر بجيرانها العرب. فسوف تتسبب ارتباكات التجارة البحرية في الضغط على إيران من الجهتين، بما يقيد صادرات الطاقة بينما يرفع تكلفة المواد الغذائية الأساسية المستوردة مثل القمح، والأرز، وعلف الحيوانات، والزيت النباتي. بالنسبة لعدد كبير من الإيرانيين، أصبحت الضروريات الأساسية، من الخبز إلى إيجار المسكن، غير ميسورة التكلفة بالفعل، الأمر الذي أدى إلى تأجيج الاحتجاجات الجماهيرية التي اجتاحت البلاد في وقت سابق من هذا العام.
تاريخيا، كان ارتفاع أسعار المواد الغذائية ونقصها من العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى القلاقل السياسية. في عام 2008، تسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، إلى جانب الظروف الجوية القاسية وإخفاق السياسات على نحو مستمر، في تضاعف أسعار المحاصيل الأساسية تقريبا، لتشتعل شرارة أعمال الشغب بسبب الغذاء في عشرات البلدان. وبعد بضع سنوات، في عامي 2010 و2011، أدت موجة غير مسبوقة تاريخيا من الجفاف والحرارة في روسيا إلى انخفاض حاد في محاصيل الحبوب، فارتفعت أسعار الغذاء العالمية إلى مستويات غير مسبوقة، وساعد هذا في تمهيد الساحة للربيع العربي.
في وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، تسبب غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022 في دفع أسعار الحبوب، والأسمدة، والوقود العالمية إلى الارتفاع، فساهم ذلك في زيادة حادة في مستويات انعدام الأمن الغذائي. ومع خضوع النظام الغذائي العالمي لضغوط متزايدة بسبب الصدمات المناخية والتأثيرات المتبقية من الجائحة، فليس من المستغرب أن يواجه العالم أكبر موجة من النزاعات العنيفة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
سوف يمتد الأثر المترتب على أي ارتباكات إضافية في مضيق هرمز إلى ما يتجاوز حدود الخليج كثيرا. يعتمد المزارعون في مختلف أنحاء العالم، من جنوب آسيا إلى البلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا ــ وحتى في أوروبا والولايات المتحدة ــ على إمدادات مستقرة من الأسمدة والوقود. ويشكل الغاز الطبيعي مكونا رئيسيا في الأسمدة النيتروجينية، التي تُـعَد حجر الزاوية في الزراعة الحديثة والتي ساعدت في ارتفاع غلة المحاصيل إلى مستويات غير مسبوقة. ويمر عبر المضيق ما يقدر بنحو 30-40% من الأسمدة النيتروجينية المتداولة على مستوى العالم.
عندما تصبح أسعار الأسمدة والوقود أكثر تكلفة، يتكيف المزارعون عن طريق استخدام كميات أقل من الأسمدة أو زراعة مساحات أقل. ونتيجة لهذا، تنخفض غلة المحاصيل، وتنتشر التأثيرات عبر النظام الغذائي بالكامل. فمن المزارعين وسائقي الشاحنات إلى مصنعي الأغذية، تُـمَرِّر سلاسل التوريد التكاليف الأعلى حتى تصل إلى فواتير البقالة التي تتحملها الأسر.
في حين قد تُـفضي ارتباكات شحن الغذاء، والوقود، والأسمدة إلى ارتفاع الأسعار في غضون أسابيع أو أشهر، فإن موردا آخر قد يكون عُرضة للخطر في غضون أيام: المياه. فإذا تسبب الصراع في تلويث مياه الخليج أو تعطيل محطات تحلية المياه، فسوف تكون العواقب كارثية.
المخاطر جسيمة بالفعل. في الأسبوع الماضي، أبلغت كل من البحرين وإيران ــ التي تعاني هي نفسها من نقص حاد في المياه ــ عن هجمات ضد محطات تحلية المياه. إذا كانت هذه الهجمات متعمدة، فإنها تُـعَـد من جرائم الحرب بموجب القانون الدولي، ذلك إن تدمير أو تلويث هذه المنشآت يهدد على الفور حياة الملايين. وفي حين أثبتت أوكرانيا إمكانية إصلاح البنية الأساسية الحيوية تحت النيران، فإن أنظمة تحلية المياه شديدة التعقيد، والبدائل السريعة قليلة.
لعقود من الزمن، ركزت الجهود الأمنية الدولية في الشرق الأوسط على منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. بيد أن إغلاق مضيق هرمز، سواء بسبب الألغام البحرية أو الصراع العسكري المستمر، قد يجلب أضرارا مدنية على نطاق مماثل من خلال تعطيل أنظمة الغذاء والطاقة العالمية، فضلا عن إشعال شرارة أزمة مياه إقليمية. يتعين على أطراف النزاع كافة، إلى جانب المجتمع الدولي الأوسع، بذل كل ما في وسعهم لمنع مثل هذه النتيجة.
من ناحية أخرى، يجب أن تخدم هذه الحادثة كتحذير: النظام الغذائي العالمي معرض للخطر بشدة. ويتعين على صُـنّاع السياسات أن يعملوا على تعزيزه قبل أن تدفع الصدمة التالية ملايين آخرين نحو هاوية إنسانية.



اضف تعليق